رهن ملك الغير في المرابحة المصرفية

رهن ملك الغير في المرابحة المصرفية

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء.

رهن ملك الغير في المرابحة المصرفية

اجاز القانون المدني اليمني لمالك المال ان يأذن للمدين برهن ماله الى الدائن ضمانا لدينه ، وفي هذا المعنى نصت المادة (٩٨٢) من القانون المدني على ان: (الرهن عقد يقدم به المدين او غيره باذنه عينا مخصوصة الى الدائن او عدل يختاره الطرفان لحبسها لإستيفاء مال مخصوص)، كما اجاز القانون ذاته لمالك المال ان يعير ماله الى المدين المستعير وان ياذن للمدين المستعير برهن ذلك المال الى الدائن ضمانا لدينه ، وفي هذا الشان نصت المادة (٩٩٩) مدني على انه: (يصج للمدين ان يستعير مال غيره ويرهنه باذنه ، واذا تم الرهن بإذن المالك كان للمرتهن حبس المرهون الى ان يستوفي الحق المرهون به).

 واجاز الفقه الاسلامي الرهن ضمانا للدين الذي بذمة المدين في عقد المرابحة للمصرف الاسلامي ، والرهن صورة من صور الضمان او التامين للوفاء بالدين الذي بذمة المدين، وعلى هذا الاساس يجوز للغير مالك المال ان ياذن للمدين عميل المصرف الاسلامي ان يرهن ماله للمصرف الاسلامي ضمانا للدين الذي بذمة العميل للمصرف الاسلامي، ويكون الرهن في هذه الحالة نافذا ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠/١/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٣٨٥٥)، فقد ورد ضمن اسباب هذا الحكم انه: (والدائرة تجد ان نعي الطاعن الأول مردود بانه قد ثبت تنازله واذنه للطاعن الثاني بان يقوم الطاعن الثاني برهن العقار المملوك للطاعن الأول وذلك الى البنك المطعون ضده ضمانا لعقود المرابحة التي ابرمها الطاعن الثاني مع البنك)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: معنى تقديم الغير لماله رهنا ضمانا لدين المدين:

نصت المادة (٩٨٢) من القانون المدني اليمني على ان: (الرهن عقد يقدم به المدين او غيره بإذنه عينا مخصوصة الى الدائن او عدل يختاره الطرفان لحبسها لإستيفاء مال مخصوص).

فهذا النص القانوني يصرح بان يحق لمالك المال ان يقدم ماله الى الدائن تامينا او ضمانا للوفاء بالدين الذي بذمة المدين للدائن ، فيكون الغيرمالك المال طرفا في عقد الرهن اي يكون هو الراهن للدائن.

وفي هذه الحالة يكون مالك المال المرهون متبرعا بالمال المرهون أو متنازلا عنه لصالح المدين اذا عجز عن الوفاء بالدين مثلما وقع في الحكم محل تعليقنا، وعندئذ يكون عقد الرهن والتزام الغير مالك المال إزاء الدائن المرتهن مستقلا عن اية علاقة فيما بين مالك المال المرهون والمدين، فتترتب على هذا الرهن كافة الأثار القانونية للرهن كما لو ان المال المرهون مال المدين وليس مال الغير، فيحق للدائن المرتهن التنفيذ على مال الغير المرهون.

الوجه الثاني: معنى إذن مالك المال للمستعير برهنه للدائن:

نصت المادة (٩٩٩) مدني يمني على انه: (يصح للمدين ان يستعير مال غيره ويرهنه بإذنه ،واذا تم الرهن بإذن المالك كان للمرتهن حبس المرهون الى ان يستوفي الحق المرهون به).

ومعنى هذا النص ان المدين نفسه هوالذي يتولى إبرام عقد الرهن ، فيكون المدين نفسه هو الراهن لمال الغير بإذن الغير، فيكون المدين طرفا في عقد الرهن خلافا لحالة قيام الغير مالك المال بتقديم ماله كرهن ضمانا لدين المدين على النحو السابق بيانه في الوجه السابق.

الوجه الثالث: إذن مالك المال للمدين برهن ماله:

اشترط القانون لصحة رهن ملك الغير ان يكون الغير قد أذن برهن ماله ضمانا لدين المدين، فقد نصت المادة (٩٨٢) من القانون المدني اليمني على ان: (الرهن عقد يقدم به المدين او غيره بإذنه عينا مخصوصة الى الدائن او عدل يختاره الطرفان لحبسها لإستيفاء مال مخصوص)، وكذا نصت المادة (٩٩٩) مدني على انه: (يصج للمدين ان يستعير مال غيره ويرهنه باذنه ،واذا تم الرهن بإذن كان للمرتهن حبس المرهون الى ان يستوفي الحق المرهون به).

ومن خلال مطالعة النصين السابقين يظهر انهما قد اشترطا لصحة رهن ملك الغير صدور إذن من الغير برهن ماله ، بيد ان النصين لم يذكرا كيفية او اجراءات او وقت صدور هذا الإذن ، وهذا الأمر لايعيب النصين ، لأن من خصائص النصوص القانونية العمومية والتجريد ، والفقه هو يتولى شرحها وبيانها.

وبما ان النصين السابقين قد صرحا بان مايصدر من الغير مالك المال هو إذن فانه يجب أن يصدر هذا الإذن قبل إبرام عقد الرهن ، لأن الإذن يكون سابقا على التصرف والإجازة تكون لاحقة للتصرف.

اما إجراءات الإذن فانها تختلف بإختلاف المال المرهون فإذا كان المال المرهون عقارا فان الإذن يكون مكتوبا ورسميا على النموذج التي يعده السجل العقاري لهذا الغرض، لان عقد الرهن العقاري بموجب قانون السجل العقاري يكون عقد رسميا وفقا للنموذج الذي تعده مصلحة السجل العقاري، وإذا كان المال المرهون منقولا فانه يكفي ان يكون مكتوبا ومشهودا عليه على النموذج الذي يعده المصرف الاسلامي ، والافضل ان يتم توثيقه في قلم التوثيق المختص . (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل المصارف والبنوك ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، صـ١٧٤).

الوجه الرابع: رهن ملك الغير في المرابحة في الفقه الاسلامي:

يعتبر بيع المرابحة من أشهر المعاملات البنكية المعاصرة رواجا في المصارف الإسلامية، وتتخذها البنوك الإسلامية كوسيلة واسعة النطاق في الاستثمار، “وتشير الدراسات إلى أن معظم العوائد التي تجنيها هذه المصارف يرجع إلى هذا البيع”

فبيع المرابحة معاملة قديمة ومستجدة، وقد بحث هذا البيع كثير من الباحثين، ودار بشانه جدل ونقاش واسع بسبب كثرة ملابسته للشبهات الربوية، مماجعل قانون منع المعاملات الربوية اليمني الصادر عام ٢٠٢٣م يمنع هذا المرابحة المصرفية.

وهذا البيع في أصله ثنائي الأطراف، وهو أشهر بيوع الأمانة المعروفة في كتب التراث الفقهى، والتي كان مبناها على مبادلة الثقة والاطمئنان بين البائع والمشترى من حيث تحديد حقيقة ثمن المبيع.

أما بيع المرابحة الحديثة فقد تعددت أسماؤه، فسمي ببيع المرابحة للآمر بالشراء، أو بيع المواعدة، أو المرابحة المصرفية، أو المرابحة، وهو في الواقع العملي: عبارة عن بيع المؤسسة ونحوها إلى عميلها الآمر لها بشراء سلعة معينة بزيادة ربح محدد على الثمن الأصلي ويكون ذلك بالوعد، وهناك من يعرف بيع المرابحة المصرفية بانه ” شراء المصرف سلعة بطلب عميله بثمن معجل، ومن ثم بيعها بثمن مؤجل مع ربح معلوم، وذلك بناء على مواعدة بينهما، ملزمة في بعض المصارف، وغير ملزمة في مصارف أخرى.

وقد كان حكم بيع المرابحة الحديثة محل خلاف شديد بين العلماء المعاصرين ، وقد أدى هذا الخلاف إلى عقد مؤتمرات عدة ، لأن الحكم الشرعي في مثل هذا النوع من المعاملات يحتاج إلى الدقة وتحقيق المناط والانضباط في المنهج، نظرا لوجود بعض الأوصاف قد تكون مؤثرة في توصيف الحكم من حيث الإباحة أو التحريم، ولذا جرى الخلاف والنقاش بشان الحكم الشرعي للمرابحة الحديثة او المرابحة المصرفية بناء على الملابسات المتصلة بالقضية، والقدر المتفق عليه من الشروط المبيحة للمرابحة الحديثة ، وقد توصلت تلك المؤتمرات والمناقشات الى نتائج ملخصها أنه يجب على المصارف أو المؤسسة الأشياء الآتية:

١- تملك البضاعة تملكا حقيقيا

٢- حيازة السلعة

٣- مسؤولية الهلاك قبل التسليم.

٤- تبعة الرد بالعيب بعد التسليم

أما المواعدة غير الملزمة للعميل والمصرف – سواء بذكر مقدار الربح أم لا – فهناك شبه اتفاق بين العلماء المعاصرين على الجواز، وإنما يبقي الخلاف قائما بشان موضوع الإلزام بالوعد، وصحيح أنه غير جائز للأدلة الواردة في النهي عن الخوض في بيع ما لم يملك، أو بيعتين في البيع، أو بيع ما لا يقبض ونحوها؛ والتي تتجاذب حكم المنع عن المواعدة الملزمة تجاذبا قويا، ويندفع بذلك الاستدلال بقاعدة الأصل في المعاملات الحل والإباحة، ويضاف إلى ذلك أن الشرع قد تشدد في قضايا ربوية أيما تشدد، وفي كل ما من شأنه أن يكون مطية إليها، ولذا يجب اعتبار هذا الجانب في هذه المسألة ولا تعطى المصالح أو التيسير حجما أكبر على حساب اهمال خطورة الربا عند الترجيح، وخاصة في هذا الزمن الذى يتساهل الكثير من أمر الربا، وعلى هذا القول قرار مجمع الفقه الإسلامي برقم 302.، اما قانون منع المعاملات الربوية اليمني فقد منع المرابحة للامر بالشراء حسبما سبق بيانه.

وقد كان لبيع المرابحة قبل منعه في اليمن حضور كبير في واقع عامة المعاملات المعاصرة ، ومازال هذا البيع حاضرا في المعاملات المالية خارج اليمن على مستوى قطاعات مختلفة حكومية كانت أو مؤسسات أو أفرادا وهكذا، ومن ثم يتوقع أن يكون بيع المرابحة واسعا نطاق التلبية لحاجات الفئات المتعددة حسب احتياجات وأغراض كل منهم.

ومن الطبيعى جدا أن لا تفتح المصارف أو البنوك نوافذ المرابحة على عواهنها دون ضمانات محكمة تحمى حقوقها، ولكن لا يبرر ذلك إباحة التعامل الربوي لضمانة الحقوق.

بل إذا تحققت شروط بيع المرابحة للآمر بالشراء، كأن يكون شراء السلعة شراء حقيقيا وكذا دخولها في ملك المأمور – المصرف أو البنك- مع تحمله مسؤولية التلف قبل التسليم وضمان الرد بالعيب الخفي كما هو مقرر في قرار المجمع الفقهى، وإذا صحت المرابحة وحينها لا مانع أن يشترط المصرف أو البنك رهنا في البيع لضمان ثمن المبيع إلى نهاية السداد، وهذا هو الطريق الشرعي الأمثل لحماية الحق، والأسلم من الوقوع في المحظور الربوي ونحوه.

وإنه يجوز للبنك الإسلامي مثلا إذا تم بيع المرابحة في شراء سيارة أو ثلاجة ونحوهما لعميله الفرد، ثم يشترط رهن السيارة أو الثلاجة المبيعة نفسها ضمانا لحقه إلى أن يسدد جميع الأقساط، ويستوفي حقه من المبيعة في حال عدم تمكن سداد الدين.

وهذه الصورة من صور الرهن في المرابحة جائزة على مذهب الجمهور القائلين بعدم ممانع من كون المبيع رهنا على ثمنه.

يقول ابن القيم رحمه الله: “وهكذا في المبيع يشترط على المشتري رهنه على ثمنه حتى يسلمه إليه، ولا محذور في ذلك أصلاً، ولا معنىً، ولا مأخذاً قوياً يمنع صحة هذا الشرط والرهن، وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهن عين أخرى على الثمن جاز، فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه؟ لا فرق بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين، وقد نص الإمام أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه، وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله… وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وبعض أصحاب الإمام أحمد، وهو الصحيح”

وبهذا القول أخذ مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم (53/2/6) أنه: “لا يحق للبائع الاحتفاظ بملكية المبيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة”

ولكن يجب التنبيه على أنه لا تنقل ملكية السلعة من المشتري إلى البائع، وإنما تبقى في ذمته وتصرفته بشرط عدم بيعها أو عدم تصرف يؤثر في قيمة السلعة أو يضر المرتهن.

ومن صور الرهن في هذا الباب أيضا انه : لو أن الشركة المهنية طلبت من المصرف بيع المرابحة الصحيحة، كأن تشترى معدات أو أجهزة أو آلات ونحوها من المصرف، ولا حرج أن تجعل تلك الشركة المهنية ودائعها البنكية رهنا لدى المصرف، حيث يستوفي منها حقها عند عدم سداد الأقساط بناءا على صحة جواز رهن الدين.

فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي -في دورته التاسعة بأبي ظبي- بشأن الودائع المصرفية (حسابات المصارف) ما يلي:” إن رهن الودائع جائز، سواء أكانت من الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) أم الودائع الاستثمارية، ولا يتم الرهن على مبالغها إلا بإجراءٍ يمنع صاحب الحساب من التصرف فيه طيلة مدة الرهن. وإذا كان البنك الذي لديه الحساب الجاري هو المرتهن، لزم نقل المبالغ إلى حساب استثماري، بحيث ينتفي الضمان للتحول من القرض إلى القراض (المضاربة)، ويستحق أرباح الحساب صاحبه تجنباً لانتفاع المرتهن (الدائن) بنماء الرهن، حتى يكون ذلك مخرجا من إدخال القرض في البيع بناء على توصيف الحساب الجاري أنه قرض.

ومن صور الرهن أيضا: أنه قد ينشأ عقد بيع المرابحة بين الحكومة والمؤسسة في شراء نفط أو معدات للمطارات والموانئ والمرافق العامة وغيرها، وللمؤسسة أن تطلب من الدوائر الحكومية رهن الأوراق التجارية مثلا لتكون ضمانا لحقوقها، وتصح هذه المعاملة تبعا لصحة رهن الأوراق. وكذا لو صحت المرابحة -مثلا- بين البنك الإسلامى وبين القطاع الخاص بالصناعية في شراء مواد خام أو سلع ونحوها، وطلب البنك رهن الأسهم ولا بأس بذلك. عملا بمذهب الجمهور في جواز رهن المشاع.

ورهن ملك الغير جائز في الفقه الاسلامي طالما ان المالك للمال المرهون قد صرح بانه يأذن للمدين برهن ماله ،وطالما ان المال المرهون مملوك بالفعل للغير الٱذن ، ففي هذه الحالة يكون الغير كالمدين من جهة صحة الرهن. (النظرية العامة للمصرفية الإسلامية ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٥م، صـ٣٥٤)، والله أعلم.