إستناد أسباب الحكم الى أدلة جائزة قانوناً

إستناد أسباب الحكم الى أدلة جائزة قانوناً

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

إستناد أسباب الحكم الى أدلة جائزة قانوناً

من أهم ضمانات المحاكمة العادلة ان تستند اسباب الحكم الى أدلة جائزة قانونا ، ولذلك نجد ضمن اسباب احكام محاكم النقض والتمييز عبارة :(لاتثريب على محكمة الموضوع في سلطتها التقديرية طالما ان أسباب حكمها قد استندت الى أدلة جائزة قانونا).

 ومعنى الأدلة الجائزة قانونا ان تكون الواقعة التي فصل فيها الحكم واقعة مباحة قانونا اي جائزة ومشروعة في حكم القانون وان يكون الدليل الذي يثبت هذه الواقعة او ينفيها من الأدلة الجائزة في ميزان القانون ، فلايجوز ان يستند الحكم الى شهادة زور او إقرار تم إنتزاعه بالإكراه ...الخ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٥/١٢/٢٠١٣م، في الطعن رقم (٥٣٦٨٩)، فقد ورد ضمن اسباب هذا الحكم: (فلمحكمة الموضوع السلطة التقديرية في المسائل الموضوعية والأدلة المعروضة عليها ، فلها طرح ما لاتطمئن إليه وإستخلاص ما تراه من ذلك نفيا او إثباتا شريطة ان يكون إستخلاصها سائغا له أصل في الأوراق ، وطالما استمدت عناصر تقديرها من الأدلة الجائزة قانونا)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: معنى الأدلة الجائزة قانونا:

معنى ذلك ان قانون الإثبات قد حدد طرق الاثبات العامة الجائزة قانونا التي يجوز للخصوم عن طريقها إثبات الحق او نفيه ، وهناك بعض قواعد الإثبات في بعض القوانين الخاصة مثل قانون الإجراءات الجزائية وقانون المرافعات والقانون التجاري وقانون انظمة الدفع الإلكتروني.

 لذلك يجب ان يكون الدليل الذي يستدل به الخصم مقررا في القانون وإلا فانه غير جائز لان القانون لم ينص عليه از لم يشرعه.

 ولايكفي هذا بل يجب ان تكون الوسيلة التي تم عن طريقها الحصول على الدليل مشروعة اي جائزة في القانون، فالاقرار الذي يتم الحصول عليه عن طريق الإكراه يكون غير جائز، والشهادة التي يتم الحصول عليها عن طريق تلقين الشاهد تكون غير جائزة في القانون ، وتقرير المعاينة الذي يتم الإستدلال به من غير ان تتم المعاينة غير جائز في القانون.

ولاريب ان القانون ذاته لم يكتف بتحديد ادلة الإثبات بل أنه حدد أركان وشروط كل دليل من أدلة الاثبات ، وبناء على ذلك فان الإستدلال بدليل تخلف ركن من اركانه أو شرط من شروط يكون من قبيل الإستدلال بدليل غير جائز قانونا.

وحتى يكون دليل الإثبات جائز قانونا فانه يجب ان يتم الإستدلال به في إثبات او نفي واقعة او تصرف جائز قانونا، فالإستدلال بالشهادة الجائزة قانونا على عقد ربوي او تقاسم اموال منهوبة او مسروقة او مختلسة يجعل الشهادة غير مشروعة ، لأن الإستدلال بها قد كان على وقائع او تصرفات غير جائزة او غير مشروعة .

وعلى هذا الأساس فان مفهوم الدليل غير الجائز لايقتصر على الدليل الذي تم الحصول عليه بطريقة غير قانونية كما يتوهم البعض. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإثبات الجزء الثالث، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٣٢٥).

الوجه الثاني: مبدأ حياد القاضي ومفهوم الأدلة غير الجائزة قانونا:

هناك علاقة جدلية بين مفهوم الأدلة غير الجائزة قانونا ومبدأ حياد القاضي، فمن اهم مظاهر حياد القاضي : ان القاضي لايستحضر أدلة للخصوم عند تسبيبه لحكمه وانما يناقش القاضي الأدلة التي سبق للخصوم الإستدلال بها امامه اثناء سير إجراءات المحاكمة، فالدليل الذي يستحضره القاضي من تلقاء نفسه ولاًصل له في اوراق القضية يكون غير جائز قانونا، لان إستحضار القاضي لهذا الدليل يخل بحياد القاضي.

ومن جانب اخر هناك تلازم بين دليل الإثبات الجائز قانونا وبين تسبيب الحكم الذي يجب ان يكون له اصل في الأوراق وبين حياد القاضي، فدليل الإثبات لا يكون جائزا الا إذا كان له اصل في الأوراق ، وحياد القاضي يتحقق عندما يكون الدليل له أصل في الأوراق ، ولذلك تقترن عبارة : (الدليل الجائز قانونا مع عبارة ان يكون للدليل اصل في الاوراق)، حسبما يرد في اسباب أحكام محاكم النقض والتعقيب، ومثلما يظهر في اسباب الحكم محل تعليقنا. (تسبيب الحكم القضائي دراسة تطبيقية، ا.د. محمود السيد عمر التحيوي، دار الوفاء مصر ٢٠١١م، صـ١٧٦).

الوجه الثالث: موقف القاضي من الإستدلال بالأدلة غير الجائزة قانونا:

 القاضي هو الحارس الأمين للنظام العام، إذ يتصدى القاضي من تلقاء نفسه إذا عرضت عليه مسالة او موضوع او دليل يخالف النظام العام، وبناء على ذلك يجب على القاضي من تلقاء نفسه ان يدحض الدليل غير الجائز قانونا، لانه مخالف للنظام العام حتى ولو يثر ذلك اي من الخصوم.

 ومعنى دحض القاضي للدليل غير الجائز قانونا ان القاضي يبين في أسباب حكمه اوجه مخالفة الدليل للقانون في معرض بيان القاضي اسباب طرحه للدليل غير الجائز قانونا. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإثبات الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤ م، صـ٣٢٩). والله اعلم.