الرضخ في الوصية الواجبة

الرضخ في الوصية الواجبة

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء.

الرضخ في الوصية الواجبة

الرضخ في اللغة هو: العطاء القليل او اليسير وهو من قبيل الهبة او العطية او الصدقة، فيقال رضخت لفلان رضيخة اي اعطيته عطاء ليس بالكثير ، والرضخ الكسر.

 وقد ورد في تفسير قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة اولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا..) ورد ان معنى ذلك ان يرضخ الورثة المقاسمون من مال التركة أي يعطوا اولوا القربى من غير الورثة شيئا قليلا او يسيرا من مال التركة عند قسمتها.

  وقد اعتنق قانون الاحوال الشخصية اليمني المفهوم الظاهري للرضخ عند تنظيمه للوصية الواجبة حسبما ورد في المادة (٢٥٩) احوال شخصية ، فيتم تطبيق الرضخ عند تطبيق الوصية الواجبة ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦/١٠/٢٠١٦م، في الطعن رقم (٥٨٠٣٠) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى : ( وحيث ثبت وفاة الابن قبل وفاة ابيه فان ابناء الابن لايرثون جدهم، غير انه من اللازم ان يرضخ لابناء الابن مما خلف جدهم مثل ماكان سيصبر لوالدهم لو كان حيا بما لايزيد على خمس تركة الجد، وذلك وصية واجبة وفقا للشروط المنصوص عليها في نهاية تلك المادة ) ، وقد قضى الحكم الاستئنافي بتاييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا :( فان الشعبة الاستئنافية معنية بتقدير الدليل بإعتبارها محكمة موضوع ولامعقب عليها فيما قضت به باسباب سائغة كافية لحمل النتيجة المنطقية التي انتهت اليها بإستحقاق الطاعنين للوصية الواجبة وفقا لنص المادة (٢٥٩) احوال وشخصية )، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: معنى الرضخ:

الرضخ في اللغة هو العطاء القليل او اليسير، فيقال رضخت لفلان رضيخة اي اعطيته عطاء قليلا ليس بالكثير ، والرضخ الكسر.

 وقد ورد في تفسير قوله تعالى : ( واذا حضر القسمة اولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه..) ومعنى ذلك ان يرضخ من مال التركة لأولي القربى أي يقوم الورثة المتقاسمون بإعطاء اولوا القربى من غير الورثة شيئا قليلا او يسيرا من مال التركة حين قسمتها بين الورثة.

وقد كان لمعنى الرضخ اهمية بالغة في تنقيص المقنن اليمني لمقدار الوصية الواجبة فقد كان مقدارها بالنسبة للاولاد الابن الواحد المتوفي بما لايزيد على ثلث التركة ، فقد كانت المادة(259) احوال شخصية قبل تعديلها تنص على انه :( إذا توفى شخص ذكرا كان او انثى عن اولاد ابن غير وارثين له او كانوا وارثين موصى لهم بقدر يقل عن ميراث ابيهم فيه لو كان حيا عند موته ،وكانوا فقراء ، او اولاد بنت من الطبقة الاولى والدهم فقير وكانوا فقراء ولم يعقدهم المتوفى او يوصي لهم او اوصى لهم باقل من نصيب مورثهم فيه لو فرض حيا فيرضخ لهم من تركته بقدر نصيب مورثهم لو فرض حيا او مايمكنه بشرط ان لايتجاوز ذلك ثلث التركة ، واذا تعدد الابناء المتوفون بنون وبنات على النحو المتقدم ذكره اشترك ابناؤهم وابناء البنات من الطبقة الاولى في ثلث التركة كل بقدر نصيب اصله ، ويحجب كل اصل من ابناء الابناء فرعه ، وتقدم الوصية الواجبة على غيرها من الوصايا التبرعية) .

والنص القانوني السابق بغض النظر عن عيوب صياغته الا ان مضمونه كان موافقا لما ورد في للقوانين العربية سيما المصري، فقد صرح النص السابق ان الوصية الواجبة لاتتجاوز ثلث التركة في كل الاحوال بما في ذلك حالة ابناء الابن الواحد.

 بيد انه تم تعديل هذه المادة عام ١٩٩٨م ، إذ نصت المادة(259) احوال شخصية بعد تعديلها على انه : ( اذا توفي اي من الجد او الجدة عن ولده او اولاده الوارثين وعن اولاد ابن او ابناء الابناء ما نزلوا وكانوا فقراء وغير وارثين لوفاة ابائهم في حياته وقد خلف خيرا من المال ولم يقعدهم فيرضخ لهم مما خلفه بعد الدين كالتالي:-

1. لبنات الابن الواحدة اواكثر مثل نصيب بنات الابن الارثي مع بنت الصلب وهو السدس.

2. للذكور من اولاد الابن الواحد اذا انفردوا او مع اخواتهم بمثل نصيب ابيهم لو كان حيا بما لا يزيد على الخمس.

3. اذا تعدد المتوفون من الابناء عن اولاد لهم بنين وبنات فلكل صنف منهم مثل نصيب ابيهم لو كان حيا بحيث لا يزيد ما يرضخ لمجموع الاصناف على الثلث وفي كل هذه الثلاث الحالات يشترط ان لا تزيد حصة الذكر او الانثى الواحد من اولاد المتوفين على حصة الذكر الواحد او البنت من اولاد الصلب والا الغيت الزيادة واقتصر لهم على ما يتساوون به مع اولاد او بنات الصلب ويشترك المتعددون فيما تعين لهم لكل بقدر اصله وللذكر مثل حظ الانثيين ويحجب كل اصل فرعه لا فرع غيره وتقدم هذه الوصية على غيرها من الوصايا التبرعية).

فمعنى الرضخ هو العطاء القليل او اليسير في حين ان ثلث مال التركة ليس قليلا ، وعلى هذا الاساس كان من ضمن أسباب إنقاص مقدار الوصية الواجبة لاولاد الابن الواحد من ما لايزيد على الثلث الى ما لايزيد على الخمس ، كان من اسباب هذا التعديل هو الأخذ بالمفهوم الظاهري للرضخ الذي يعني العطاء القليل او اليسير.

وفي هذه المسالة لم يكن القانون اليمني موفقا ، لان مفهوم الرضخ يتنافى مع مفهوم الوصية الواجبة ، فالرضخ في الاية الكريمة السابق ذكرها هو عبارة عن منحة او هبة او صدقة او عطية يعطيها الورثة المتقاسمون بإختيارهم ورضاهم لاولي القربى الذين لايرثون من التركة شيئا ، في حين ان الوصية الواجبة مفروضة ومقررة في قوله تعالى: ( كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين)، كما انها مقررة على سبيل الوجوب بقوة القانون.

وإ ستعمال المقنن اليمني لمصطلح (الرضخ) يدل على انه لم يستوعب المفهوم الشرعي والقانوني للوصية الواجبة المفروضة بحكم الشرع والقانون، فالوصية الواجبة ليست عطاءا او صدقة او هبة .

الوجه الثاني : الرضخ و فرض الوصية الواجبة في قوله تعالى (كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين):

في الوجه السابق اشرنا الى معنى الرضخ، وذكرنا ان معناه العطاء القليل او اليسير الذي يعطيه الورثة المتقاسمون لاولي قرباهم عند القسمة، وذكرنا علاقة هذا المفهوم بالرضخ الوارد في المادة (١٥٩) احوال شخصية .

وذكرنا ان مفهوم الرضخ يعارض المفهوم الشرعي والقانوني للوصية الواجبة ، لان الله سبحانه وتعالى فرض الوصية الواجبة لاولى القربي الذين لايرثوا من التركة، وذلك في قوله تعالى: ( كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين).

 فقد ذهب جماعة من المفسرين والفقهاء الى انه : يستفاد من جملة (كتب عليكم ) المذكورة في بداية الاية الكريمة السابق ذكرها انها تفيد وجوب الوصية لاولى القربى او الاقارب الذين لايرثون من التركة بسبب إختلاف الدين كوصية المسلم لابيه او اخيه غير المسلم او اولاد ابنه المحجوبون الذين مات ابوهم اثناء حياة جدهم، في حين ذهب فريق من المفسرين والفقهاء الى ان هذه الاية منسوخة باية المواريث (يوصيكم الله في اولادكم...).

ونحن نختار القول الاول الذي ذهب الى ان الوصية الواجبة مفروضة بقوله تعالى ( كتب عليكم).

الوجه الثالث: تعريف الوصية الواجبة :

الوصية الواجبة لها تسميات اخرى منها الوصية القانونية او وصية القانون، والوصية الواجبة هي عبارة عن قدر من المال يتم إخراجه من راس التركة قبل قسمتها ، ويتم دفع هذا القدر من المال الى اقارب المتوفى الذين لايرثوا من التركة، فيتم تقسيم هذا القدر بين هولاء على اساس للذكر مثل حظ الانثيين .

ويطلق على هذه الوصية الواجبة هذا الاسم لانها مقررة بحكم الشرع والقانون وليس بإرادة المورث الموصي .

الوجه الرابع : الوصية الواجبة في الفقه الاسلامي :

اختلف الفقهاء بشان الوصية الواجبة على ثلاثة اقوال :

 القول الاول : الوصية للاقربين غير الوارثين واجبة بحكم الشرع ، وهو قول مروى عن جماعة من فقهاء التابعين وفيهم جماعة من أئمة الفقه والحديث ومن هؤلاء سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وطاووس، والامام أحمد في روايته، وداود الظاهري والامام الطبري، واسحاق بن راهوية وابن حزم.

واستدل القائلون بوجوب الوصية للاقارب غير الوارثين بقوله تعالى: "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا، الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف، حقا على المتقين".

فيقول الحصاص في كتابه أحكام القرآن: " أن دلالة هذه الاية ظاهرة في وجوب الوصية- ، لان دلالة هذه الاية كدلالة قوله تعالى: "كتب عليكم الصيام" اي فرض عليكم.

القول الثاني :نسخ الوصية الواجبة المقررة في قوله تعالى ( كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين )، فقد ذهب هولاء الى ان هذه الاية قد نسخت بآية المواريث وبقول النبي صلى الله عليه واله سلم "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث".

فالآية التي قررت الوصية الواجبة قد نسخت باية المواريث والحديث السابق ،ومع أن الحديث السابق من خبر الآحاد ألا إنه في حكم المتواتر نظرا لشهرته واستفاضته، بيد انه من الصعب قبول نسخ القرآن بخبر الآحاد .

في حين قال ابن عباس رضي الله عنهما : (وقال به ابن عباس رضي الله عنهما في إحدى الروايتين عنه) إلى أن الآية ليست منسوخة ، بل خُصَّ منها الوصية للأقارب الوارثين ، وبقي الوجوب في حق غير الوارثين) .

وقد نقل العلامة فخر الدين الرازي في شرحه عن أبي مسلم الاصفهاني أن آية الوصية لا نسخ فيها أصلا، إذ أنه لاتوجد تعارض بينها وبين آية المواريث حتى تكون ناسخة لها ، لأن معناها كتب عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والاقربين في قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم" فيجب على الانسان أن يعطيهم ما خولهم المشرع أباه لا ينقصهم عنه شيء، و عليه فلا منافاة بين ثبوت الميراث للاقارب عطية من الله وبين ثبوت الوصية لهم عطية ممن حضره الموت.

ويرى ابن حزم الظاهري أن الميت إذا مات ولم يوص لقرابته من غير ورثته فإن السلطة القضائية تقوم مكانه لإعطاء جزء من تركته لأقاربه غير الوارثين على أنه وصية واجبة، ومعناه أن الوجوب الذي قال به ابن حزم ليس اخلاقيا فقط ولكنه قانوني يجير القضاء الناس عليه.

القول الثالث : هذه الوصية مستحبة او مندوبة وليست واجبة ، وهو قول الأئمة الأربعة ، وحجتهم ان دليل هذه الوصية يفيد الاستحباب والندب ولايفيد الوجوب.

وخلاف الفقهاء في فَهم قوله تعالى : ( كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين )، ما بين الاستحباب والوجوب، والأئمة الأربعة قالوا بالندب؛ بِناءً على أن الجَدَّ يُوصي لأحفاده، والأعمام يعُدُّون أولادَ أخيهم مثلَ أولادهم، فيغمرونهم بعطفهم ورعايتهم، لكن هذه الفتوى في هذا العصر اختلفت عند الفقهاء المعاصرين؛ فقد علَّلوا الحكمة من إقرار الوصية الواجبة أن يُترفَّق بالذرية الضعفاء، فالأب الذي مات في حياة أبيه أو أمه وترك خلفه ذرية ضعافًا، فإنهم لا يرثون شيئًا من مال جدِّهم، فيجتمع عليهم الفقر واليُتْمُ، خاصة في وجود جفوة الأعمام، فهم في غنًى وثروة، وأولاد أخيهم يُعانون الفقر واليتم، وفي الزمن الماضي لم يكن يشعر الناس بهذه المأساة، وأيضًا الجدُّ في زماننا الآن لا يوصي بوصية لأحفاده، بخلاف الزمن الماضي كان الأمر متعارفًا عليه.

 الراجح من الأقوال: هو القول بوجوب الوصية الواجبة، الذي بُنِيَت عليه العلة عند الفقهاء المعاصرين؛ وهي مصلحة المستحقين للوصية الواجبة ، وعلى هذا الاساس اخذت قوانين الاحوال الشخصية العربية كافة بالقول الاول، فصارت الوصية الواجبة مقررة في القوانين العربية على سبيل الوجوب.

فقد ورد في المذكرة التفسيرية للقانون المصري لسنة 1946 (وضعت هذه المواد 76-79 لتلافي حالة كثرت فيها الشكوى وهي حالة الاحفاد الذين يموت آباؤهم في حياة أبيهم أو أمهم أو يموتون ولو حكما كالغرقى والهدمى والحرقى والقتلى، فإن هؤلاء قلما يرثون بعد موت جدهم أو جدتهم لوجود من يحجبهم عن الميراث مع أن آباءهم قد يكونون ممن شاركوا في بناء الثروة التي تركها جدهم ، وقد يكونون في عياله الذين يعولهم في حياته، واخف شيء إلى نفسه أن يوصي لهم بشيء من ماله ولكن المنية عاجلته فلم يفعل شيئا أو حالت بينه وبين ذلك مؤثرات - قد تضمنت المادة 76 (أنهم إذا كانوا غير وارثين ولم يوص لهم الجد أو الجدة بمثل نصيب أصلهم فإن الوصية تجب لهم بإيجاب الله تعالى بمثل هذا النصيب على أن لا يزيد على الثلث، وهي تجب لأهل الطبقة الاولى من أولاد البنات ولاولاد الابناء من اولاد الذكور لاينتسبون إلى الميت بأنثى وإن نزلت طبقاتهم والاصل يحجب فرعه دون فرع غيره ويقسم نصيب كل من أصل وابن الميت ماتوا مرتين- ولا يدخل في قسمة التركة أولاد الميت الذين ماتوا في حياته وان مات ابوه وجده في حياته ايضا غير مرتين وكان له ابن مات في حياته ولم يعقب أو عقب أولاد بنت قسمة التركة بين أولاد الميت الاحياء والاموات الذين هم من يستحق الوصية وهنا نصيب الابن والبنت الميتين أكثر من الثلث فيكون لهما الثلث يقسم بينهما قسمة الميراث للبنت ثلثه يعطي لبنتيها بالتساوي وثلثاه للابن يعطي لفروعه، ولو أن أباه مات قبل جده .

وورد ايضا في المذكرة التفسيرية للقانون المصري: ( ان الأصل الشرعي للوصية الواجبة هو : “القول بوجوب الوصية للأقربين غير الوارثين مروي عن جمع عظيم من فقهاء التابعين ، ومن بعدهم من أئمة الفقه والحديث ، ومن هؤلاء : سعيد بن المسيب والحسن البصري وطاووس والإمام أحمد وداود والطبري وإسحاق بن راهويه وابن حزم ، والأصل في هذا قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) البقرة/180 ، والقول بإعطاء جزء من مال المتوفى للأقربين غير الوارثين على أنه وصية وجبت في ماله إذا لم يوص له مذهب ابن حزم ، ويؤخذ من أقوال بعض التابعين ، ورواية في مذهب الإمام أحمد ) انتهى .

 الوجه الخامس : المستحقون للوصية الواجبة:

كانت المادة(259) احوال شخصية يمني قبل تعديلها تنص على انه :( إذا توفى شخص ذكرا كان او انثى عن اولاد ابن غير وارثين له او كانوا وارثين موصى لهم بقدر يقل عن ميراث ابيهم فيه لو كان حيا عند موته ،وكانوا فقراء ، او اولاد بنت من الطبقة الاولى والدهم فقير وكانوا فقراء ولم يعقدهم المتوفى او يوصي لهم او اوصى لهم باقل من نصيب مورثهم فيه لو فرض حيا فيرضخ لهم من تركته بقدر نصيب مورثهم لو فرض حيا او مايمكنه بشرط ان لايتجاوز ذلك ثلث التركة ، واذا تعدد الابناء المتوفون بنون وبنات على النحو المتقدم ذكره اشترك ابناؤهم وابناء البنات من الطبقة الاولى في ثلث التركة كل بقدر نصيب اصله ، ويحجب كل اصل من ابناء الابناء فرعه ، وتقدم الوصية الواجبة على غيرها من الوصايا التبرعية) .

والنص القانوني السابق بغض النظر عن عيوب صياغته الا ان مضمونه كان موافقا لما ورد في للقوانين العربية سيما المصري، فقد صرح النص السابق ان الوصية الواجبة تشمل الطبقة الاولى من ابناء البنات .

 وفي عام ١٩٩٨تم تعديل المادة(259) احوال شخصية يمني، اذ صارت بعد تعديلهاتنص على انه : ( اذا توفي اي من الجد او الجدة عن ولده او اولاده الوارثين وعن اولاد ابن او ابناء الابناء ما نزلوا وكانوا فقراء وغير وارثين لوفاة ابائهم في حياته وقد خلف خيرا من المال ولم يقعدهم فيرضخ لهم مما خلفه بعد الدين كالتالي:-

1. لبنات الابن الواحدة اواكثر مثل نصيب بنات الابن الارثي مع بنت الصلب وهو السدس.

2. للذكور من اولاد الابن الواحد اذا انفردوا او مع اخواتهم بمثل نصيب ابيهم لو كان حيا بما لا يزيد على الخمس.

3. اذا تعدد المتوفون من الابناء عن اولاد لهم بنين وبنات فلكل صنف منهم مثل نصيب ابيهم لو كان حيا بحيث لا يزيد ما يرضخ لمجموع الاصناف على الثلث وفي كل هذه الثلاث الحالات يشترط ان لا تزيد حصة الذكر او الانثى الواحد من اولاد المتوفين على حصة الذكر الواحد او البنت من اولاد الصلب والا الغيت الزيادة واقتصر لهم على ما يتساوون به مع اولاد او بنات الصلب ويشترك المتعددون فيما تعين لهم لكل بقدر اصله وللذكر مثل حظ الانثيين ويحجب كل اصل فرعه لا فرع غيره وتقدم هذه الوصية على غيرها من الوصايا التبرعية).

 ومن خلال إستقراء النص القانوني السابق يظهر انه قد قصر الوصية الواجبة على أولاد الأبناء وذلك مهما نزلت هذه الطبقة واستبعد ابناء البنت.

 بيد ان القانون اليمني يختلف عن القانون المصري الذي يجعلها كذلك للطبقة الأولى من أبناء البنات وقد جاء ذلك في الفصل 76 فقرة ثانية "وتكون هذه الوصية لأهل الطبقة ألأولى من أولاد البنات. ولاولاد الأبناء أولاد الذكور وإن نزلوا" .

في حين ان القانون اليمني والمغربي والسوري اعتبر أبناء البنات من ذوي الأرحام.

وعليه فإذا مات الشخص موتا حقيقيا في حياة أمه وأبيه وترك أولاد فإنهم يستحقون وصية يلزم أن يعطيهم جدهم إياها، وإذا لم يعطهم حل القانون محل ه وأعطاهم إياها وذلك في حدود ما كان يستحقه أصلهم ما لم يتجاوز الخمس في القانون اليمني والثلث في القوانين الاخرى كالسوري والمغربي.

ويسري هذا الحكم على اولاد المفقود اذا حكم القضاء بموته فتكون لاولاده الوصية الواجبة ، وما دمنا أمام موت حكمي للمفقود وليس موتا حقيقيا فإنه قد يظهر المفقود حيا، هذه الحالة تبطل الوصية الواجبة لأنها خلف وعوض عن ميراث أصلهم فإذا وجد الأصل لم يكن للخلف محل، لكن ما يؤخذ منهم ما بقي في أيديهم وهم يمنون ما استهلكوه أو تصرفوا فيه لأنهم تصرفوا بناء على تمليك أي على وجه مشروع إذا فلا تعدى وإذا انتفى التعدي انتفى الضمان.

و الوصية الواجبة إذا كانت لأكثر من واحد قسمت فيما بينهم حسب تقسيم الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين على اعتبار أن القانون جعلها عوضا لهم عما كانوا يستحقونه من ميراث اصلهم.

ويتم هذا إذا كانوا كلهم من أصل واحد، كأولاد ابن واحد مثلا فإن تعدد اصولهم بان كانوا أولاد ابنين أو ثلاثة فإن التركة تقسم قسمة الميراث بين تلك الأصول ثم يعطى لكل فرع ما كان يستحقه أصله أإن كان واحدا وإلا قسم بينهم على اساس مبدأ للذكر مثل حظ الأنثيين.

وعندما تتعدد الفروع بتعدد أصولها واختلفت قربا وبعدا عن صاحب التركة فإن الاقرب يحجب الابعد إذا كان فرعا له ولا يحجب فرع غيره لأن الوصية تكون لمستحقها في الطبقة الأولى ثم يتم انتقالها منه إلى أولاده ما داموا أهلا بها، "..يحفي جب فيها كل أصل فرعه دون فرع غيره ويأخذ كل فرع نصيب اصله.

ومن خلال مطالعة نص المادة (٢٥٩) احوال شخصية يمني السابق ذكرها يظهر ا القانون اليمني قد قصر الوصية الواجبة على اولاد الابن ، فلم يقرر الوصية الواجبة للوالدين والزوجة فيما إذا اختلفوا عن المورث في الدين مع ان الوصية الواجبة قد شرعها الله لهولاء حسبما هو ظاهر في قوله تعالى : ( كتبب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا، الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف، حقا على المتقين)، فقد ورد في الاية الوالدين والاقربين

  فاختلاف الدين يمنع التوارث ولذلك فانه ينبغي ان يستحق الاب او الأم أو زوجة الوصية الواجبة عند إختلاف والدين بحسب شروط واحكام الوصية الواجبة سيما وقد أمر الله بالبر بالوالدين والاحسان إليهما ومعاملتهما بالمعروف.

ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لمن ساله عن أولى الناس بصحبتي فقال أمك ثم قال أمك ولم يقل الأب إلا مؤخرا فهذا يدل على وجوب معاملة الأم معاملة تنطبق مع قول الرسول صلى الله ع ليه وسلم الجنة تحت أقدام الأمهات، وإن كان المهم عندنا الآن أن نجمع الأب والأم..

 كما يؤخذ على القانون اليمني انه قصر الوصية الواجبة على الحفدة من أبناء الذكور دون أبناء الإناث، وعلى الحفدة وحدهم دون سواهم من القرابة المقربة كالأبوين الذين لايرثون لمانع ديني، فما مصير أخت شقيقة حجبت عن ميراث أخيها في حين أنه لم يكن لها من يعولها سواه وأب مدقع ولم تشكو من قلة ذات اليد لا عيب فيهم إلا أنهم مختلفون دينا عن ابنهم.

ولذا فإني أعتقد أن الوصية الواحبة يجب ألا تقتصر على حفدة الاولاد الذكور بل يجب ان تشمل الطبقة الاولى من ابناء البنات كما يجب كل القرابة المحتاجة الذين لايرثوا.

  الوجه السادس : شروط الوصية الواجبة :

ورد ت شروط الوصية الواجبة في بداية المادة (٢٥٩) احوال شخصية يمني التي نصت على ان : (اذا توفي اي من الجد او الجدة عن ولده او اولاده الوارثين وعن اولاد ابن او ابناء الابناء ما نزلوا وكانوا فقراء وغير وارثين لوفاة ابائهم في حياته وقد خلف خيرا من المال ولم يقعدهم فيرضخ لهم مما خلفه بعد الدين).

 ويمكن عرض هذه الشروط كما ياتي :

الشرط الاول : الا يكون الفرع الذي مات أصله في حياة أحد أبويه وارثا، فإذا ثبت له الحق في الإرث ولو قليلا فإنه لا يستحق وصية واجبة ، فالوصية الواجبة تكون تعويضا لما فات من الميراث، فإذا كان له حظ من ميراث فلا وصية واجبة ، فمن توفى عن أم وبنتين وبنتي ابن وابني ابن وأخ شقيق فلا وصية واجبة لاولاد الابن لأنهم يرثون السدس الباقي تعصيبا.

ومثله إذا مات إنسان وخلف بنتين وبنت ابن وابن ابن ابن فالبنتان يأخذان الثلثين والباقي ترثه بنت الابن وابن ابن الإبن على أساس مبدأ للذكر مثل حظ الانثيين .

ولو أن الميت مات مخلفا بنتين وأبا وأما وبنت ابن وابن ابن فإن البنتين يأخذان الثلثين والاب والام كل واحد منهما السدس ولم يبق شيء لابن ولا لبنت الابن فانه يستحق الوصية الواجبة .

الشرط الثاني: ألا يكون الهالك الجد أو الجدة قد اعطى فرع من مات من أبنائه قيد حياته والذي يستحق الوصية الواجبة مقدار ما يستحقه بأي طريق كان، شريطه أن يكون بدون عوض كالهبة فإذا أعطاهم مثل نصيبهم فذلك حقهم فلايستحقوا الوصية الواجبة، وإن أعطاهم أكثر مما يستحقونه كان الزائد وصية اختيارية يكون للورثة حق اجازتها أو رفضها.

الشرط الثالث : ان يكون اولاد الابن فقراء:

انفرد قانون الأحوال الشخصية اليمني في إشتراط فقر اولاد الأبن لإستحقاقهم الوصية الواجبة ، في حين لم يرد هذا الشرط في القوانين العربية التي نصت على الوصية الواجبة كالقانون المصري والمغربي والجزائري والسوري والعراقي والاردني والإماراتي وغيرها، فقد نصت المــادة(259) من قانون الاحوال الشخصية اليمني على أنه( اذا توفى اي من الجد أو الجدة عن ولده أو أولاده الوارثين وعن اولاد ابن أو أبناء الأبناء مانزلوا وكانوا فقراء وغير وارثين لوفاة آبائهم في حياته وقد خلفوا خيرا من المال ولم يقعدهم فيرضخ لهم مما خلفه بعد الدين كالتالي :-1—لبنات الأبن الواحدة أو أكثر مثل نصيب بنات الأبن الارثي مع بنت الصلب وهو السدس _2_ للذكور من اولاد الأبن الواحد اذا انفردوا أو مع اخواتهم بمثل نصيب ابيهم لو كان حيا بما لايزيد على الخمس. _3_ اذا تعدد المتوفون من الابناء عن اولاد لهم بنين وبنات فلكل صنف منهم مثل نصيب ابيهم لو كان حيا بحيث لا يزيد مايرضخ لمجموع الأصناف على الثلث، وفي كل الحالات الثلاث يشترط ان لاتزيد حصة الذكر أو الأنثى الواحد من اولاد المتوفين على حصة الذكر الواحد أو البنت من اولاد الصلب والا ألغيت الزيادة واقتصر لهم على مايتساوون به مع اولاد او بنات الصلب ويشترك المتعددون فيما تعين لهم لكل بقدر أصله وللذكر مثل حظ الانثيين، ويحجب كل اصل فرعه، وتقدم الوصية الواجبة على غيرها من الوصايا التبرعية) .

ومن المعلوم أن الوصية الواجبة تكون مستحقة لمن تحققت فيه شروطها وقت وفاة المورث الذي يعد موصيا بالوصية الواجبة ، ومؤدى ذلك انه يجب أن يكون المطالب بالوصية فقيرا وقت وفاة المورث الذي يعد الموصي بالوصية الواجبة حتى لو تغيرت حالته المالية بعد ذلك من الفقر الى الغنى ، ولذلك يجب على المطالب بالوصية الواجبة ان يثبت انه كان فقيرا وقت وفاة المورث.

ولم يعرف قانون الأحوال الشخصية اليمني الفقير المستحق للوصية الواجبة، ولذلك فإن المرجع في ذلك كتب الفقه الإسلامي التي عرفت الفقر والفقير بصفة عامة

 فالفقيرفي اللغة هو المحتاج وهو ضدَّ الغِنَى، والفقير: مكسور فقار الظَّهر، وهو مشتقٌّ من انفقار الظَّهر، أي انكسار فقاره، فكأنَّ الفقير مكسور الظَّهر من شدَّة حاجته، والفقير هو الَّذي يجد ما يأكل، والمسكين مَنْ لَا شيء له.

 وقد اختلف الفقهاء بشأن الفرق بين الفقير والمسكين، فقال الماوردي ان في هذه المسألة ستة اقوال، الاول: "أنَّ الفقير: المحتاج المتعفِّف عن المسألة، والمسكين: المحتاج السَّائل والثَّاني: أنَّ الفقير هو ذو الزَّمانة أي المريض مرضا مزمنا كالمشلول، والمسكين: هو الصَّحيح الجسم منهم، والثَّالث: أنَّ الفقراء هم المهاجرون، والمساكين: غير المهاجرين، والرَّابع: أنَّ الفقير من المسلمين، والمسكين: من أهل الكتاب، والخامس: أنَّ الفقير الَّذي لا شيء له؛ لأنَّ الحاجة قد كسرت فقاره، والمسكين الَّذي له ما لا يكفيه لكي يسكن إليه، والسَّادس: أنَّ الفقير الَّذي له ما لا يكفيه، والمسكين: الَّذي ليس له شيء يسكن إليه" .

 ولا شكَّ أنَّ تعريف الفقر شرعًا عند الفقهاء يتوقَّف على آرائهم فـي موضـوع الصَّدقات، وتوزيعها على مستحقِّيها.

 فالفقر أوَّل صفة يستوجب المتَّصف بها الأخذ من الـصَّدقات، وقد اختلف العلماء في معنى الفقر وحدَّه الَّذي يجيز الأخذ من الصَّدقة، وحد الغنى الَّـذي لا يجوز معه الأخذ منها على عدَّة أقوال:

القَوْلُ الأَوَّلُ: ذهب الإمام أبو حنيفة وبعض الزيدية إلى أنَّ الفقر هو عدم ملك نصاب الزَّكاة؛ لأنَّ النَّبِـيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ - قد سمَّى مَنْ ملك النِّصاب غنيًّا، وذلك في قوله لمعاذ بن جبل رضي الله عنه عندما ارسله إلى اليمن: "فَإِنْ هُم أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ؛ فَأَخْبِرْهُم أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِم صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِم فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم، فَإِنْ هُم أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّـاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِم" ، ووجه استدلالهم بهذا الحديث أنَّ رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ -وصف الَّذين تؤخذ منهم الزَّكاة بالغِنَى، ومَنْ تـُدْفع إليهم الزَّكاة بالفقر، ومن المعلوم أنَّ الزَّكاة لا تجب إلَّا على مَنْ ملك النِّصاب، فإذا كان الأغنيـاء هم أهل النِّصاب؛ وجب أن يكون الفقراء ضدَّهم.

 القَوْلُ الثَّانِي: حـدَّد أصحاب هذا القول القدر الَّذي يوصف معه الغنيُّ بالغِنى، والفقيـر بالفقر عن طريق تحديد مبالغ مالية محددة، وذلك كما يأتي:

١- ذهب أحمد بن حنبل والثَّوري، وابن المبارك : بأنَّ حدَّ الفقر شرعًا ألَّا يكون للـشَّخص خمـسون درهما، أو قيمتها من الذَّهب، وحد الغنى أن يكون للمرء خمسون درهمًا، أو قيمتها مـن الـذَّهب، واستدلَّ أصحاب هذا القول بما رواه الدَّار قطني عن عبد الله بن مسعود عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ -قـال: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِرَجُلٍ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا" .

٢- ذهب الحسن البصريُّ إلى أنَّ حدَّ الفقر شرعًا ألَّا يملك الإنسان الأربعين درهما، أو قيمتها من الذَّهب، واستدلَّ الحسن البصريُّ بما رواه عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ -يقـول: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ"

٣- وقال قوم: إنَّ حدَّ الفقر شرعًا ألَّا يملك المرء عشاء ليلة، وحدَّ الغِنَى عكسه، وقـد رُوِيَ هـذا القَوْلُ عن الأمام عليٍّ - كرم اللَّهُ وجهه - .

وقد احتجَّ أصحاب هذا القول بحديث الإمام عليٍّ- كرم اللَّهُ وجهه - عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ -أنَّه قال: "مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً عَنْ ظَهْرِ غِنًى اسْتَكْثَرَ بِهَا مِنْ رَضَفِ جَهَنَّـمَ، قَالُـوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا ظَهْرُ الغِنَى؟ قَالَ: "عَشَاءُ لَيْلَةٍ"

 القول الثَّالث: ذهب مالك، والشَّافعي -رحمها الله- إلى أنَّ حدَّ الفقر شرعًا هو ألَّا يملك الإنسان ما يكفيه من المال، وحدَّ الغني عكس ذلك، لكن أصحاب هذا الرَّأي قد اختلفـوا فـي تحديـد وبيـان الضَّابط لما يكفي الإنسان من المال ، فقال الإمام الشَّافعي: هو أقلُّ ما يمكن أن يطلق عليه اسم أنَّه مال يكفي، وقال مالك بأنَّه ليس في ذلك حدَّ معيَّن، وإنَّما هو راجع إلى الاجتهاد، والإمام الشَّافعي- رَحِمَهُ اللهُ - قد رأي أنَّه مَنْ كان قويًّا على الكسب والتَّحرُّف مـع قـوَّة البـدن، وحسن التَّصرُّف حتَّى يغنيه ذلك عن النَّاس؛ فالصَّدقة عليه حرام ، واحتجَّ بحديث النَّبيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ - "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سوي " .

  وهكذا فقد استدلَّ كلُّ فريق بما توفَّر بين يديه من أدلَّة شرعيَّة، والقول المناسب في العصر الحاضر هو القول الذي يذهب الى أنَّ حدَّ الفقر : هو عدم ملك الإنسان لما يكفيه مـن مال مع تقييد هذا الحدِّ أيضًا بعدم القدرة على الكسب، والعمل ، ليخرج بذلك المسكين الَّذي يأتيه مال لا يكفيه مع كونه يعمل.

 اما الفَقْرُ فِي اصْطِلَاحِ الاقْتِصَادِيِّينَ: فله عدَّة معان منها: الفقر يعني العجز عن إشباع الحاجات الأساسيَّة أو الضَّروريَّة، فالفقير هو مَنْ لا يمتلك شيئًا، والشُّعوب الفقيرة هي الشُّعوب الَّتي يكون أغلب مواطنيها من المعدمين أو الفقر: انخفاض الدَّخل عن مستوى معيَّن في السَّنة، ويذهب بعضهم الى ان الفقر :إحساس الفرد، أو الشَّعب بأنَّه يعيش عند مستوى يقلُّ عمَّا يعيش عنده أفراد، أو شعوب أخرى، ويعني ذلك أنَّ الفقر مسالة نسبيَّة، ويذهب بعضهم الى أن الفقر هو: انعدام الرَّفاهية، أو انخفاض مستوى المعيشة، ويذهب اخرون الى ان الفقر هو : انعدام وسيلة الكسب وانعدام القدرة على العمل أو الكسب، ممَّا يحدِّ من قدرة الفقير على الاختيار، والاستفادة من الفرص، أو هو عجز الشخص عن توفير الموارد المالية اللازمة للوفاء بحاجته الاقتصادية.

 وخلاصة القول: ان الفقر يدور مفهومه حول "الحرمان النِّسبيِّ" لفئة معيَّنة من فئات المجتمع، فالفقير إلى الشَّيء لا يكون فقيرًا إليه إلَّا إذا كان في حاجة إليه، وهنا تظهر أهمِّيَّة البعد المادِّيِّ في تحقيق الحاجات من مأكل، وملبس، ومسكن وغيره.(الوجيز في أحكام الأسرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد صنعاء 2019م، صـ251) .

الشرط الرابع : ان يكون الجد قد ترك خيرا :

وأصل هذا الشرط مستفاد من قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا، الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف، حقا على المتقين).

والمقصود بذلك المال الكثير ، وكثرة مال التركة يتم ضبطها بحسب العصر والعرف والنظر الى حال الورثة وحال الاحفاد المستحقين للوصية الواجبة . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الوصية والاقعاد، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦، ص٢٧) .

الوجه السابع: مقدار الوصية الواجبة:

ذكرنا فيما سبق ان المادة(259) احوال شخصية يمني قبل تعديلها كانت قد حددت مقدار الوصية الواجبة بما لايزيد على ثلث التركة في كل الاحوال بما في ذلك حالة اولاد الابن الواحد المتوفى أثناء حياة ابيه ، وبعد تعديل هذه المادة عام ١٩٩١م تم إنقاص الوصية الواجبة لابناء الابن الواحد من مالايزيد على الثلث الى مالايزيد عن الخمس ، فقد نصت المادة(259) احوال شخصية يمني بعد تعديلها على انه : ( اذا توفي اي من الجد او الجدة عن ولده او اولاده الوارثين وعن اولاد ابن او ابناء الابناء ما نزلوا وكانوا فقراء وغير وارثين لوفاة ابائهم في حياته وقد خلف خيرا من المال ولم يقعدهم فيرضخ لهم مما خلفه بعد الدين كالتالي:-

1. لبنات الابن الواحدة اواكثر مثل نصيب بنات الابن الارثي مع بنت الصلب وهو السدس.

2. للذكور من اولاد الابن الواحد اذا انفردوا او مع اخواتهم بمثل نصيب ابيهم لو كان حيا بما لا يزيد على الخمس.

3. اذا تعدد المتوفون من الابناء عن اولاد لهم بنين وبنات فلكل صنف منهم مثل نصيب ابيهم لو كان حيا بحيث لا يزيد ما يرضخ لمجموع الاصناف على الثلث وفي كل هذه الثلاث الحالات يشترط ان لا تزيد حصة الذكر او الانثى الواحد من اولاد المتوفين على حصة الذكر الواحد او البنت من اولاد الصلب والا الغيت الزيادة واقتصر لهم على ما يتساوون به مع اولاد او بنات الصلب ويشترك المتعددون فيما تعين لهم لكل بقدر اصله وللذكر مثل حظ الانثيين ويحجب كل اصل فرعه لا فرع غيره وتقدم هذه الوصية على غيرها من الوصايا التبرعية).

 ومن خلال مطالعة النص القانوني السابق يظهر انه قد حدد مقدار الوصية الواجبة بما لايزيد على خمس التركة اذا كان المتوفى ابنا واحدا أما اذا تعدد الابناء المتوفون فان مقدار الوصية الواجبة لابناء الابناء المتوفين تكون بما لايزيد على الثلث .

الوجه الثامن: تكييف الوصية الواجبة:

 هذه الوصية من اسمها هي وصية واجبة بحكم الشرع والقانون ، فهي ليست وصية إرادية او إختيارية تقع بإرادة الموصي مثل الوصية الاختيارية بما لايتجاوز ثلث المال لما بعد الوفاة .

كما ان الوصية الواجبة ليست ميراثا لأنها لايمكن أن تتجاوز الخمس او الثلث على التفصيل السابق بيانه.

 وعلى هذا الاساس فسوف نعرض اوجه الشبه والاختلاف بين الوصية الواجبة ومايشابهها، وذلك على النحو الاتي: .

أولا : اوجه الشبه والاختلاف بين الوصية الواجبة والميراث:

1) الوصية الاختيارية تكون وليدة إرادة الموصي ولذا اشترط لها التمييز أو أن يعقل القربة والبعض اشترط لها بلوغ سن الرشد القانوني، زيادة على اختلاف في وصية المجنون جنونا مطبقا والذي يتصل جنونه بالموت. أما الوصية الواجبة فهي أمر من الشارع ينفذ حتى ولو لم يرده الموصي، ولذا فإنها اشبه ما تكون بالميراث الذي لا يملك فيه المورث أن يختار ورثته كما لايملك أن يعدل من أنصبائهم.

2) إنه أذا كان قد اختلف في أمر القبول وهل هو شرط انعقاد بحيث لا يتم إبرام التصرف إلا بإيجاب من الموصي له وقبول من الموصي أم أنه شرط لزوم يؤمر به نهاية، فإن هذا الخلاف لايتصور في الوصية الواجبة لأنها مثل الميراث تدخل في ذمة الموصي له بصفة تلقائية، ولذا فإن البعض جعل دراستها بعد الميراث على اساس أنها أقرب إليه شبها، ولذا قيل عنها بأنها ميراث قانوني.

3) سبق بيان أن الوصية الاختيارية يمكن أن ترد كلها ويمكن أن يرد بعضها وأن هذا الرد لايكون إلا بعد وفاة الموصي لا يملك الموصي له ما يمكن أن يرد إذ ليس له إلا مجرد أمل في الوصية, إذ أن المنية قد تنال الموصى له قبل الموصي كما الموصي قد يعدل عنها، ولكن كل هذا لا يصدق على الوصية الواجبة لأنها مثل الميراث لاترد برد أحد.

4) سبق القول أ ن الوصية الواجبة تكون لأبناء المتوفى بمقدار ما كان لأبيهم ما لم يتجاوز الخمس او الثلث على التفصيل السابق ، ولذلك فهي تقسم فيما اولاد الابن قسمة ميراث للذكر مثل حظ الأنثيين وإذا تعدد الفروع فإن كل أصل يحجب فرعه دون فرع غيره..

 ومع ان الوصية الواجبة تشابه الميراث في بعض الأحكام الا انها تخالف الميراث في بعض الاحكام ، وبيان ذلك كما ياتي :

1) أن بإمكان الجد أن يمنح حفدته تبرعا ما يساوي ما كان يسؤول إلى أبيهم لو أنه ظل حيا حتى وافت المنية جدهم، ولو أنها اعتبرت ميراثا لما أغنى التبرع عنه أن يأخذوا حظوظهم كاملة وكل هذا شريطه أن يمنحهم دون عوض أما إذا أعطاهم بعوض فإن هذا العطاء لايحول دون أخذهم لما يعطيهم الشرع أياه فإن وهبهم أقل مما كانوا يستحقونه يجب أن يمكنوا من باقي حظهم، وإن مكنهم في حياته عن طريق التبرع بأكثر مما كان يستحقه أصلهم وكان صحيحا غير مريض مرض الموت فإن الزائد يكون لهم الحق فيه دون أن يتوقف أمره على إجازة الورثة لأن الإجازة تكون بالنسبة للتصرفات النافذة لما بعد الموت لا لتلك النافذة أثناء الحياة، فلو أنه اراد أن يعطي كل أمواله اثناء الحياة، فلو أنه أراد ان يعطي كل أمواله أثناء صحته أو جلها لأجنبي فهل يكون الانسان ملوما في هذا، وطبعا هذا إذا أوصى لهم، إما إذا أعطاهم دون أن يتخذ العطاء شكل وصية فلا مجال للاجازة.

3) أن الوصية الواجبة لاتعتبر اصلا بل هي عوض عن الميراث لأن هؤلاء الحفدة لايرثون ولذا اوجب الشرع لهم الوصية الواجبة كعوض في حين أن الميراث يعد اصلا.

ثانيا : اوجه الشبه والاختلاف بين الوصية الواجبة والوصية الاختيارية:

تشابه الوصية الواجبة الوصية الاختيارية فيما ياتي :

1) إن الوصية الواجبة لايمكن أن تتجاوز حدود الثلث وهذا هو أقصى حد للوصية الاختيارية .

2) الوصية الواجبة مقدمة على الوصايا الاختيارية وذلك عند التزاحم لأنه لو قدمت الوصايا الاختيارية على الوصايا الواجبة وكانت في حدود الثلث لما بقي شيء لأصحاب الوصايا الواجبة وإن كان البعض يرى أنه بتحاصص الجميع في الثلث.

 الوجه التاسع : مرتبة الوصية الواجبة :

نصت المادة (٢٥٩) احوال شخصية في نهايتها على انه : ( وتقدم هذه الوصية على غيرها من الوصايا التبرعية).

فهذا النص يصرح بان الوصية الواجبة مقدمة على الوصية الاختيارية او التبرعية، ومن المعلوم ان الوصية الاختيارية مقدمة على قسمة الميراث ، وبناء على ذلك فانه يتم اخراج الوصية الواجبة من راس التركة قبل الوصايا الاخرى وقبل القسمة ، فالوصية الواجبة مقدمة، فلا يتقدمها الا مخاريج الموت او الدفن وديون الميت التي يتم إخراجها من راس التركة قبل الوصية الواجبة.

الوجه العاشر: القتل مانع للوصية الواجبة :

 لاريب ان القتل العمد العدوان مانع للوصية الاختيارية والوصية الواجبة على حد سواء، وكل هذا مع مراعاة من أنه ضربه بعدها لا قبلها ومات من جرحه، أما إذا علم ومات من جرحه ولم يغير فلا سبيل إلى منعه من الوصية الواجبة، ومثله ما إذا ضربه قبلها ومع ذلك أوصى لهم أو أعطاهم في حياته بلا عوض مقدار ما يستحقون بهذه الوصية الواجبة فإن أوصى لهم بأقل من ذلك وجبت تكملته وأن أوصى لبعضهم فقط وجبت الوصية للآخر بقدر نصيبه على نهج ما ذكر"

فالقتل المانع من الوصية الواجبة هو القتل الواقع من المستحق للوصية على الموصي اما القتل الذي يقع من الولد لابيه فانه يمنع عنه الميراث بيد انه لايمنع اولاد القاتل من إستحقاق الوصية الواجبة ، فلايؤخذ الاولاد بجريرة ابيهم القاتل .

الوجه الحادي عشر : الوصية الواجبة في تكاليف زواج الاولاد وتعليمهم :

 من محاسن قانون الاحوال الشخصية اليمني انه جعل تكاليف الزواج والتعليم ضمن الوصية الواجبة لضمان المساواة بين الورثة ، فيكون حكم تكاليف الزواج والتعليم حكم الوصية الواجبة من جهة إخراجها من راس التركة بعد دفع مخاريج الموت او الدفن وديون المورث ، وفي هذا المعنى نصت المادة (260) من قانون الاحوال الشخصية اليمني على انه : (تجب التسوية بين الأولاد في الزواج والتعليم فإذا كان قد صرف أموالاً في تزويج وتعليم البعض فعليه تسوية الآخرين بهم فإن لم يفعل حتى مات ولم يوص بها سوَّى القاضي بينهم بإخراج القدر المساوي لهم مع وجوب التسوية أيضاً بين الأولاد وبقية الورثة إن كانوا طبق طريقة المواريث). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الوصية والإقعاد، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦، صـ٣٢) ، والله اعلم.