القرينة القضائية دليل كامل

القرينة القضائية دليل كامل

ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

القرينة القضائية دليل كامل في القانون اليمني

عرف قانون الاثبات اليمني القرائن القضائية في الفقرة (ب) من المادة (155) بانها: (ما تستنبطه المحكمة من الأمور الواقعية أو المعاينة التي تدل على صور الحال في القضية, كخروج شخص من داره في يده سكين تقطر دما أو سلاح ناري عليه أثر الاستعمال مع وجود قتيل في تلك الدار وليس بها غيره، والنكول عن اليمين ممن وجبت عليه).

 فالقاضي هو الذي يقوم باستنباط القرائن اي إستنباط امر مجهول من امر معلوم، إذ يستنبط القاضي القرائن القضائية من وقائع الدعوى وظروفها، أي أن العمل بالقرينة القضائية كدليل كامل في القضية يخضع لإجتهاد القاضي وسلطته التقديرية، ولخطورة هذا الامر فانه يجب على القاضي التحقق من توفر كافة شروط العمل القرينة القضائية حتى يعتمدها ويحكم بموجبها، وعلى القاضي ان يبين ذلك عند تسبيبه للحكم، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٥/١٢/٢٠١٣م، في الطعن رقم (٥٣٦٨٩)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه: (وحيث ان الاتفاقية قد حددت مبلغ الدلالة وانها مناصفة بين الطرفين وان البائع قد دفع ما يخصه، وان المشتري قد دفع نصف ما يخصه، فان المحكمة تستخلص من وقائع القضية ان الدلالة كانت مناصفة بين البائع والمشتري، وان الجزء الذي دفعه الطاعن لم يكن مساعدة بل كان جزءا مما يخص الطاعن، وما استلخصته المحكمة عبارة عن قرينة قضائية، وهذه القرينة دليل كامل في الاثبات وفقا للمادة (١٥٧) إثبات)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة التجارية الحكم الإستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (ومن خلال رجوع الدائرة الى اسباب الحكم الابتدائي فقد وجدت انه قد ناقش هذه المسالة، وسبب الحكم تسبيبا كافيا، مما يجعل نعي الطاعن في غير محله)

الوجه الأول: مفهوم القرينة القضائية:

عرف قانون الإثبات اليمني القرينة بصفة عامة في المادة (154) بانها: (القرينة هي الإمارات التي تدل على إثبات ما خفي من الوقائع, ودلائل الحال المصاحبة للواقعة المراد إثباتها وهي على ثلاثة أنواع).

كما عرف قانون الاثبات اليمني القرائن القضائية في الفقرة (ب) من المادة (155) بانها: (ما تستنبطه المحكمة من الأمور الواقعية أو المعاينة التي تدل على صور الحال في القضية, كخروج شخص من داره في يده سكين تقطر دما أو سلاح ناري عليه أثر الاستعمال مع وجود قتيل في تلك الدار وليس بها غيره، والنكول عن اليمين ممن وجبت عليه).

فالقرينة القضائية عبارة عن إستنباط امر مجهول من امر معلوم، ولذلك فانها تختلف عن القرائن القانونية التي ينص عليها القانون بشكل مباشر.

والقرينة القضائية نتيجة يستنبطها القاضي من وقائع وملابسات الدعوى المطروحة أمامه الثابتة فعلا في اوراق القضية لمعرفة واقعة أخرى متنازع عليها.

فالقرائن القضائية لا ينص عليها القانون و انما يستنبطها ويستلخصها قاضي الموضوع من وقائع وظروف الدعوى المنظورة امامه.

فهي عبارة عن استنباط القاضي الامور المجهولة لديه في الدعوى من الامور المعلومة في اوراق القضية، فالقاضي يستنبط القرينة القضائية من ظروف ووقائع الدعوى وموضوعها، ويقال عن القرينة القضائية بأنها استنباط القاضي امر غير ثابت من امر ثابت لديه في وقائع الدعوى المنظورة امامه.

وإستنباط القاضي للقرائن القضائية يتوقف على خبرته و مدى قدرته على فهم الوقائع والاحاطة بها.

والقرائن القضائية لا حصر لها فهي كثيرة ومتعددة يستنتجها القاضي من موضوع كل دعوى و ملابسات ظروفها وما يتسنى له من الوسائل العلمية و العملية فإستخلاصها مرهون بفطنة القاضي و ذكائه و شدة ملاحظته، وربطه للأمور بعضها مع بعض حتى يتمكن من إستخلاص القرينة.

والقرائن القضائية ليست متناهية فهي تتجدد بتجدد الحوادث و القضايا المعروضة، فلكل واقعة اماراتها و علاماتها و بالتالي قرائنها الخاصة بها.

ومن الأمثلة على القرينة القضائية، استنباط القاضي من واقعة القرض أن المقترض كان بحاجة الى المال عندما اقترض المال، وكذلك أيضا استنباط القاضي من صلة القرابة قرينة على صورية التصرف محل الدعوى. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في القرائن، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص ١١٩).

الوجه الثاني: خصائص القرائن القضائية:

للقرائن القضائية خصائص عدة من اهمها:

١-القرائن القضائية ليست محددة على سبيل الحصر، والعلة في ذلك أنها سلطة من سلطات وصلاحية من صلاحيات القاضي، لذلك فهي تختلف من دعوى الى أخرى.

 ٢- تعتبر القرائن القضائية حجة متعدية، أي تكون حجة ثابتة في مواجهة الكافة (الخصوم والغير).

٣- لا تتمتع القرائن القضائية بطابع العموم والشمول في أغلب الأحوال، لأنها تتغير وتتبدل، ولكن في حال تواتر القضاء على الأخذ بها تكتسب بذلك طابع إلزامي لتتحول نتيجة ذلك الى قاعدة قضائية كما قد تتحول الى قرينة قانونية.

٤- القرائن القضائية من الأدلة المقيدة في الإثبات، حيث لا يجوز الإثبات فيها إلا في الأحوال التي يجوز الإثبات فيها بالشهادة، والعلة في ذلك من أجل الحد من الأخطاء التي قد تقع نتيجة خطأ القاضي في الاستنباط، وحتى لايسرف القاضي في استباط ادلة للخصوم، فيخل ذلك بحياد القاضي.

٥- القرينة القضائية دليل عقلي فهي نتاج عملية ذهنية يقوم بها القاضي لاستنباط الواقعة المجهولة من خلال دراسته للوقائع المعلومة، الأمر الذي يزيد من خطورتها كون القاضي نفسه هو الذي يقوم باستنباطها و هو معرض للخطأ.

٦- قوة القرينة القضائية الثبوتية غير مطلقة، أي تعدّ وسيلة إثبات محدودة أو مقيدة، متروك أمر تقديرها للقاضي، الذي له الأخذ بها أو طرحها، أو الاكتفاء بقرينة واحدة ونبذ القرائن الأخرى التي لم تولد قناعته، بينما تتمتّع القرينة القانونية بقوة ثبوتية مطلقة تلزم القاضي بالأخذ بها دون أي تغيير.

٧-- ليس للقرائن القضائية طابع إلزامي كونها من مسائل الواقع التي يعود لقاضي الموضوع تقديرها، ولارقابة على قرارته بهذا الشأن خلاف القرينة القانونية.

 ٨- مما لا شك فيه أنّ القاضي وإن كان تقديره مطلقاً في عملية استنباط القرائن القضائية إلا ان القاضي يكون ملزماً بتعليل إستباطه للقرينة وبيان كيفية إستنباطه والادلة على سلامة هذا الاستنباط، بمعنى أن القاضي ملزم بتبيان الأسباب التي دفعته إلى هذا الاستنتاج، إضافة إلى وجوب إظهار القاضي للترابط والتلازم بين الواقعة المستنبطة من موضوع الدعوى والواقعة الثابتة بالفعل، كما يجب على القاضي في هذه الحالة التدليل على أن إستنباطه للقرينة القضائية له اصل في اوراق القضية، حتى تتمكن محكمة الطعن من الرقابة على سلامة إستنباطه للقرينة نظرا لخطورتها.

بينما يقتصر دور القاضي في القرينة القانونية على التحقق من مدى تطابق القرينة القانونية مع واقعة الدعوى، ليقوم عندها بتطبيق القرينة القانونية دون ظهور أي شكل من أشكال سلطته التقديرية.

٩- القرينة القضائية تتكون من عنصرين: هما العنصر المادي: وهو عبارة عن الواقعة الثابتة المعلومة التي يرتكز عليها القاضي ويختارها من وقائع وظروف الدعوى والتي يعتمد عليها القاضي في إستنباط الواقعة غير المعلومة، والعنصر الآخر للقرينة القضائية: هو العنصر المعنوي الذي يشكل ركيزة قناعة القاضي الشخصية وهو عبارة عن عملية الاستنتاج والاستنباط للقرينة القضائية التي يقوم بها القاضي عملاً بسلطته التقديرية لإثبات الواقعة غير المعروفة، والتي لا يمكن اثباتها أو عجز من ادعى بها عن اثباتها (مثل تخلّف المدعى عليه عن حضور الجلسات).

فالقرائن القضائية تقوم على ركنين أساسيين هما الركن المادي الذي يتكون من الوقائع الثابتة الدلالة التي عبر عنها قانون الاثبات اليمني في المادة (١٥٥) بـ (الأمور الواقعية)، فالقرينة القضائية لا تتقرر إلا إذا استخلصها القاضي من واقعة ثابتة الدليل على واقعة مجهولة، والركن الثاني للقرائن القضائية هو الركن المعنوي، الذي يتمثل بعملية استنباط دليل الإثبات من الركن المادي، ويستخدم القاضي في عملية الاستنباط عقله وقواعد المنطق ليصل الى الواقعة المجهولة المراد إثباتها، حيث يعتبر ذلك من أعمال القاضي، ويتطلب منه بذل مجهود ذهني كبير لتكوين اعتقاده من أجل أن يستخلص هذه القرينة من الواقعة الثابتة المعلومة للوصول الى الواقعة المجهولة. (القرائن القضائية، د. عبد الرضا أحمد عياش، المرجع الإلكتروني للمعلوماتية، صـ١٩).

الوجه الثالث: القرينة القضائية دليل كامل:

 صرح الحكم محل تعليقنا بان القرينة القضائية دليل كامل يكفي لحمل الحكم القضائي، وسند الحكم محل تعليقنا المادة (157) من قانون الإثبات اليمني التي نصت على أن: (للمحكمة أن تأخذ بالقرينة القاطعة التي يمكن استنباطها من وقائع الحال، وأن تعتبرها دليلاً كاملاً على الواقعة المراد إثباتها في الأحوال التي يجوز فيها ذلك وهو الأموال والحقوق، ويجوز للخصم أن يثبت أنها غير صحيحة بالبينة القانونية).

والقرائن القضائية من وسائل الإثبات غير المباشرة كونها لا ترد على الواقعة المراد اثباتها مباشرة، إنّما ترد على الواقعة الثابتة المرتبطة بالأولى عبر رابطة سببية يمكن الاستنتاج منها إضافة إلى امكانية اثبات عكس القرينة القضائية بشتى وسائل الإثبات، وهي القاعدة التي تسري على أغلب وسائل الإثبات إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك.

ويتمتع القاضي بسلطة واسعة في استنباط القرينة القضائية، وسلطته في هذا الاستنباط مطلقة، حيث يترك لتقديره حرية اختيار أية واقعة من الوقائع الثابتة أمامه لكي يستنبط منها القرينة، كما أن له سلطة واسعة في استنباط ما تحتمله الوقائع من دلالة، ثم بعد ذلك هو حر في تكوين عقيدته، فقد تقنعه قرينة واحدة قوية الدلالة، وقد لا يقتنع بقرائن متعددة ضعيفة الدلالة، ولا يخضع القاضي في تقديره هذا لرقابة محكمة النقض إلا إذا لم يكن للقرينة المستنبطة اصل في اوراق القضية، وهنا تكمن خطورة القرينة القضائية حينما يتم إعتبارها دليلا كاملا في إثبات مجهولة من واقعة معلومة.

 وتقوم القرائن القضائية بدور عملي كبير في الإثبات، نظرا لتعذر وصعوبة الإثبات المباشر، الذي ينصب على الواقعة ذاتها المطلوب إثباتها في كثير من الأحيان، فيلجأ المدة عي إلى إثبات وقائع مجاورة او ملازمة للواقعة المتنازع عليها، بحيث يستنتج منها القاضي ثبوت الواقعة المتنازع عليها.

على ان القرائن القضائية يمكن اثبات عكسها بكافة وسائل الاثبات حتى بقرينة قضائية اخرى، ولذلك فأنها دون القرينة القانونية في الحجية، و لهذا يجوز الاثبات بالقرائن في الاحوال التي يجوز الاثبات فيها بشهادة الشهود، لان هذه القرائن تعتبر ادلة غير مباشرة حيث انها تعتبر من الأدلة الاستثنائية، لانها مبنية على استنتاجات القاضي، فهو انسان كسائر البشر قد يخطئ في استنتاجاته او يصيب، وهذا مظهر من مظاهر إعتبار القرينة القضائية دليل كامل.

ومع ان القرينة القضائية دليل غير قاطع قابل لأثبات العكس ومع انها اضعف الادلة، لانه يجوز إثبات عكسها في معظم الأحوال , لكن من حق محكمة الموضوع التقدير والاخذ بالقرائن والادلة التي تتفق مع قناعتها القضائية.

فالقرائن القضائية دليل إثبات غير قاطع، لانه يمكن للخصم إثبات ما يخالفها بمثلها وبما هو أقوى منها، فالقرينة القضائية من أدلة الإثبات غير المباشرة، كونها لا تنصب على الواقعة القانونية مصدر الحق المدعى به الثابتة وإنما على واقعة أخرى قريبة منها ومتصلة ومتعلقة بها. (الإثبات في المواد المدنية و التجارية - دراسة في لبنان و مصر، د. محمد يحي مطر، الدار الجامعية، بيروت 1987، ص 143).

وباستقراء نص المادة (١٣) من قانون الاثبات اليمني وتعديلاته يتضح أن القرائن القضائية تقع في مرتبة أدنى من الكتابة والإقرار واليمين،ومع ذلك فان القرينة تكون بمنزلة الشهادة من حيث انه يجوز الاستدلال و الإثبات بالقرينة القضائية في كافة المسائل التي يجوز فيها الاثبات بشهادة الشهود وذلك في مسائل الأموال والحقوق، بيد انه لايجوز الإثبات بها في مسائل الحدود والقصاص وفقا لاحكام لشريعة الاسلامية والقانون اليمني.

كما ان القرينة القضائية ذات حجية متعدية وغير ملزمة، فهي تقبل إثبات العكس بكافة طرق الإثبات، وتأخذ حكم الشهادة لأنها تقوم على الظن والترجيح.

وفي هذا الشان نصت المادة (102) من قانون الاثبات العراقي على انه: (وللقاضي استنباط كل قرينة لم يقررها القانون وذلك في نطاق ما يجوز اثباته بالشهادة).

 وتتميز القرائن القضائية بأهمية كبيرة لما للقاضي من سلطة واسعة في استنباطها من وقائع الدعوى وظروفها بمختلف الوسائل والطرق، وللقرائن القضائية أهمية فيما يخص عبء الاثبات، فهي تعد من الوسائل التي يستعين بها القاضي للقيام بنقل عبء الاثبات بين الخصوم وللتخفيف من قاعدة (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) حتى لا يقع عبء الاثبات على كاهل احد الخصمين دون الآخر عن طريق الاكتفاء بما يجعل الأمر المدعى قريب التصديق، والزام المدعى عليه، نفي هذا الأمر، ثم يقوم القاضي بتكوين قناعته من مجموع ما يدلي به الخصمان. ويستهدي القاضي بالقرائن القضائية في الكشف عن ارادة المتعاقدين واستظهار قصدهما، لان للمحكمة سلطة تقديرية واسعة في استنباطها من الوقائع الثابتة او المعلومة المتوفرة في الدعوى او من ظروف الدعوى، فمثلا تستتر الوصية تحت اسم البيع لغرض يقصده الموصي، فللمحكمة ان تستظهر ارادة الموصي ولها ان تستعين بالقرائن القضائية في ذلك، ومن هذه القرائن، استمرار وضع البائع اليد على العقار واستغلاله الى حين وفاته، وعدم تسجيل العقد واستمرار قيام البائع بدفع الديون العقارية المطلوبة، وفقر المشتري وعدم قدرته على دفع الثمن، المسمى في العقد، سيما اذا اقترن ذلك باشتراك البائع عدم تصرف المشتري في الرقبة طوال حياته، وللقاضي ان يستخلص من عدم استجابة الخصم لطلبات المحكمة واستيضاحاتها دون عذر مقبول، او من مماطلته ولجوئه الى أمور من شأنها ان تؤدي الى تأخير حسم الدعوى دون مبرر قانوني قرينة تساعد على حسم الدعوى (-نقض مصري في 16/12/1943، مجموعة القواعد القانونية (مجموعة محمود أحمد عمر) ج4 رقم 83 ص231).

الوجه الرابع: مظاهر خطورة إعتبار القرينة القضائية دليلا كاملا:

يمكن تلخيص اهم مظاهر خطورة إعتبار القرينة القضائية دليلا كاملا على النحو الاتي:

1- المتبع في الادلة الاخرى انها تكون معلومة للخصوم اثناء سير اجراءات المحاكمة، فيتمكن الخصوم من بيان اوجه دفاعهم في مواجهتها وإثبات عكسها وتقديم الايضاحات اللازمة بشانها، في حين ان القرينة القضائية يقوم القاضي بإستخلاصها بعد حجز القضية للحكم فيها وعند تسبيبه للحكم اي في غياب الخصوم، فلا يتمكن الخصم من الوقوف عليها الا بعد صدور الحكم الذي قام على تلك القرينة، فعندئذ يتم حرمان الخصم من مناقشة الدليل امام درجة التقاضي.

2- سبق القول ان القرينة القضائية عبارة عن إجتهاد يقوم به القاضي، وإجتهاد القاضي ليس معصوما من الخطأ سيما عند كثرة القضايا ونسبة الانجاز المطلوبة من القاضي.

3- منزلة القرائن القضائية بين وسائل الإثبات تقع في ادني منازل طرق الاثبات اي انها دليل ضعيف غير قاطع وغير مباشر وقابل لإثبات العكس، ومع ذلك يتم إعتبار القرينة دليلا كاملا.

4- السلطة التقديرية الواسعة للقاضي في الاخذ بالقرينة القضائية كدليل كامل، وعدم خضوع هذه لرقابة محكمة النقض طالما ان إستخلاص القاضي للقرينة القضائية له اصل في الاوراق.

الوجه الخامس: ضمانات إعتبار القرينة القضائية دليلا كاملا:

لما كان لإعتبار القرينة القضائية دليلا كاملا مخاطر عدة فان هناك ضمانات تضمن عدم الإنحراف في استعمال القرائن القضائية، ومن اهم هذه الضمانات ما ياتي:

1- يجب ان يكون للقرينة القضائية اصل في اوراق القضية، حتى لاتكون القرينة القضائية إجتهاد صرف من القاضي، كما يجب ان يكون هذا الاصل ظاهر وواضح قد تناوله الخصوم امام القاضي بالمناقشة والتوضيح.

2- يجب على القاضي ان يبين تفصيلا في اسباب حكمه مبررات إعتباره للقرينة القضائية دليلا كاملا

3- تمكين الخصوم من إثبات عكس القرينة القضائية، بيد ان هذا التمكين لايتم إلا بعد صدور الحكم الذي اعتمد على القرينة القضائية.

يخضع إستخلاص القاضي للقرينة القضائية لرقابة محكمة النقض، بيد ان هذه الرقابة قاصرة على التحقق مما اذا كان للقرينة القضائية اصل في الاوراق. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في القرائن، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، صـ١١٩)، والله أعلم

تعليقات

  1. قراءة تحليلية وافية في حجية القرائن القضائية وفق القانون اليمني
    ​شكرًا جزيلًا لفضيلة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين على هذا الطرح القانوني الرصين.
    يعتبر هذا المقال مرجعاً شاملاً لكل باحث في قانون الإثبات اليمني، خاصة في توضيح اللبس بين القرينة القاطعة والقرينة البسيطة.
    ​فالتركيز على المادة (157) واعتبار القرينة القضائية "دليلاً كاملاً" في الحقوق والأموال، هو ما يمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة تتطلب فطنة قانونية عالية كما أشرتم في هذا المقال.
    وتسليط الضوء على الركن المادي والمعنوي للقرينة يسهل على المحامين والمتقاضين فهم كيف يبني القاضي عقيدته من "الأمور الواقعية" للوصول إلى الحقيقة المجهولة.
    ​كذلك التنبيه على مخاطر القرينة القضائية (كونها تُستخلص غالباً في مرحلة المداولة) هو إضافة جوهرية تضمن تحقيق العدالة الناجزة، وتفتح الباب للنقاش حول أهمية تسبيب الأحكام لتمكين محكمة النقض من الرقابة على سلامة الأحكام.
    فعلاً ​مقال غني بالمعلومات وبالاستشهاد من أحكام المحكمة العليا، وهو ما يجعله "دليلاً كاملاً" فعلياً لكل مهتم بالتشريع اليمني.
    ​تحياتي وتقديري، لكم.

    ردحذف

إرسال تعليق

عدد الزوار