معنى: التسبيب السائغ للحكم
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء.
قال تعالى: (وان لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) ، فالشئ السائغ هو اللذيذ الطعم والمستساغ تذوقه المقبول والمقنع والمنطقي الذي يستسيغه ويقبله العقل والمنطق السليم، حسبما ورد في معجمات اللغة.
وبناء على ذلك فان التسبيب السائغ للحكم هو تضمين اسباب الحكم الحجج والأسانيد القانونية والواقعية التي استند اليها الحكم بشكل منطقي واضح وكاف ومتسق ومفصل ، بحيث تؤدي اسباب الحكم الى النتيجة التي توصل اليها قضاء الحكم في منطوقه .
ولذلك فان التسبيب السائغ للحكم يجعله مقبولا ومقنعا للخصوم ولمحكمة الطعن ، وبناء على ذلك فان التسبيب السائغ للحكم من الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة.
وعلى هذا الاساس نطالع دائما ضمن أسباب أحكام محاكم النقض والتمييز والتعقيب عبارة: (لا تثريب على محكمة الموضوع في سلطتها التقديرية طالما ان أسباب حكمها كانت سائغة تفضي الى النتيجة التي انتهى اليها الحكم)، مثلما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٥/١٢/٢٠١٣م، في الطعن رقم (٥٣٦٨٩)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: (فلمحكمة الموضوع السلطة التقديرية في المسائل الموضوعية والأدلة المعروضة عليها ، فلها طرح ما لاتطمئن إليه وإستخلاص ما تراه من ذلك نفيا او إثباتا شريطة ان يكون إستخلاصها سائغا له أصل في الأوراق ، وطالما استمدت عناصر تقديرها من الأدلة الجائزة قانونا)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: المقصود بتسبيب الحكم:
يقصد بتسبيب الحكم: “إيراد الحجج والأسانيد الواقعية و القانونية التي استندت عليها المحكمة في حكمها لتصل إلى ما انتهت إليه من قضاء في منطوق حكمها .
فالتسبيب هو بيان الأسباب التي دعت المحكمة إلى ان يكون قضاؤها على النحو الوارد في منطوق الحكم .
والتسبيب هو الذي يدل على أن القاضي مصدر الحكم قد فهم واحاط بكافة وقائع النزاع وادلة الخصوم المعروضة عليه ، وقام بدراستها دراسة دقيقة وأنه لم يغفل أي طلب او دفع او دفاع مقدم من قبل الخصوم، وأن القاضي قد قام بتكييف وقائع النزاع تكييفا سليما وطبق عليها النصوص القانونية تطبيقا صحيحا.
الوجه الثاني: المقصود بالتسبيب السائغ:
التسبيب السائغ للحكم: هو تضمين اسباب الحكم الحجج والأسانيد الواقعية والقانونية التي استند اليها الحكم، وعرضها في مدونة الحكم بشكل منطقي واضح ومفصل وكاف ومتسق ، حتى يظهر للمطالع ان اسباب الحكم تؤدي الى النتيجة التي توصل اليها قضاء الحكم في منطوقه .
ولذلك فان التسبيب السائغ للحكم يجعله مقبولا ومقنعا للخصوم ولمحكمة الطعن التي قد يطعن في الحكم امامها، وبناء على ذلك فان التسبيب السائغ للحكم من اهم الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة، كما ان التسبيب السائغ شرط من اهم شروط تسبيب الحكم.، وان عدم التسبيب السائغ يؤدي الى بطلان الحكم.
الوجه الثالث: مكونات تسبيب الحكم:
تتكون اسباب الحكم من الأسباب القانونية والاسباب الواقعية، فالمقصود بالأسباب الواقعية هو :” بيان الوقائع والأدلة التي يستند إليها القاضي من خلال فهم القاضي لوقائع النزاع التي يستخلصها القاضي من أوراق الدعوى من حيث تقرير وجود او عدم وجود الواقعة.
ويشترط أن تكون هذه الاسباب كافية لحمل منطوق الحكم وإلا كان الحكم معيبا بعيب القصور في التسبيب مستوجبا نقضه, ويجب ان تكون أسباب الحكم على هذا النحو حتى تتمكن المحكمة الأعلى درجة من التحقق من أن المحكمة مصدرة الحكم قد طبقت القانون تطبيقا صحيحا.
أما الأسباب القانونية فهي: ما استند إليه القاضي من نصوص قانونية قام بتطبيقها على الوقائع المستخلصة من الدعوى الماثلة أمامه, ويشترط فيها أن تكون منطقية بحيث تكون النتيجة التي يتوصل إليها القاضي متفقة مع حكم القانون, وفي حالة القصور أو الخطأ في إيراد الأسباب القانونية يكون الحكم مشوبا بعيب الخطأ في القانون.
ولا يعني ذلك ان هناك فصل مطلق او إستقلال للإسباب القانونية عن الإسباب الواقعية ، لان الأسباب القانونية عبارة عن تطبيق للنصوص القانونية على الاسباب الواقعية، ولذلك فان الطريقة المثلى لعرض الأسباب الواقعية والقانونية هو عرض السبب الواقعي ثم بيان النصوص القانونية التي تؤكد صحته وهكذا حتى يتم الانتهاء من عرض اسباب الحكم.
الوجه الرابع: شروط صحة تسبيب الحكم:
يجب ان تتوفر شروط معينة في الأسباب التي بنى عليها الحكم لكي يحقق تسبيب الحكم غايته التي قصدها المقنن وإلا كان الحكم عرضة للبطلان من قبل محكمة الطعن , وبيان هذه الشروط كما ياتي:
الشرط الاول: وجود اسباب الحكم في مدونة الحكم ذاته:
يجب أن تكون الأسباب التي يستند إليها الحكم موجودة فعلا في مدونة الحكم، وان يكون قد تم استخلاصها من أوراق الدعوى المعروضة أمام القاضي حتى لايكون الحكم قد صدر بناء على علم القاضي الشخصي.
فتسبيب الحكم تعبير وإفصاح عن عقيدة القاضي وقناعته الباطنة وإخراجها الى مدونة الحكم ، فالتسبيب يعني ذكر الأسباب التي بنى عليها القاضي حكمه والتي تشكلت قناعته من خلالها ، وذكر تلك الأسباب في مدونة الحكم ، وذلك في الجزء المخصص للتسبيب .
والتسبيب قد يكون بشكل صريح وواضح وقد يكون بشكل ضمني :
التسبيب الصريح: وهو أن يذكر القاضي وقائع النزاع والأسانيد القانونية التي استند إليها في حكمه صراحة, والرد على طلبات ودفوع الخصوم بالقبول أو الرفض بشكل صريح وواضح ومكتوب.
وقد يذكر القاضي أسباب الحكم كلها في مدونة حكمه وقد يقوم بالإحالة إلى الأسباب التي استند إليها حكم محكمة أول درجة أو إلى تقرير خبير في الدعوى بشرط أن يكون هذا الحكم أو التقرير مرفق في ملف الدعوى وتكون الوثيقة المحال إليها من ضمن محصل الحكم.
وقد أكدت محكمة التمييز الاردنية على ذلك بقولها:” لا يقبل من محكمة الاستئناف الاكتفاء بالقول : (أنه من الثابت ببيانات المدعي عليها أو من شهود المدعي) دون أن تورد أسماء الشهود وبعضا من فقرات شهاداتهم التي وجدت فيها ما تقيم قضاءها عليها ، لأن ذلك يعجز محكمة التمييز عن بسط رقابتها على النتيجة التي خلصت إليها بوجود بينة في الدعوى تؤدي إليها, مما يشوب حكمها القصور بالتسبيب وعدم التعليل مخالفا بذلك ما تتطلبه (المادة 188) من قانون أصول المحاكمات المدنية من شروط يجب توفرها في الأحكام).
التسبيب الضمني: هو ما تستنتجه المحكمة من مجمل ما ورد في الحكم ككل حينما يوجد ترابط بين وقائع الدعوى وطلباتها فيكون ردها على أحد الطلبات يغني عن الرد على باقي الطلبات, ويكون ما ردت عليه المحكمة تسبيبا صريحا وما لم ترد عليه تسبيا ضمنيا طالما أنها جميعا مرتبطة ببعضها, فمثلا حينما يقرر القاضي رفض وجود علاقة إيجار فإنه يكون ضمنيا قد قرر رفض سداد الايجار.
وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية هذا المفهوم بقولها :” لمحكمة الموضوع أن تبين الحقيقة التي اقتنعت بها وأن تقيم قضاءها عليها ولا موجب عليها أن تتبع كل حجج للخصوم للرد عليها, إذ إنه في إيرادها للحقيقة التي اقتنعت بها وأوردت دليلها عليها الرد الضمني المسقط لكل حجة تخالفها".
و إذا لم يقم القاضي بذكر اسباب الحكم في مدونة حكمه سواء أكان ذلك سهوا منه, أو لاعتقاده أنه غير ملزم بتسبيب هذا الحكم, أو أن يذكر أسباب غير متعلقة بالدعوى أو مفترضة, أو أن يذكر أسبابا مناقضة ابعضها البعض مما يترتب عليه سقوطها أو أن تكون مناقضة مع منطوق الحكم مما يترتب عليه فقدانها لحجيتها, ففي هذه الاحوال يكون الحكم مشوبا بعيب القصور في التسبيب مما يجعله عرضة للبطلان والنقض من قبل محكمة الطعن .
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” إذا كان من الثابت أن المميز ضده الذي تقرر إعلان براءته من تهمة الاختلاس لم يكن موظفا في البنك, فقد كان على محكمة الاستئناف معالجة سبب صرف المبلغ المدعى به كرواتب ومكافآت مستحقة مما يشوب الحكم بالتناقض والغموض."
الشرط الثاني: كفاية أسباب الحكم:
يجب على القاضي ان يذكر في مدونة حكمه أسباب الحكم الكافية لحمل حكمه عليها ، وذلك بصورة واضحة بعيدا عن الغموض, ولهذه الغاية يجب على القاضي دراسة أوراق الدعوى دراسة دقيقة متأنية مستخلصا الوقائع الجوهرية المؤثرة, ويقوم بالرد على طلبات الخصوم ودفوعهم الجوهرية, وتكييف الواقعة القانونية تكييفا صحيحا, والقاضي يملك سلطة تقديرية في الاقتناع وبناء عقيدته ولا رقابة عليه في ذلك طالما أن استنتاجه كان سليما ومتفقا مع حكم المنطق والقانون، وطالما ان اسباب الحكم كافية لحمل الحكم.
وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية على ذلك بقولها:” إذا تقدم المدعى عليه بتقرير طبي يبرر غيابه عن جلسة محكمة الصلح فقام المدعي بتقديم بينة تفيد عدم صحة المعذرة المشروعة التي قدمها المدعى عليه فإن إغفال محكمة الاستئناف النظر لهذه البينة وعدم التطرق إليها في مدى تأثيرها على صحة المعذرة المشروعة أو عدمها مما يجعل قرارها قاصرا في التعليل والتسبيب ومستوجب النقض لهذه العلة."
وإذا لم يذكر القاضي في حكمه أسبابا كافية للإقناع بمنطوق هذا الحكم, أو لم تكن الأسباب دالة على تكييف الواقعة تكييفا سليما أو لم يحترم حق الدفاع وتجاهل الرد على الدفوع الجوهرية التي اثارها الخصوم فإن هذا الحكم يكون مشوبا بعيب عدم كفاية الأدلة أي قصور التسبيب مما يستوجب نقضه.
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” إن قانون أصول المحاكمات الحقوقية يوجب على المحكمة أن تسبب أحكامها وأن تبين فيها الحجج القانونية والأدلة الواقعية التي بنيت عليها حكمها, ويجب عليها تقدير المستندات التي تبرز إليها في الدعوى وفي حالة عدم مراعاة ذلك فإن حكمها يكون قاصرا في التسبيب
الشرط الثالث: ان تكون أسباب الحكم سائغة:
فيجب أن تكون أسباب الحكم مقبولة من الناحية المنطقية ومتسقة مع النتيجة التي انتهي اليها قضاء الحكم.
فعندما تكون أسباب الحكم سائغة فان ذلك دليل على سلامة فكر القاضي وفهمه موضوع النزاع فهما صحيحا, ومنطقية الأسباب تتأتى حينما يقوم القاضي بتقديم أدلة مستساغة عقلا دالة على أنها أدت إلى النتيجة التي توصل إليها في منطوق حكمه بحيث يقدر كل من يطلع على الحكم أن هذه الأسباب ستؤدي حتما إلى هذه النتيجة, ويجب كذلك أن تكون الأدلة التي يستند إليها القاضي غير متناقضة.
وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية على ذلك بقولها:” أن المشرع أورد في (المادة 27) من قانون العمل قيدا على صاحب العمل مؤداه أنه حتى لو توفرت الأسباب المشروعة لفصل العامل, فلا يجوز لصاحب العمل إنهاء خدمة العامل في حالات منها حالة أن يكون العامل أثناء أجازة مرضية عند صدور قرار فصله خلافا للواقع الثابت من خلال وقائع البطاقة الصحية للمدعي والتي أبرزتها الشركة بناء على طلب محكمة الصلح, فيكون تقريرها هذا غير سائغ والبينة المقدمة تؤدي إلى خلاف ما توصلت إليه محكمة الاستئناف, وإزاء ذلك فقد كان يتعين عليها أن تخضع هذا الدليل لتقديرها ، إذ من شأن ثبوت أن الفصل تم في أثناء الأجازة المرضية أن يوصفه بالتعسف لوقوعه في وقت غير مناسب وخلافا لموجبات المادة27من قانون العمل, وحيث أن محكمة الاستئناف لم تراع ذلك قبل إصدار قرارها فإنها تكون قد خالفت القانون وأخطأت في تطبيقه فيما انتهت إليه في هذا الخصوص وشاب قرارها فساد الاستدلال والقصور في التعليل والتسبيب مما يتعين نقضه".
وإذا كانت النتيجة التي توصل إليها القاضي في حكمه غير متفقة مع المنطق والعقل السليم فيكون ذلك دليلا على عدم فهمه للواقعة القانونية على نحو سليم وعدم تفسيرها تفسيرا منطقيا ومن ثم يكون حكمه مشوبا بعيب الخطأ في الاستدلال مما يستوجب نقضه.
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” من صلاحيتها أن تراقب النتائج التي توصلت إليها محكمة الموضوع لبيان ما إذا كانت البيانات التي اعتمدت عليها تؤدي إلى هذه النتائج أم لا."
الشرط الرابع: ان يكون لاسباب الحكم اصل في اوراق القضية:
فيجب ان يكون لاسباب الحكم اصل في اوراق القضية المنظورة امام القاضي، فلايجوز للقاضي ان يستند الى أسباب لم يتم ذكرها في اوراق القضية ولو كانت هذه الاسباب وجيهة، لانه لايجوز للقاضي ان يحكم بعلمه الشخصي.
الشرط الخامس: استعمال لغة رصينة وسليمة عند صياغة القاضي لاسباب الحكم:
يجب أن يكتب القاضي حكمه بلغة عربية سليمة من الأخطاء النحوية والطباعية والاملائية, وأن تكون عبارات الاسباب من العبارات القانونية المعتادة التي لاتحتمل اكثر من معنى ، وعدم إستعمال غريب اللغة و أسلوب الإنشاء ، و يجب أن تكون العبارات جامعة مانعة وافية بالغرض، فلا تكون موجزة تخل بالمقصود, ويجب على القاضي ان يستخدم المصطلحات القانونية المتعارف عليها, وأن تكون عبارات اسباب الحكم معبرة عن قناعة القاضي .
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” يجب أن يكون قرار الحكم واضح الدلالة لا جهالة فيه كامل في منطوقه لا يعوز ذا الشأن التروي في فهمه."
الشرط السادس: عدم استعمال عبارات عامة أو مبهمة او مجملة في اسباب الحكم:
يجب تجنب العبارات الغامضة او العامة او المجملة عند صياغة أسباب الحكم ،إذ يجب ان تكون عبارات أسباب الحكم واضحة ومفصلة يستطيع ذوي الشأن فهمها حين الاطلاع على الحكم.
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” يجب على محكمة الاستئناف أن تعلل حكمها بكل وضوح وتفصيل فيكون طرفا النزاع على علم بموجبات القرار و أسبابه".
الوجه الخامس: طرائق تسبيب الحكم:
هناك طرق عدة يتبعها القضاة في تسبيب احكامهم اشهرها ثلاث طرق ، بيانها كما ياتي :
1- الطريقة البسيطة (المطوَّلة):
هذه الطريقةُ للتسبيب يُقرِّرها القاضي حسبَ العناصر الآتية:
أ- ذِكْرُ ملخَّص الدعوى والإجابةِ، والدفوعِ والطلبات.
ب- تَنقيحُ الوقائِع بذِكْر المؤثِّر منها، وما اتَّفق عليه المتخاصمانِ، وما اختلفَا فيه مِن الوقائع المؤثِّرة، والردُّ على الوقائِع والدفوعِ غير المؤثِّرة ممَّا يُخشَى اللبس بالسُّكوتِ عنها، وبيانُ عدَم تأثيرِها، وردها.
ولا يستطرد القاضي في الردِّ على كلِّ وصفٍ غير مؤثِّر؛ لمشقَّةِ ذلك وطولِه، ولأنَّه إذا عُلِم الوصف المؤثِّر الذي يُبنَى عليه الحُكم، فما عداه فهو طَرْدِيّ.
جـ- يَذكُر القاضي صفةَ ثبوت الوقائِع المؤثِّرة ممَّا اختلف الخصمانِ فيه، مبيِّنًا طرقَ الحُكم التي ثبتتْ بها، مِن شهادةٍ أو يمينٍ أو نكول، أو غيرها مِن كلِّ دليلٍ استدلَّ به على ثُبوتِ الواقعة أو نفْيِها، ويُبيِّن ملخَّصَ الطريق الذي تثبُت به، ووجهَ الدلالة منه، وتعديلَ الشهود، وجرحَهم وسببَه، ويبيِّن ردَّ البيِّنات عندَ ردِّها وسببه، أو يُشير إلى عدَم إثباتِ المدَّعي لما يَدَّعِيه إذا لم يُحضِرْ بيِّنةً ولم يَعترِفِ الخصمُ له.
د - يَذكُر القاضي المُهَل والإعذار في إحضار الحُجج والبيِّنات، والعجز عن إحضار البيِّنة بعدَ مُهلتِها المقرَّرة.
هـ - يَذكُر الحُكمَ الكلِّي، ودليلَه، ووجهَ الدَّلالةِ منه، وانطباقَه على الواقِعة.
وقدْ يترُك القاضي بعضَ أوصافِ هذا التسبيب عندَ الاقتضاء، حينما لا يَحتاج إليها.
٢- الطريقة الوسيطة:
هذه الطريقةُ جرَى العملُ بها في القضايا المتوسِّطة بيْن الظُّهورِ والخفاء، ويُكتفَى في هذه الطريقةِ مِن العناصر بما يلي:
أ- ذِكْر صِفة ثبوتِ الوقائِع المؤثِّرة أو انتفائِها، أو أدلَّة الثبوتِ والانتفاء، مِن إقرارٍ أو شهادةٍ، أو يمينٍ أو نكولٍ، وغيرها، وما في البيِّنات مِن تعديلٍ أو جَرْح، وإعمالٍ أو ردٍّ، أو يُشير إلى عدمِ إثباتِ المدَّعِي لِمَا يدَّعيه إذا لم يُحضرْ بيِّنةً، ولم يَعترِفِ الخصمُ له بما يَدَّعيه.
ب- ذِكْر الحُكم الكُلِّي، ودَليلِه، ووجهِ الدَّلالة منه، ولا يحتاج إلى ذِكر ملخَّص الدعوى والإجابة، والدفوع والطَّلبات، ولا إلى ذِكْر تنقيحِ الوقائِع؛ لوضوحِ ذلك وظهورِه، ولا الرد على الوقائِع والدفوع غير المؤثِّرة، ولا ذِكْر المُهَل والتلوُّمات، والإعذار والتَّعجيز؛ لعدمِ وجودِ ما يَقتضيها.
٣- الطريقة الوجيزة:
وهذه الطريقةُ جرَى العملُ عليها في القضايا التي لا غُموضَ فيها ولا طُول، فيكون الحُكم الكليُّ واضحًا جليًّا معلومَ الدليل، والواقِعة القضائيَّة ظاهِرة الثبوت أو الانتفاء، بالإقرار ونحوه، فيُكتفَى فيها بذِكْر صِفة ثُبوتِ الوقائع المؤثِّرة بالطريقِ الذي ثبَتتْ به، أو يُشير إلى عدَمِ ثُبوتِها.
الوجه السادس: اسباب الحكم وليس حيثيات الحكم:
يَكثُر استعمالُ بعض القضاةِ لكلمة(حيث) في التسبيب، كقول القاضي: وحيث كذا وكذا، فقدْ حكمتُ بكذا، ومن هذا المنطلق يسمي بعض القضاة أسباب الحكم حيثيات الحكم، وهذه التسمية خطا لغوي فضيع ، لان (حيث) ظرف مكان ولم يعلم ان العرب قد استعملت (حيث) في التعليل او التسبيب.
وفي هذا الشان فقد نصَّ الشيخ محمد تقي الدين الهلاليُّ (ت: 1407هـ)، على تخطئةِ استعمال (حيث) للتعليل ولتسبيبِ الأحكام، ويرَى أن يتم إستعمالَ بدلها في التسبيب (لَمَّا)، فيكتب القاضي : ولمَّا ثَبتتْ براءةُ المتهم بشهادةِ العدول، ولم يأتِ الادعاء ببينةٍ تُثبت دعواه، ثم يعطف ما شاءَ بعدَ ذلك على هذا النَّمَط، ثم يقول: حَكَمْنا ببراءتِه بعدَ انتهاءِ تعليل الحُكم".
ووجه المنع من إستعمال (حيث ) في التسبيب: أنَّ (حيث) ظرفٌ، ولم يُحفَظِ استعمالها عندَ العربِ للتعليل .(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، صـ٢١٣)، والله أعلم.
