عائدات التركة الشائعة قبل قسمتها
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
![]() |
| التركة الشائعة |
عائدات ومنافع اموال التركة الشائعة قبل قسمتها حق لجميع الورثة كل بقدر نصيبه الشرعي، فبمجرد وفاة المورث تنتهي شخصيته الطبيعية وتنتهي ذمته المالية ، وتتعلق كافة الحقوق والإلتزامات التي كانت عليه تتعلق باموال التركة وليس بشخص المورث الذي مات.
وبمجرد ثبوت وفاة المورث تصير جميع امواله وحقوقه القابلة للتصرف تصير تركة شائعة مملوكة للورثة جميعا كل وارث بحسب نصيبه الشرعي في التركة . وبناء على ذلك فان منافع وغلات او عائدات او ثمار او ايجارات أو ارباح اموال التركة تكون ايضا مملوكة على الشيوع بين الورثة جميعا كل وارث بقدر نصيبه الشرعي في التركة.
فإذا انفرد بعض الورثة بالإنتفاع او إستغلال اموال التركة لحسابه قبل قسمتها فانهم يكونوا ملزمين شرعا وقانونا وقضاء بدفع نصيب كل وارث من الغلال والارباح والثمار طوال فترة إنتفاعهم أو إستغلالهم لاموال التركة مهما طالت مدة الانتفاع او الاستغلال، اذ ان احكام التقادم لا تسري بين الورثة في التركة الشائعة ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٧/١١/٢٠١٦م، في الطعن رقم (٥٨٥١٨) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى: (ثانيا- الزام المدعى عليهم المستغلين للتركة تسليم المدعي ما يستحقه من غلة منذ تاريخ وفاة المورث قبل عشر سنوات ويتم تقدير الغلة عن طريق خبيرين عدلين) ،وقد قضى الحكم الإستئنافي بتاييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة ان حكم الإستئناف بتاييد الحكم الابتدائي موافق للشرع والقانون لما علل به واستند اليه على النحو الوارد في تفاصيل الحكم الابتدائي، وحيث ان عريضة الطعن لا تشتمل على اية حالة من حالات الطعن بالنقض وفقا للمادة (٢٩٢) مرافعات ،ولذلك فان الدائرة ترفض الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: إنتهاء شخصية المورث بموته:
نصت المادة (٣٧) من القانون المدني اليمني على انه: (تبدا شخصية الإنسان وقت ولادته حيا وتنتهي بموته، ومع ذلك فان للحمل المستكن حقوقا اعتبرها القانون).
وهذا النص يصرح بإنتهاء شخصية الانسان بموته ، ومفاد هذا النص انتهاء شخصية المورث بموته ، وبإنتهاء شخصية المورث بموته تنتهي ذمة المورث المالية وملكيته للاشياء والحقوق، وتنتقل املاكه وحقوقه الى ورثته مثقلة بكافة الحقوق والإلتزامات المستحقة للغير التي تتعلق باموال التركة
الوجه الثاني: انتقال ملكية اموال التركة الى الورثة من ساعة وتاريخ وفاة المورث:
نصت المادة (٣٠٠) من قانون الاحوال الشخصية اليمني على أنه: (لا إستحقاق لاحد في تركة المورث إلا بعد تحقق وفاته او صدور حكم من القضاء بإعتباره ميتا مع مراعاة حياة الوارث عند الوفاة حقيقة أو حكما).
ومعنى هذا النص ان اموال المورث وحقوقه تصير تركة يستحقها ورثته الاحياء بدءا من ساعة ثبوت وفاة المورث.
فقد سبق القول أن الذمة المالية للمورث تنتهي بمجرد موته، ومنذ هذه الساعة تنتقل أموال المورث إلى ورثته الشرعيين الأحياء في هذه الساعة، وبناءً على ذلك فإن ساعة موت المورث هي تاريخ إستحقاق الوارث نصيبه الشرعي في تركة مورثه و وإستحقاقه لمنافعها وغلاتها بقدر نصيبه الشرعي.
ونصيب الوارث في اموال التركة ومنافعها وغلاتها ثابت بحكم الشرع سواءً تمت قسمة اموال التركة بعد موت المورث مباشرة أو ظلت التركة من غير قسمة لمدة من الزمن، ومن هذا المنطلق فإن الوارث يكون صاحب حق في أموال التركة وفي عائداتها بقدر نصيبه الشرعي في اموال التركة، ويتقرر هذا الحق بدءاً من ساعة ثبوت موت المورث.
الوجه الثالث: الشيوع في االتركة يؤدي الى شيوع منافعها وعائداتها:
التركة الشائعة قبل قسمتها تكون مملوكة على الشيوع بين جميع الورثة كل واحد من الورثة بقدر نصيبه الشرعي، والتركة الشائعة في الفقه الاسلامي صورة من صور شركة الملك اوشركة الاملاك بحسب تعبير الفقهاء.
وقد عرف القانون المدني اليمني الملكية الشائعة ، وذلك في المادة (1180) التي نصت على ان : (الملكية الشائعة (شركة الاملاك) هي ان يملك اثنان او اكثر مالا عينا او دينا بسبب من اسباب الملك).
في حين بينت المادة (1181) مدني انواع الملكية الشائعة ومنها التركة الشائعة قبل قسمتها، فقد نصت هذه المادة على ان: (الملكية الشائعة (شركة الاملاك) نوعان:-
1- اختيارية. 2- قهرية.
فالشركة الاختيارية : هي ان يملك الشركاء مالا بتصرف اختياري شراء او هبة او وصية او بخلط اموالهم باختيارهم.
الشركة القهرية: هي ان يملك الشركاء مالا بالارث او باختلاط اموالهم بغير اختيار منهم اختلاطا لا يمكن معه تمييز مال كل منهم ان كان المال متحد الجنس او يمكن تمييز مال كل منهم بمشقة وكلفة ان كان المال مختلف الجنس).
ووفقا لهذا النص فان التركة الشائعة قبل قسمتها هي صورة من صور الشركة القهرية المذكورة في هذا النص.
اما المادة (1182) مدني فقد بينت حدود تصرف الشريك في المال الشائع ، إذ نصت هذه المادة على انه : (لكل واحد من الشركاء في الملك ان يتصرف في حصته كيف يشاء لشريكه مطلقا ولغير شريكه بدون اذن الشريك الاخر اذا كان التصرف لا يضر نصيبه, وباذنه اذا كان التصرف يضر نصيبه واذا تصرف الشريك في حصته بدون اذن شريكه مع تحقق الضرر كان لشريكه ان يبطل التصرف, ولا يخل ما تقدم بحق الشريك في اخذ حصة شريكه المتصرف فيها بالشفعة طبقا لشروطها المنصوص عليها في بابها).
وقد تناولت المادة (1183) مدني الحالات التي يجوز فيها إجبار الشريك على بيع حصته الشائعة في المال المشترك الشائع، فقد نصت هذه المادة على انه : (ليس للشريك ان يجبر شريكه على التصرف في حصته له او لغيره، وتستثنى من ذلك حالة ما اذا كانت حصة الشريك مما لا ينتفع به فيجبر مالكها على بيعها لشريكه اذا طلب شرائها، ويجبر الشريك على شرائها بثمن المثل اذا طلب مالكها بيعها له).
ومن خلال إستقراء النصوص السابقة يظهر ان ملكية الورثة للتركة تكون على الشيوع بقدر نصيب كل وارث ، وتبعا لذلك فان كل وراث يستحق من عائدات او ثمار او ارباح كل مال من اموال بقدر نصيبه الشائع في ذلك المال.
الوجه الرابع: اثر إنفراد بعض الورثة بالإنتفاع او إستغلال اموال االتركة قبل قسمتها:
غالبا ما تكون اموال التركة الشائعة بحوزة احد الورثة او بعضهم، إذ ينفرد الوارث الحائز للمال او اموال التركة بالإنتفاع او الاستغلال لاموال التركة دون غيره من الورثة الاخرين ، مع ان كل مال من اموال التركة الشائعة مملوك على الشيوع بين جميع الورثة، وتبعا لذلك فان الانتفاع او الإستغلال باموال التركة مقرر لكل وارث بقدر نصيبه في المال الشائع.
وعلى هذا الاساس فان الوارث المنتفع باي من اموال التركة ملزم بدفع الايجار لكل وارث بقدر نصيبه في ذلك المال الذي ينتفع به المنتفع.
واذا كان احد الورثة يقوم بإستغلال واستثمار اي من اموال التركة فان الوارث المستغل ملزم بدفع نصيب كل وارث من عائدات المال الذي قام بإستغلاله. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٢٩).
الوجه الخامس: لا يجوز للوارث المستغل لاموال االتركة وعائداتها قبل قسمتها ان يتمسك بالتقادم في مواجهة الورثة الاخرين :
استثنى القانون المدني اليمني الوارث الحائز لاي من اموال التركة الشائعة استثناه القانون من احكام تقادم الحقوق ، فقد ورد في نهاية المادة (١١١٨) مدني هذا الاستثناء من التقادم ، فقد نصت هذه المادة في نهايتها على انه : (ويستثنى من ذلك الميراث والوقف والشراكة فلاتحدد بمدة...).
الوجه السادس: متى يتم فرز وتعيين نصيب الوارث من غلة التركة الشائعة قبل قسمتها:
قبل قسمة التركة الشائعة يكون نصيب الوارث في التركة الشائعة غير مفرز او غير معين وانما يكون شائعا أي منتشر في كل اجزاء أموال التركة، ومع ذلك فإن نصيب الوارث في أموال التركة الشائعة مقدر بقدر الفريضة الشرعية التي قررها الشارع تبارك وتعالى ، وبناءً على ذلك فإن الوارث يستحق من غلات التركة الشائعة بقدر نصيبه من أموال التركة الشائعة، وبناء على ذلك فانه يحق للوارث أن يطالب بنصيبه من غلة التركة منذ وفاة المورث حتى تاريخ تسليمه نصيبه او تمييز نصيبه مفرزاً ، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه السابع: المدعى عليه في دعوى الوارث بنصيبه من الغلة:
وفقاً لقانون الإثبات وقانون المرافعات فإن الدعوى بصفة عامة ينبغي أن يتم توجيهها إلى الشخص الحائز للمال المدعى به أو الذي يكون المال المدعى به تحت يده حقيقة او حكما، وفي هذا المعنى اشترطت المادة (9) إثبات للدعوى عند توجيهها إلى المدعى عليه اشترطت (1- ثبوت يد المدعى عليه على الحق المدعى فيه حقيقة أو حكماً).
وقد تكون أموال التركة متفرقة أي تقع تحت أيادي أكثر من شخص، وعندئذٍ يحق للوارث أن يرفع أو يوجه دعواه على جميع الأشخاص الذين بحوزتهم أو تحت اياديهم أموال التركة، لأن نصيب الوارث في التركة قبل قسمتها شائع في كل اجزاء وأنحاء أموال التركة المختلفة اينما كانت وتحت أي يد كانت.
ومن المعروف ان المقصود بالشخص المدعى عليه الذي تحت يده المال حقيقة بالنسبة للحقوق العينية هو الوارث الحائز بالفعل للمال المطلوب غلته ، والمقصود بالشخص الذي المال المدعى به تجت يده حكما هو الوارث الذي قام بتاجير اي مال من أموال التركة إلى الغير أو قام بإعارته للغير ، لان المؤجر في هذه الحالة يضع يده على المال لحساب المؤجر الذي قام بتاجيره.
الوجه الثامن: تقدير غلة الوارث في مال او اموال التركة الشائعة قبل قسمتها:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن يتم تقدير نصيب المدعي من غلة تركة مورثه الشائعة عن طريق خبيرين عدلين، لأن المدعي كان قد طلب تسليمه نصيبه من غلة تركة مورثه الشائعة منذ تاريخ وفاة مورثه قبل عشر سنوات من رفعه للدعوى، حتى تاريخ تمييز وفرز نصيبه من التركة وتسليمه نصيبه بالفعل، أي أن المدعي كان قد طلب تسليمه نصيبه من اموال التركة التي يستغلها المدعى عليه وكذا تسليمه نصيبه من الغلة للسنوات السابقة حتى تاريخ تسليمه نصيبه في اموال التركة التي يستغلها المدعى عليه.
ولذلك فإن تقدير انصبة الورثة من الغلة في هذه الحالة يحتاج إلى الرجوع إلى العدول الخبراء العارفين بمقدار غلات أموال التركة خلال السنوات السابقة لتسليم نصيب المدعي من الاموال.
وقد تعذر على المحكمة تعيين الخبراء العدول قبل صدور حكمها، لان المدعى عليه مستمر في الإنفراد بإستغلال اموال التركة التي بحوزته الى وقت صدور الحكم وهذا الوضع مستمر بعد صدور الحكم ، وعلى هذا الاساس فان الحكم محل تعليقنا ليس معلقا فضلا عن أن القاضي لو قام بتعيين العدول قبل ان صدور الحكم لكان قد افصح عما سيحكم به وهو استحقاق المدعي لنصيبه من للغلة.
غير إنه في بعض الحالات لا يحتاج تقدير الغلة أو العائد إلى أعمال الخبرة مثل مطالبة الوارث بنصيبه من إيجار عين مؤجرة بموجب عقد إيجار مكتوب فيه مبلغ الإيجار الشهري النقدي ، ففي هذه الحالة فإن نصيب الوارث مقدر بقدر نصيبه الشرعي في العين المؤجرة، فلا يحتاج الأمر إلى خبراء لتقدير غلة العين المؤجرة بمبلغ نقدي معين.
الوجه التاسع: استقلال صفة ومصلحة كل وارث في الإدعاء والمطالبة بنصيبه من الغلة:
بما أن نصيب الوارث شائعاً في كافة أموال تركة مورثه فإن لكل واحد من الورثة صفة ومصلحة في الإدعاء والمطالبة بنصيبه من غلات أي مال من أموال التركة في مواجهة أي حائز أو منتفع أو مستغل لأي من أموال التركة سواءً أكان هذا الشخص من الورثة أم من غيرهم، فلا يشترط أن يطالب جميع الورثة بذلك، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٣١)، والله اعلم.
