مشاركة القاضي في التحكيم تمنعه من نظر دعوى البطلان

مشاركة القاضي في التحكيم تمنعه من نظر دعوى البطلان

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء.

مشاركة القاضي في التحكيم تمنعه من نظر دعوى البطلان

حددت المادة (128) من قانون المرافعات اليمني حالات الإمتناع الوجوبي للقاضي عن نظر القضية ومن ضمن هذه الحالات الفقرة (٧) التي نصت على انه: (-٧- إذا كان قد أفتى في الدعوى أو ترافع فيها عن أحد الخصوم أو كتب فيها ولو كان قبل إشتغاله بالقضاء ، أو كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى أو نظرها خبيراً أو محكماً وأبدى رأيه فيها أو أدى شهادة فيها قبل عمله بالقضاء أو كان لديه علم خاص بها).

ومن مطالعة النص السابق يظهر انه قد صرح بانه إذا سبق للقاضي ان كان محكما او شارك في التحكيم في قضية فان ذلك مانع قانوني وجوبي للقاضي من المشاركة في هيئة شعبة الإستئناف التي تنظر دعوى بطلان حكم التحكيم ، وانه يجب على القاضي الذي سبق له المشاركة في هيئة التحكيم التي اصدرت الحكم المدعى ببطلانه يجب عليه ان يمتنع وجوبا عن المشاركة في شعبة الإستئناف التي تنظر دعوى البطلان ، فيجب عليه من تلقاء نفسه التنحي عن نظر دعوى البطلان ، ولو لم يطلب الخصوم رد القاضي او تنحيه ، لان الإمتناع الوجوبي متعلق بالنظام العام المقرر لمصلحة المجتمع باسره، ولذلك فانه من البديهي ان يمتنع القاضي الذي سبق له التحكيم في القضية عن المشاركة في شعبة الإستئناف التي تنظر دعوى البطلان في الحكم الصادر في تلك القضية ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٥/١٢/٢٠١٣م، في الطعن رقم: (٥٣٦٩٥)، فقد ورد ضمن اسباب هذا الحكم: (فمن البديهي انه لايجوز للقاضي الذي سبق له المشاركة في هيئة التحكيم لايجوز له نظر دعوى بطلان حكم التحكيم)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: حالات الإمتناع الوجوبي للقاضي عن نظر القضية وفيها إمتناع القاضي بسبب سبق التحكيم:

حددت المادة (128) مرافعات حالات الإمتناع الوجوبي للقاضي عن نظر القضية ومن ضمنها سبق المشاركة في التحكيم، فقد نصت هذه المادة على أن: (يكون القاضي أو عضو النيابة ممنوعا من نظر الدعوى (الخصومة) ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصوم ذلك في الأحوال الآتية :

1- إذا كان قريباً أو صهراً لأحد الخصوم إلى الدرجة الرابعة .

2- إذا كان قريباً أو صهراً لمحامى أحد الخصوم أو لعضو النيابة الذي يترافع في الدعوى إلى الدرجة الرابعة .

3- إذا كان صهراً لأحــد القضاة الذين يشتركون معه في نظر الدعوى أو قريباً له إلى الدرجة الرابعة.

4- إذا كان له أو لزوجته أو لأحد أولاده أو أحد أبويه خصومة قائمة أمـام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى أو زوجته أو أحد أولاده أو أحد أبويه

5- إذا كان وكيلاً لأحد الخصوم في أعماله الخصوصية أو ممثلاً قانونياً لـه أو مظنوناً وراثته له أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة إلى الدرجة الرابعة بالممثل القانوني له أو بأحد أعضاء مجلس إدارة الشركة المخاصمة أو بأحد مديريها أو كان لهذا العضو أو المدير مصلحة شخصية في الدعوى .

6- إذا كان له أو لزوجته أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب أو لمن يكون هو وكيلاً عنه أو ممثلاً قانونياً له مصلحة في الدعوى القائمة.

7- إذا كان قد أفتى في الدعوى أو ترافع فيها عن أحد الخصوم أو كتب فيها ولو كان قبل إشتغاله بالقضاء ، أو كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى أو نظرها خبيراً أو محكماً وأبدى رأيه فيها أو أدى شهادة فيها قبل عمله بالقضاء أو كان لديه علم خاص بها.

8- إذا رفع القاضي دعوى تعويض على طالب الرد أو قدم ضده شكوى إلى جهة الإختصاص.

9- إذا رفعت عليه دعوى مخاصمة وتم قبولها قبل الحكم فيها(

ومن خلال إستقراء الفقرة (٧) من النص القانوني السابق يظهر انه اذا كان القاضي قد سبق له ان كان محكما في القضية او شارك في هيئة تحكيم فيها فانه يمتنع عليه وجوبا المشاركة في شعبة الإستئناف التي تنظر دعوى بطلان حكم التحكيم الصادر في تلك القضية .

فمجرد كون القاضي محكما ولو لم يحكم فيها فانه يمتنع عليه بعد ذلك نظرها كقاضي، لان المنع في هذه الحالة مطلق بخلاف حالة ان يسبق له نظرها كقاض فان لايمتنع عليه نظرها إلا إذا كان قد سبق له الحكم فيها اما إذا لم يسبق له الحكم فيه فانه لايمتنع عليه ذلك ، حسبما ورد في الفقرة (٧) ): أو كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى أو نظرها خبيراً أو محكماً وأبدى رأيه فيها أو أدى شهادة فيها قبل عمله بالقضاء أو كان لديه علم خاص بها). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٦١).

الوجه الثاني: تنحي القاضي الوجوبي من تلقاء نفسه عن نظر دعوى البطلان بسبب سبق التحكيم:

اذا سبق للقاضي ان كان محكما او مشاركا في هيئة تحكيم في قضية ولو لم يكن قد حكم فيها فانه يمتنع عليه وجوبا بعد ذلك ان ينظر دعوى بطلان حكم التحكيم الصادر فيها، فقد نصت المادة (١٢٨) مرافعات في بدايتها على أن : (يكون القاضي أو عضو النيابة ممنوعا من نظر الدعوى (الخصومة) ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصوم ذلك).

فهذا النص يصرح بانه يجب على القاضي الذي سبق له التحكيم في القضية ان يتنحى عن نظر دعوى بطلان حكم التحكيم الصادر فيها حتى ولو لم يكن القاضي قد اصدر او شارك في إصدار حكم التحكيم فيها، وحتى ولو لم يطلب منه الخصوم التنحي او رده.

الوجه الثالث: قيام القاضي نفسه بإبلاغ رئيس محكمة الإستئناف بتنحيه عن نظر دعوى البطلان بسبب سبق مشاركته في التحكيم:

اذا كان القاضي ضمن هيئة الشعبة الاستئنافية التي تنظر دعوى البطلان وكان القاضي قد سبق له التحكيم او المشاركة في هيئة التحكيم التي اصدرت حكم التحكيم فانه يجب على هذا القاضي ان يطلب تنحيه عن المشاركة في نظر دعوى البطلان ، فيجب عليه ان يبلغ رئيس محكمة الإستئناف بذلك وان يطلب من رئيس محكمة الإستئناف تكليف عضو بديل له في الشعبة حسبما هو مقرر في المادة (١٣٠) مرافعات التي نصت على انه: (على القاضي في الأحوال المبينة في المادة (١٢٨) ان يبلغ رئيس محكمة الإستئناف لتكليف من ينظر الدعوى، واذا تعلق الامر باكثر من عضو في شعبة إستئنافية تعرض الدعوى على شعبة اخرى ويقوم اقدم الاعضاء مقام رئيس المحكمة اذا تعلق الامر به).

الوجه الرابع: رد القاضي عن نظر دعوى البطلان بسبب سبق مشاركته في التحكيم:

اذا لم يطلب هذا القاضي تنحيه عن نظر دعوى بطلان حكم التحكيم حسبما سبق بيانه ، فانه يحق للخصم الذي تعلق به سبب المنع ان يطلب رد هذا القاضي عن نظر دعوى البطلان وفقا لما هو مقرر في المادة (131) مرافعات التي نصت على أنه: (للخصم الذي تعلق سبب المنع بمصلحته أن يطلب من القاضي أو عضو النيابة الإمتناع عن نظر القضية فإذا رفض إي منهما جاز أن يرفع الأمر إلى رئيس المحكمة ليصدر قــراراً بمنـع القاضي أو عضو النيابة متى ثبت لديه صحة طلب المنع وتكليف آخر بنظر القضية وإذا كان المطلوب منعه رئيس محكمة فيصدر قرار المنع من رئيس المحكمة الأعلى درجة ويصدر قرار المنع من رئيس النيابة إذا كانت القضية في مرحلة التحقيق ، أو من النائب العـام إذا كان رئيس النيابة من يتولى التحقيق ، وفي كل الأحوال يجب أن يصدر قرار المنع خلال سبعة أيام تبدأ من اليوم التالي لتقديم طلب المنع، والقرار الصادر بقبول أو رفض طلب المنع نهائي لا يقبل الطعن بأي طريق).

الوجه الخامس: جزاء عدم إمتناع القاضي عن نظر دعوى البطلان بسبب مشاركته في التحكيم:

بينت المادة (129) مرافعات جزاء عدم إلتزام القاضي بحالات الإمتناع الوجوبي المذكورة في النص السابق ، فقد نصت هذه المادة على ان : (يكون عمل القاضي أو عضو النيابة في الأحوال المذكورة في البنود (1 ، 2، 4 ،6 ،8، 9) من المادة السابقة منعدماً (كأن لم يكن) وكذلك إذا كان قد أدى شهادة في القضية المعروضة عليه قبل عمله بالقضاء أو كان وكيلاً لأحد الخصوم في أعماله الخصوصية وإذا قام سبب منها بحكم صدر من المحكمة العليا جاز للخصم أن يطلب منها سحب الحكم وإعادة نظر الطعن في دائرة أخرى في أي وقت علم به ويكون عمل القاضي أو عضو النيابة في الأحوال الأخرى المذكورة في المادة السابقة باطلاً ).

ومن خلال إستقراء النص القانوني السابق يظهر انه قد استبعد الفقرة (٧) من المادة (١٢٨) التي تضمنت إمتناع القاضي الوجوبي عن نظر القضية بسبب التحكيم ، مما يعني ان القاضي اذا لم يمتنع عن نظر دعوى البطلان فان الحكم الإستئنافي لايكون باطلا ، ومن وجهة نظرنا ان القانون لم يكن موفقا في هذه المسالة، طالما ان القانون ذاته قد صرح بان سبق التحكيم مانع وجوبي للقاضي من نظر القضية سيما ان حالات الامتناع الوجوبي من اهم ضمانات المحاكمة العادلة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٦٥). والله اعلم.