معنى: لا حكم في مصاريف الخصومة
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
نصت المادة (258) من قانون المرافعات اليمني على أنه: (يجب على المحكمة من تلقاء نفسها أن تحكم بإلزام المحكوم عليه بالنفقات في الحكم الذي تنتهي به الخصومة امامها ، وإذا اخفق كلٍ من الخصمين في بعض الطلبات تقسم المحكمة النفقات بينهما بنسبة المحكوم به على كلٍ منهما ، وإذا تعدد المحكوم عليهم بالنفقات أو المحكوم لهم بها قسمت بالتساوي بينهم أو بحسب ما تقرره المحكمة ولا يلزم المحكوم عليهم بالتضامن إلا إذا كانوا متضامنين في أصل المحكوم به).
فالظاهر من هذا النص انه يفيد الوجوب ، لان صيغة النص تفيد ذلك (يجب على المحكمة) ، كذلك يظهر من عبارة : (الحكم الذي تنتهي به الخصومة امامها) الواردة في النص السابق يظهر ان الحكم بالمصاريف لايكون الا عندما يكون الحكم منهيا للخصومة أمام المحكمة، ومفهوم ذلك ان المحكمة لاتحكم بالمصاريف اذا لم يكن حكمها منهيا للخصومة ، وبناء على ذلك نطالع في منطرق بعض الاحكام فقرة تنص على انه: لاحكم في المصاريف مثلما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٥/١٢/٢٠١٠م، في الطعن رقم (٤١٩٨٩)، فقد قضى هذا الحكم بـ: (١-قبول الطعن موضوعا -٢- نقض الحكم الإستئنافي المطعون فيه -٣- إعادة اوراق القضية الى الشعبة الاستئنافية لنظرها من جديد بجلسات متتالية-٤- إعادة مبلغ الكفالة للطاعن -٥- لا حكم في مصاريف مرحلة النقض حتى صدور حكم فاصل في الخصومة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: تعريف الحكم المنهي للخصومة:
الحكم المنهي للخصومة، هو الحكم الذي يؤدي إلى انقضاء الخصومة بأكملها أمام المحكمة التي تنظرها، سواء أكان حكما فاصلا في الموضوع، كالحكم بإجابة طلبات المدعي أو برفض طلباته، أو كان حكما إجرائيا لم يفصل في موضوع الدعوى كالحكم بعدم الاختصاص أو عدم توفر المصلحة وهو حكم صادر في درجة التقاضي دون الاعتداد بانتهاء الخصومة بالنسبة إلى خصم بعينه أو بالنسبة إلى محكمة ما.
فالحكم المنهي للخصومة يمكن أن يكون موضوعيت أو إجرائيا قطعيا، أو غير قطعي. (التعليق على قانون المرافعات، أستاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور احمد ابو الوفاء ، منشأة المعارف الاسكندرية ١٩٩٧م، صـ٤٠٦).
وبما أن الخصومة تنتهي بصدور حكم في موضوعها، فانها قد تنتهي كذلك بصدور حكم فرعي، فيكون ذلك الحكم الفرعي قابلا للطعن المباشر.
ويقصد بالخصومة التي ينهيها الحكم هي: تلك التي جاءت بمقتضى الطلب الأصلي أو التي تم تعديل نطاقها من حيث السبب أو الموضوع أو الأطراف، الذين تقدموا بطلبات عارضة من جانب أحد الخصوم في مواجهة الأخر أو من جانب أحدهما في مواجهة شخص خارج عن الخصومة.
كما يعد الحكم منهيا للخصومة سواء أكان فاصلا في موضوعها أم صادرا قبل الفصل فيه ، وسواء قضى الحكم بإجابة موضوع الطلبات أم برفضها.
أما الحكم الذي لا ينهي الخصومة كلها فانه لا يقبل الطعن المباشر وإن كان من شأنه أن ينهي الخصومة بالنسبة لطلب ما تم الحكم في موضوعه، وفي حالة تقرر المحكمة ضم طلبين مرتبطين يصبح الحكم الصادر في أحدهما غير قابل للطعن المباشر ، لأنه لا ينهي الخصومة برمتها وأن كان قد أنهى الخصومة بالنسبة لهذا الطلب.
أما في حالة تعدد الطلبات مع استقلالها عن بعضها في كافة عناصرها، فإن الحكم المنهي للخصومة في أحدها يقبل الطعن فيه على استقلال ولو صدر قبل الفصل في الطلبات الأخرى.
وكذلك شان الحكم الذي ينهي الخصومة بالنسبة إلى خصم دون باقي الخصوم لأن العبرة بانقضاء الخصومة كلها بالنسبة لجميع الأطراف .
أما الحكم الذي ينهي الخصومة لبعض الخصوم بحيث تبقى معلقة بالنسبة لبعضهم الآخر، فلا يقبل الطعن المباشر، ومن ذلك الحكم بعدم قبول طلب التدخل ، ذلك إن تطور نطاق الخصومة باتساعها لا ينبغي أن يؤثر في وحدتها كونها خصومة واحدة، فبالرغم من اتساع نطاقها من حيث الموضوع أو الأطراف فأنها تجمع بين طياتها نسيجة واحدة لنزاع واحد أو نزاعات مرتبطة، ولهذا لا يصح أن تنتقل من درجة التقاضي في أول درجة إلى درجة التقاضي الثانية إلا وهي محتفظة بهذا التماسك لضمان أن يصدر فيها حكم واحد أو أحكام متعددة، لكنها ليست متعارضة.
ومما سبق يمكن القول: أن الحكم المنهي للخصومة هو الذي يصدر في موضوع الدعوى برمته أو ينهي الخصومة كلها، وهو الذي ينهي إجراءات هذه الخصومة المطروحة على درجة التقاضي التي صدر فيها، فلا بد أن نكون بصدد قضاء في خصومة وأن يتمخض هذا القضاء عن حكم وضع نهاية لها، أما الأحكام التي تصدر أثناء سير الدعوى دون أن تنهيها سواء تعلقت بالإجراءات أو بمسألة فرعية، أو تعلقت بالإثبات أو بقبول الدعوى أو بموضوع النزاع فلا تقبل الطعن المباشر وإنما مع الحكم المنهي للخصومة. (الطعن المباشر في الأحكام القضائية، د. امل خميس، صـ٤٦).
وعلى هذا الاساس فان المحكمة ملزمة بالحكم بالمصاريف عندما تصدر حكمها المنهي للنزاع، وغير ملزمة بالحكم بالمصاريف عندما لايكون حكمها غير منه للنزاع . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالاستئناف، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٢٧٦).
الوجه الثاني: المحكوم عليه الذي يتحمل مصاريف التقاضي وفقاً للقانون:
نصت المادة (258) من قانون المرافعات اليمني على أنه: (يجب على المحكمة من تلقاء نفسها أن تحكم بإلزام المحكوم عليه بالنفقات في الحكم الذي تنتهي به الخصومة امامها ، وإذا اخفق كلٍ من الخصمين في بعض الطلبات تقسم المحكمة النفقات بينهما بنسبة المحكوم به على كلٍ منهما ، وإذا تعدد المحكوم عليهم بالنفقات أو المحكوم لهم بها قسمت بالتساوي بينهم أو بحسب ما تقرره المحكمة ولا يلزم المحكوم عليهم بالتضامن إلا إذا كانوا متضامنين في أصل المحكوم به).
بموجب أحكام النص السابق القانوني السابق فإن المحكوم عليه هو الذي يتحمل مصاريف التقاضي، لأن القانون افترض أن المحكوم عليه هو المتعنت في دعواه أو في دفاعه لدعوى خصمه، فلا ريب أن المحكوم عليه كان يعرف منذ البداية او اثناء سير إجراءات التقاضي أنه غير محق في دعواه أو دفاعه لدعوى خصمه ، أو كان بوسع المحكوم عليه ان يعلم ذلك عن طريق محاميه ومستشاريه القانونيين، ومع هذا وذاك فقد مضى المحكوم عليه في إجراءات التقاضي حتى صدر الحكم عليه.
فقد كان بوسع المحكوم عليه أن يسلم بحق خصمه منذ علمه باحقية خصمه المحكوم له من غير حاجة إلى تداعي أمام القضاء أو من الاستمرار في عناده وخصامه امام القضاء، ولذلك فقد كان تعنت المحكوم عليه وعناده وإمتناعه عن التسليم بحق المحكوم له هو الباعث والدافع للمحكوم للجوء إلى القضاء ومواصلة إجراءات المحاكمة حتى صدور الحكم لصالحه ، فلو كان المحكوم عليه قد أذعن لصوت الحق والعدل لما لجاء المحكوم له إلى القضاء ولما سار في إجراءات التقاضي حتى صدور الحكم لصالحه، فالسبب يرجع إلى المحكوم عليه.
بيد انه مفهوم المحكوم عليه الذي يقضي الحكم بتحميله المصاريف هو المحكوم عليه في حكم نهائي . ولذلك فقد لاحظنا ان الحكم محل تعليقنا كان قد قضى لصالح الطاعن حيث قبل طعنه موضوعا ونقض الحكم الذي طعن فيه واعاد له الكفالة غير ان الحكم محل تعليقنا لم يحكم له بالمصاريف لان الحكم محل تعليقنا لم يكن منهيا للخصومة، وانما احال القضية الى الشعبة الاستئنافية للفصل فيها من جديد.
الوجه الثالث: سبب عدم الحكم بالمصاريف اذا لم يكن الحكم منهيا للخصومة:
مع ان المحكوم عليه يتكبد مصاريف عدة في الخصومة القائمة فيما بينه وبين خصمه المحكوم عليه الا ان حقه في المصاريف لايتقرر ولايستقر الا عند صدور الحكم المنهي للخصومة ، لان مركز المحكوم له في الحكم غير المنهي للخصومة غير مستقر فقد يتغير مركزه في الحكم المنهي للخصومة فيصير محكوما عليه ، فضلا عن أن مصاريف التقاضي غير نهائية في الحكم الغير النهائي، وليس هناك اي ضرر يلحق بالمستحق للمصاريف من هذا الأمر، لان المحكمة التي ستصدر الحكم النهائي ستضع في حسبانها المصاريف التي دفعها المحكوم عليه اثناء اجراءت التقاضي السابقة للحكم غير المنهي للخصومة وتلك التي تكبدها اثناء اجراءات التقاضي السابقة للحكم المنهي للخصومة.
الوجه الرابع: ماهية مصاريف التقاضي:
بينت المادة (257) من قانون المرافعات اليمني مكونات مصاريف التقاضي أو نفقات المحاكمة، فقد نصت هذه المادة على أن (نفقات المحاكمة هي ما يثبت بوجه شرعي وقانوني أن الخصوم انفقوه في الخصومة ، ويدخل في ذلك ما يأتي: - الرسوم القضائية – اجور الخبراء – نفقات الشهود – نفقات إتخاذ الإجراءات التحفظية – اجور من تنصبه المحكمة عن الخصم الغائب – اجرة المحامين بما تقدره المحكمة – ولا يدخل في نفقات المحاكمة التعويضات ولا ما قضت به المحكمة على الخصم من غرامات بسبب تعطيل الفصل في الدعوى وعدم الامتثال لقراراتها وأوامرها).
الوجه الخامس: وجوب الحكم بمصاريف التقاضي في الحكم المنهي للخصومة من تلقاء المحكمة ذاتها:
اوجب قانون المرافعات على المحكمة عند حكمها المنهي للخصومة أن تحكم بتحميل المحكوم عليه مصاريف التقاضي من تلقاء ذاتها ومن غير حاجة إلى أن يطلب الخصم من المحكمة ذلك، وفي هذا الشأن نصت المادة (258) مرافعات على أنه (يجب على المحكمة من تلقاء نفسها أن تحكم بإلزام المحكوم عليه بالنفقات في الحكم الذي تنتهي به الخصومة امامها ، وإذا اخفق كلٍ من الخصمين في بعض الطلبات تقسم المحكمة النفقات بينهما بنسبة المحكوم به على كلٍ منهما ، وإذا تعدد المحكوم عليهم بالنفقات أو المحكوم لهم بها قسمت بالتساوي بينهم أو بحسب ما تقرره المحكمة ولا يلزم المحكوم عليهم بالتضامن إلا إذا كانوا متضامنين في أصل المحكوم به).
فالظاهر من هذا النص انه يفيد الوجوب ، لان صيغة النص تفيد ذلك (يجب على المحكمة) ، وقيام المحكمة بالحكم بمصاريف التقاضي من تلقاء ذاتها على هذا النحو الوارد في النص السابق يعد استثناء من قاعدة : عدم جواز الحكم بما لم يطلبه الخصوم المقررة في المادة (221) مرافعات التي نصت على أنه (ولا يجوز للمحكمة ان تحكم بما لم يطلبه الخصوم) ، وفيما قرره النص السابق دليل على أن الغاية من الحكم بمصاريف التقاضي على المحكوم عليه يتجاوز فكرة إعادة المبالغ التي تكبدها المحكوم له، إذ أن الحكم بالمصاريف القضائية على هذا النحو يتضمن معنى ردع نازع اللدد والخصومة لدى المحكوم عليه.
الوجه السادس: السلطة التقديرية للمحكمة في تقدير مصاريف التقاضي عند الحكم المنهي للخصومة:
نصت المادة (261) مرافعات على أن (تقدر المحكمة نفقات الخصومة في الحكم كلما امكن ذلك وإلا قدرها رئيس المحكمة التي اصدرت الحكم بناءً على طلب المحكوم له بأمر على عريضة فيكون محتوياً على قائمة مفصلة بالنفقات المحكوم بها ولا يخضع هذا الأمر للسقوط المقرر للأوامر على عرائض).
وعند إستقراء هذا النص يظهر أنه صرح بتقدير (نفقات الخصومة) وهذا اللفظ جمع مضاف ، والجمع المضاف من ألفاظ العموم كما هو مقرر في القواعد الأصولية ، ومعنى ذلك: أن تقدير نفقات التقاضي يجب أن يشمل كافة نفقات الخصومة التي انفقها بالفعل المحكوم له، كما أن المقصود بتقدير نفقات الخصومة: هو أن يتم تقديرها في ضوء الأدلة والمستندات المؤيدة لطلب الحكم بالنفقات.
كما يظهر من إستقراء النص القانوني السابق وتحديدا من عبارة: (تقدر المحكمة نفقات الخصومة في الحكم كلما امكن ذلك)، يظهر من هذه العبارة ان تقدير نفقات الخصومة او التقاضي يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة، بيد ان هذه السلطة ليست مطلقة وانما مقيدة بقيود وضوابط عدة ، بعضها وردت في المادة (258) من قانون المرافعات اليمني التي نصت على أنه: (يجب على المحكمة من تلقاء نفسها أن تحكم بإلزام المحكوم عليه بالنفقات في الحكم الذي تنتهي به الخصومة امامها ، وإذا اخفق كلٍ من الخصمين في بعض الطلبات تقسم المحكمة النفقات بينهما بنسبة المحكوم به على كلٍ منهما ، وإذا تعدد المحكوم عليهم بالنفقات أو المحكوم لهم بها قسمت بالتساوي بينهم أو بحسب ما تقرره المحكمة ولا يلزم المحكوم عليهم بالتضامن إلا إذا كانوا متضامنين في أصل المحكوم به).
فقد تضمن النص القانوني السابق بعض القيود او الضوابط التي يتم على اساسها تقدير مصاريف الخصومة ، وبالاضافة الى الضوابط الواردة في النص القانوني السابق فهناك عدة ضوابط اخرى لتقدير المحكمة لمصاريف الخصومة ،من هذه الضوابط : حسن نية الخصمين ومدى وضوح محل النزاع او غموضه وسلوك الخصوم اثناء اجراءات نظر الخصومة ومدة نظر الخصومة وما اذا القضية مركبة من عدة طلبات ودفوع او بسيطة...الخ، ففي ضوء ذلك يقوم قاضي الموضوع بتقدير مصاريف الخصومة او مصاريف التقاضي وذلك في الحكم المنهي للخصومة.
والقاعدة ان يتم تقدير مصاريف الخصومة في كل درجة من درجات التقاضي إستقلالا على حدة في ضوء مايظهر امام محكمة الدرجة التي تنظر الخصومة ، ومعنى ذلك ان محكمة الدرجة. تحدد نفقات او مصاريف الخصومة التي قامت امامها. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م ، صـ٢٤٨)، والله اعلم.
