الصورية في الخصومة للإستيلاء على المراهق العامة

الصورية في الخصومة للإستيلاء على المراهق العامة

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء.

الصورية في الخصومة للإستيلاء على المراهق العامة في القانون اليمني

وردت عبارة: ( الصورية في الخصومة ) في الحكم محل تعليقنا ، وقد قصد بها الحكم الخصومة المفتعلة ، التي تقع نتيجة إتفاق مسبق بين اشخاص على قيام احدهم برفع دعوى أمام المحكمة او محكم على ان يقوم الشخص الاخر بالرد على الدعوى ، ويكون محل الخصومة او النزاع هو حق الغير ، وهدف هولاء الاشخاص من هذه الخصومة المفتعلة هو الحصول على حكم يبرر غصبهم او إستيلاءهم على حق الغير، ويلجاء الى هذه الوسيلة غير المشروعة الغاصبون لحق الغير نتيجة شيوع ثقافة التذاكي والشطارة والمغالطة في المجتمع اليمني ، ومع ان الحكم الصادر في الخصومة المفتعلة لا يكون حجة على الغير او صاحب الحق إلا انه يتحتم على القاضي ان يتحقق قبل نظر الدعوى من وجود ادلة تدل على ان احقية المدعي في الشئ المدعى به بإعتبار الحق المدعى به هو اساس النزاع ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠/٤/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٤٨٢١٢)،المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه: (فالظاهر صورية الخصومة بين الورثة المتنازعين لتوافق الطرفين على ان الأرض محل النزاع هي صلب لا تزرع ، وانها لم تكن في حيازة اي من الطرفين، وانما ادعى المدعون ان مورثهم كان قد قام بإحيائها اثناء حياته، في حين ان الارض المتنازع عليها صالبة لم تزرع فهي عبارة عن منحدر جبلي من المراهق العامة المملوكة للدولة، وانه كان يجب على محكمة اول درجة ان تتاكد من شروط الدعوى ، ولذلك فان هذه الدعوى غير مقبولة)،وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا : ( وحيث ان الحكم الإستئنافي قد جاء موافقا في النتيجة للشرع والقانون فيما اشترطه بشان الإحياء وعدم توفر شروط الإحياء والحكم بعدم قبول الدعوى )، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: المقصود بصورية الخصومة:

وردت عبارة الصورية في الخصومة ضمن اسباب الحكم محل تعليقنا ، وقد قصد بها الحكم الخصومة غير الحقيقية او المفتعلة، التي تقع نتيجة إتفاق مسبق بين اشخاص على قيام احدهم برفع دعوى، على ان يقوم الشخص الاخر بالرد على تلك الدعوى ، ويكون الحق المدعى به محل الخصومة او النزاع هو حق الغير ، وهدف هولاء الاشخاص من هذه الخصومة المفتعلة هو الحصول على حكم يبرر غصبهم او إستيلاءهم على حق الغير، ويلجاء الى هذه الوسيلة غير المشروعة الغاصبون لحقوق الغير نظرا لعدم وجود مستندات لديهم تدل على ملكيتهم للاموال او الحقوق المغصوبة التي بحوزتهم، وتزدهر هذه الوسيلة غير المشروعة نتيجة شيوع ثقافة التذاكي والشطارة والمغالطة في المجتمع اليمني .

ففي القضية التي قضى فيها الحكم محل تعلقينا كان بعض الورثة قد ادعى على البعض الاخر بانه يحوز المنحدر الجبلي وان مورث الجميع كان قد قام بإحياء ذلك المنحدر الصالب ، وقد كان غرض الورثة من إفتعال هذه الخصومة ضم الجبل او المراهق العامة الى تركة مورثهم حتى تتم قسمتها بين جميع الورثة الذين افتعلوا الخصومة.

الوجه الثاني: ماهية المراهق العامة:

المراهق العامة هي الجبال والأكام والمنحدرات والسوائل العظمى وفقا لتعريف المراهق العامة الوارد في المادة (٢) من قانون اراضي وعقارات الدولة اليمني.

والمراهق العامة من اسمها هي عبارة عن اراضي عامة ينتفع بها افراد المجتمع عامة بصورة مشتركة في الرعي والإحتطاب وقلع الحجارة وغير ذلك ، فهي عبارة عن حمى ومفاسح للمدن والقرى وفقا لما ورد في المادة (٤٤) من قانون اراضي وعقارات الدولة .

الوجه الثالث: الإحياء في المراهق العامة:

الإحياء هو إستصلاح الارض البور غير المملوكة لاحد والتي لم يتعلق بها حق لاحد ، عن طريق حراثة الارض البور وتسويتها وتنقيتها وزراعتها او البناء عليها، وقد اجاز القانون المدني الإحياء في الارض الموات وفقا للشروط التي يحددها القانون الخاص، والقانون الخاص في هذا الشان هو قانون اراضي وعقارات الدولة اليمني الذي حدد شروط وضوابط الإحياء في الارض الموات التي قسمها القانون الى عدة انواع حيث يتم الإحياء وفقا لقانون الاراضي عن طريق عقود إنتفاع وتاجير وتمليك تصدرها الهيئة العامة لاراضي الدولة بحسب الإجراءات والضوابط المحددة في قانون اراضي وعقارات الدولة ولائحته التنفيذية بإعتبار هيئة الاراضي هي الجهة المختصة قانونا بالادارة والاشراف على اراضي وعقارات الدولة والاملاك العامة والمحافظة عليها.

وقد نظم قانون اراضي الدولة الإحياء في الارض الموات على هذا النحو ، حتى لا يتم الإستيلاء على المراهق العامة من قبل بعض الافراد والإستئثار بها وحرمان افراد المجتمع من الإنتفاع المشترك بها .

الوجه الرابع: احياء الارض الموات في الفقه الاسلامي:

إحياء الأرض الميتة من الاحكام الفقهية ذات البعد الحضاري الواضح، والمتمثل في تحقيق مراد الله سبحانه وتعالى من خلق العباد بعد تحقيق العبودية له وحده وفقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].

وقد وجَّهنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى إحياء الأرض الميتة -وهي الأرض التي لا تخُصُّ أحدًا من الناس؛ والبعيدة عن العمران اي عن المدن والقرى كالأرض التي في الصحاري وليس بها عمران أو زراعة أو يتم استخراج معادن منها-؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» رواه أبو داود.

ولقد اهتم الفقهاء بتفصيل أحكام إحياء الأرض الميتة، اعتناءً منهم بتوجيهات الله عز وجل ونبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، أَوْ طَيْرٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» رواه الترمذي، وقال أيضًا: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» رواه أحمد.

وينقل الإمام السرخسي قول سيدنا عمر رضي الله عنه في تمليك الأرض التي يتم إحياؤها لمن أحياها: [من أحيا أرضًا ميتةً فهي له، وليس بعد ثلاث سنين حقٌّ] اهـ، ويعقب على ذلك بقوله: [الإحياء أن يجعلها صالحة للزراعة] اهـ؛ بأن يبدأ في تهيئة الأرض وتنظيفها أو توصيل الماء لريِّها، وليس بأن يحدد الأرض ويبني حولها سورًا مثلًا أو غير ذلك وهو ما يُسمَّى بــ "التحجير"، وحدد لذلك مدة ثلاث سنوات، تقديرًا منه أن هذا الزمن هو الذي يناسب ذلك العصر من عودة من أراد إحياء الأرض إلى موطنه وتدبير الموارد اللازمة لإحياء هذه الأرض والعودة إلى الأرض الميتة لإحيائها مرة أخرى، فسبب الملك هو الإحياء دون التحجير، وهذا إدراك واضح من الفقهاء لمقصد الشارع من أهمية هذا الحكم الفقهي، الذي يؤدي إلى التنمية والعمران ومنفعة المسلمين.

وقد اشترط الإمام أبو حنيفة الحصول على إذن الإمام قبل الإحياء، تنظيمًا لعملية إحياء الأرض، ومنعًا للنزاع والشِّقَاقِ، وهو أمرٌ يتوافق مع الأنظمة الحديثة، التي صارت وسائلُ الانتقال والاستكشاف فيها أسرعَ وأدقَّ، مما يحتاج إلى تدخل من جانب السلطة لتنظيم مثل هذه العملية بقبول طلبات من يرغب في استصلاح أرضٍ أو إحيائِها، أو تقوم السلطة نفسها بطرح أراضٍ للمواطنين أو لغيرهم للقيام باستصلاحها أو البناء عليها أو إقامة منفعة بها أو استخراج ثروة أو معدن منها... إلخ. وهذا ما عليه العمل في الديار المصرية.

وهذا النوع من التدخل ليس غريبًا على التشريع الإسلامي، الذي أباح إقطاع مساحة من الأراضي لمن يقدر على إحيائها.

فالإسلام يحرص على التنمية عميقة الأثر في حياة الناس والمجتمعات، ولا يوجههم إلى تحقيق الربح السريع الذي يستنزف موارد الأمم وثرواتها وإفقار أهلها وتركيز الثروة في يد قلَّةٍ من المستأثرين بها، بل كان التوجيه القرآني في هذا السياق واضحًا: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]، يقول الطاهر بن عاشور: [وقد بدا من هذا التعليل أن من مقاصد الشريعة أن يكون المال دُولة بين الأمة الإسلامية على نظام محكم في انتقاله من كلِّ مالٍ لم يسبق عليه ملكٌ لأحد مثل المَوَات، والفيءِ، واللُّقَطَاتِ، والرِّكازِ، أو كان جزءًا معيَّنًا مثل: الزكاة، والكفارات، وتخميس المغانم، والخراج، والمواريث...] اهـ.

فإحياء الموات يأتي كعامل متَّسقٍ للغايةِ مع قواعد هذه المنظومة في التعامل مع الثروات التي حباها الله لنا، ومحقِّقًا لغاية الله سبحانه من استخلاف الإنسان في الأرض.

وخلاصة القول: أن الشريعة الاسلامية تجيز إحياء الارض الموات البعيدة عن العمران غير المملوكة لإحد والتي لايتعلق بها حق لأحد، والتي ليست حمى للمدن والقرى (المراهق العامة )، واجازت الشريعة الاسلامية للدولة ان تنظم إحياء الارض الموات حتى يتحقق المقصد الشرعي من الإحياء ، وحتى لاتقع الخلافات والنزاعات بين الاشخاص نتيجة تعارض مصالحهم عند الإحياء، وحتى لايستاثر بالارض الموات بعض الاشخاص وحرمان بقية افراد المجتمع من ذلك، ويأتي قانون اراضي وعقارات الدولة وانشاء الهيئة العامة للاراضي في هذا الإتجاه. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اراضي الدولة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ١٣٢)، والله اعلم.