التنفيذ غير المباشر في القانون اليمني

التنفيذ غير المباشر في القانون اليمني

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء.

التنفيذ غير المباشر في القانون اليمني

نظم قانون المرافعات اليمني التنفيذ غير المباشر وحدد وسائله وهي الحجز والحراسة القضائية والمنع من السفر الى الخارج ، وذلك في المادة (٣٧٧) وما بعدها ، بيد ان ذلك القانون لم يعرف التنفيذ غير المباشر ولم يبين الفروق التي تميزه عن التنفيذ المباشر .

 فقد ترك القانون هذه المهمة للفقه القانوني ، وضمن هذا التنظيم تعرض القانون للطعن بالنقض في الاحكام في منازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٦/١/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٤١١١)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فالمادة (٣٨٥) وما بعدها هي الواجب العمل بها بإعتبار أن الكتاب الثاني من قانون المرافعات نظم مايتعلق بالتنفيذ غير المباشر ووسائله ، ومن هذه الوسائل الحجز التحفظي والحراسة القضائية والمنع من السفر الى الخارج، وليس في احكام الحجز التحفظي مايمنع الطعن بالنقض)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: تعريف التنفيذ غير المباشر:

التنفيذ غير المباشر هو اجراء قانوني يتم إتخاذه جبرا على المنفذ ضده بمقتضى احكام التنفيذ الجبري المقررة في قانون المرافعات ، ويتم التنفيذ غير المباشر عن طريق الحجز على اموال المدين ثم بيعها لاستيفاء الحقوق المحكوم بها بموجب السند التنفيذي .

ويتم اللجوء الى التنفيذ غير المباشر عندما يمتنع المحكوم عليه عن التنفيذ الاختياري للحكم.

فالتنفيذ غير المباشر نوع من أنواع التنفيذ الجبري لا يتم على عين المال المحكوم به وانما يتم عن طريق الحجز على المال تمهيدا لبيعه وإقتضاء الحق منه ، فالتنفيذ غير المباشر هو التنفيذ الذي لايتوصل الى الحق مباشرة من خلال وسيلته، فالتنفيذ غير المباشر خاص بالنقود اي متعلق بالالتزامات النقدية.

الوجه الثاني : الفرق بين التنفيذ المباشر وغير المباشر:

التنفيذ المباشر هو إجبار المدين المحكوم عليه على تنفيذ عين ما التزم به عن طريق معاون التنفيذ مثل تسليم السيارة او إخلاء العين المؤجرة او القيام بعمل ، في حين أن التنفيذ غير المباشر هو الحجز على اموال المدين المحكوم عليه وبيعها لإستيفاء الحق نقدا ، فالتنفيذ المباشر يناسب الالتزامات العينية، اما التنفيذ غير المباشر فيناسب الإلتزامات المالية او النقدية او عندما يتعذر الإلزام العيني.

ومع ان التنفيذ المباشر وغير المباشر من انواع التنفيذ الجبري بيد ان وسائل الإجبار تختلف فيهما، فوسائل الإجبار في التنفيذ غير المباشر هو الحجز والحراسة والمنع من السفر ، في حين ان وسائل الإجبار في التنفيذ المباشر هي الحبس او الغرامة التهديدية او إستخدام القوة الجبرية لإجبار المدين على تنفيذ الالتزام. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التنفيذ ، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة، طبعة 2025م صنعاء، ص١١٨).

الوجه الثالث: وسائل التنفيذ غير المباشر والمباشر :

ذكرنا فيما سبق ان التنفيذ المباشر وغير المباشر من انواع التنفيذ الجبري، وان التنفيذ المباشر هو تنفيذ عيني يهدف الى إقتضاء الحق العيني ذاته، اما التنفيذ غير المباشر فهو يتم عن طريق الحجز على أموال المحكوم بهدف بيعها وإقتضاء الحق المحكوم به من ثمنها ، وكذا يتم التنفيذ غير المباشر عن طريق فرض الحراسة والمنع من السفر.

وعلى هذا الاساس فان الوسائل الجبرية لكل من التنفيذ المباشر وغير المباشر تكون مختلفة ، حسبما هو مبين فيما ياتي :

أولا: وسائل التنفيذ المباشر:

التنفيذ المباشر يهدف الى تنفيذ عين ما التزم به المحكوم عليه ، وتتلخص وسائل التنفيذ المباشر فيما ياتي:

1- إستخدام القوة الجبرية: عن طريق معاون التنفيذ والشرطة لإجبار المدين على تنفيذ عين ما التزم به، كالبناء والهدم او الامتناع عنهما .

2- تسليم الأموال الى المدين المحكوم له : وذلك عن طريق نقل حيازة الشئ محل التنفيذ سواء أكان منقولا او عقارا من المدين المحكوم عليه الى الدائن المحكوم له.

3- إخلاء الأعيان : مثل إخراج المحكوم عليه من العين المؤجرة وتسليمها الى المؤجر مالكها .

4- التنفيذ لإستيفاء النفقة المحكوم بها: كامر قاضي التنفيذ الى جهة عمل المحكوم عليه او البنك بتسليم النفقة المحكوم بها الى المحكوم له .

5- حبس المنفذ ضده: لحمله على تنفيذ عين ما التزم به.

ثانيا: وسائل التنفيذ غير المباشر:

وتستعمل هذه الوسائل عندما يكون الشئ المطلوب التنفيذ عليه نقديا او عندما يتعذر التنفيذ العيني (المباشر)، ويمكن تلخيص وسائل التنفيذ غير المباشر على النحو الاتي :

1- الحجز التنفيذي على اموال المدين المحكوم عليه: بهدف التنفيذ على هذا المال وبيعه وفقا للقانون لا قتضاء المبالغ المحكوم بها .

2- الحجز التحفظي على اموال المدين المحكوم عليه: لمنعه من التصرف في المال المحجوز وتحويل الحجز التحفظي لاحقا الى تنفيذي لا قتضاء المبالغ المحكوم بها.

3- الحراسة القضائية على مال المحكوم عليه .

4- منع المحكوم عليه من السفر الى الخارج.

5- حجز مال المدين لدى الغير.

الوجه الرابع : الطعن بالنقض في قرار إجراء الحجز:

قضى الحكم محل تعليقنا بجواز الطعن بالنقض في الحكم بإجراء الحجز التحفظي ، مع ان المادة (٥٠١) مرافعات نصت على انه : ( للخصوم الطعن في الاحكام الصادرة في منازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية امام الاستئناف خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدور الحكم في المنازعة ، وعلى محكمة الإستئناف الفصل في الطعن خلال عشرة ايام من تاريخ رفعه اليها ، ويعتبر حكمها في المنازعات الوقتية غير قابل للطعن بالنقض، ويجوز للخصوم الطعن في الأحكام الموضوعية الصادرة من محاكم الإستئناف امام المحكمة العليا وفقا للقواعد العامة ).

ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر انه منع الطعن بالنقض في احكام الإستئناف الصادرة في منازعات التنفيذ الوقتية ، وفي الوقت ذاته اجاز النص الطعن بالنقض في احكام الإستئناف الصادرة في منازعات التنفيذ الموضوعية.

 ومهما كانت للاعتبارات فإنه لا ينبغي التضحية بالقواعد العامة للطعون التي وجدت لغايات وأهداف سامية موجودة أيضاً في الأحكام الصادرة عن محاكم الإستئناف في منازعات التنفيذ الوقتية، فمن أهداف الطعن في الأحكام عامة تلافي أوجه القصور والخطأ والإنحراف في الأحكام بالإضافة إلى الرقابة على الأحكام القضائية سيما أن الأحكام الصادرة في منازعات التنفيذ الوقتية لا تخلو من الاخطاء ، ومن وجهة نظرنا إن تحصين هذه الأحكام من الطعن بالنقض مخل بالعدالة، بل أن تحصينها من الطعن بالنقض يغري البعض بالتعسف والإنحراف عند تنفيذ الأحكام من غير تعقيب أو رقيب، علماً بأن قوانين المرافعات في الدول الأخرى بما فيها مصر تقرر قابلية الأحكام الصادرة في منازعات التنفيذ الوقتية للطعن بالنقض . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التنفيذ ، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة، طبعة 2025م صنعاء، ص١٢٠).

الوجه الخامس : التنفيذ المباشر والتنفيذ غير المباشر في الفقه و القانون المصري:

 يذكر الدكتور احمد حشيش ان : التنفيذ الجبرى يتنوع إجرائياً، بحسب وجود الحجز باعتباره معيارًا إجرائياً، وبالتالى فهو يتفرع إلى نوعين رئيسيين، هما: التنفيذ المباشر، والتنفيذ غير المباشر. إذن " الضابط فى تقسيم التنفيذ الجبرى إلى تنفيذ مباشر وتنفيذ بالحجز ... كون الدائن يصل إلى استيفاء حقه بالحصول عليه مباشرة (أى دون حجز) أو يصل إليه عن طريق الالتجاء إلى إجراءات الحجز.." وذلك كالتالى:

 فأولا - التنفيذ المباشر هو إذن تنفيذ " جبري " بغير طريق الحجز، وبصرف النظر عما إذا كان المطلوب تنفيذه جبرًا هو إلزام بمبلغ نقدى أو إلزام بشيء آخر. وهذا التنفيذ، لا هو تنفيذ عيني، ولا هو تنفيذ اختياري، ولا تسري عليه قواعد القانون المدني الخاصة بالوفاء، أي قواعد زمان ومكان الوفاء، ولا قاعدة: عدم جواز الوفاء إلا للدائن أو نائبه، ولا قاعدة: جواز الوفاء ولو بشيك ... إلخ.

وهو تنفيذ جبري مباشر، حتى لو كان المطلوب تنفيذه جبرًا هو إلزام بمبلغ نقدى وقام المدين بتسليم المبلغ إلى معاون التنفيذ حال إعلان السند التنفيذي، عملاً بالمادة 282 مرافعات مصري، وتنص على أنه: على معاون التنفيذ عند إعلانه السند التنفيذى ... قبض الدين عند عرضه عليه مع إعطاء مخالصة بذلك، ودون حاجة إلى تفويض خاص "

ففى هذه الحالة، الأمر يتعلق بتنفيذ جبرى مباشر، ولا تسرى عليه إلا قواعد التنفيذ في قانون المرافعات. إذ يقوم به معاون التنفيذ دون حاجة إلى تفويض للقيام به، لأنه يدخل ضمن مهام وظيفته التنفيذية.

ومن ثم يلزم أن يقوم معاون التنفيذ بعمل محضر بحصول هذا التنفيذ، وهو مسئول إذن عند عدم قبض الدين مثلاً، فيلتزم – بالتالى - بمصاريف العرض و الإيداع الذى قد يضطر إليه المدين، كما يلتزم – حتى – بتعويض المدين عند الاقتضاء.

وهو ملزم بإعلان صورة هذا المحضر إلى المدين، وبالتالى تعتبر هذه الصورة بمثابة مخالصة للمدين.

وثانياً - التنفيذ غير المباشر هو إذن تنفيذ جبرى بطريق الحجز، ولو لم يعقب هذا الحجز بيع الشيء المحجوز. كما هو الشأن لو وقع الحجز على نقود أصلاً، أو على شيء آخر استبدلت به نقوداً أودعت وخصصت للتنفيذ عليها، أو استبدل به ثمنه المستحق في ذمة الدولة في حالة استيلائها على هذا الشي بعد الحجز عليه. وكما هو الشأن فى الحجز الذى يعقبه قيام المدين بعرض الدين النقدي على معاون التنفيذ عملاً بالمادة 282 مرافعات مصري، وتقضى بأنه:

" على معاون التنفيذ ... عند قيامه بالتنفيذ، قبض الدين عند عرضه عليه مع إعطاء مخالصة بذلك ودون حاجة إلى تفويض خاص" وكما هو الشأن فى الحجز الاستحقاقى، الذى يرد على منقول الحاجز نفسه لدى المدين. وبذا، فإن التنفيذ غير المباشر ي ا ردف الحجز اصطلاحاً، حتى لو أعقبه بيع جبرى للشئ المحجوز، على اعتبار أن هذا البيع ليس أكثر

من " اجراء " بمقتضاه يُستبدل بمحل الحجز محلاً آخر يتمثل فى مبلغ نقدى هو الثمن، وذلك من خلال الشراء بمعناه الموضوعي، وبالتالي فإنه في هذه الحالة لا يوجد بيع بالمعنى الدقيق ولو كان الشراء موجوداً، ولا هذا البيع يمنع من اعتبار الثمن محجوزاً بدلاً من الشيء المحجوز أصلا.

وقد اهتم القانون المصري بتنظيم التنفيذ بالحجز، دون التنفيذ المباشر الذى أهمله إهمالاً تاماً. لكن ليس معنى هذا بالبداهة، أن التنفيذ المباشر أقل أهمية من التنفيذ غير المباشر، ولا معناه أن التنفيذ المباشر لا يخضع لأى تنظيم قانوني في مصر، إنما العكس هو الصحيح، وبالتالى يخضع التنفيذ المباشر لما يلى:

فأولا : تسرى عليه الأحكام العامة الواردة في الباب الأول من كتاب التنفيذ، وذلك عدا ما جاء في الفصل الخامس من هذا الباب، حيث القواعد الخاصة بـ" محل الحجز" لأن التنفيذ المباشر هو تنفيذ جبري بغير طريق الحجز.

ومن ثم تسرى عليه أحكام الفصل الأول الخاص بإدارة التنفيذ، والفصل الثاني الخاص بالسند التنفيذي وما يتصل به، والفصل الثالث الخاص بالنفاذ المعجل، والفصل الرابع، والفصل السادس الخاص بإشكالات التنفيذ.

وثانياً: تسرى عليه الأحكام العامة في إجراءات التنفيذ في قانون المرافعات، كقاعدة: الظرف الزمنى للتنفيذ. إذ نصت المادة 7 مرافعات على أنه" لا يجوز إجراء اي ..... تنفيذ قبل الساعة السابعة صباحاً ولا بعد الثامنة مساءً، ولا فى أيام العطلة الرسمية، إلا فى حالات الضرورة وبإذن كتابى من قاضى مختص الذى هو مدير إدارة التنفيذ.

وكذا قاعدة : الظرف المكاني للتنفيذ، حيث لا يجوز التنفيذ إلا في مكان الشيء المنفذ عليه. ما لم ينص القانون على غير ذلك.

وقاعدة: إفراغ التنفيذ في شكل محضر، يوقع عليه من المنفذ ضده، ومعاون التنفيذ، إن كان المنفذ ضده حاضرًا، ولا يجوز إجراء التنفيذ في حضور طالب التنفيذ.

وقاعدة: إذا حصل التنفيذ في حضور المنفذ ضده أو في موطنه، تسلم له صورة من المحضر على الوجه المبين في المادة 10 مرافعات. أما إذا كان التنفيذ في غير موطنه أو في غيبته، وجب إعلانه بالمحضر.

أما القول بأنه لا لزوم لإعلان المدعى عليه أو المدين بصورة محضر الطرد (أو الإخلاء مثلا ) تطبيقاً لنص المادة 11 حيث لا يترتب على عدم الإعلان بطلان الإجراءات التي تمت، فهذا القول غير صحيح، ويتعارض مع مواد القانون، ويترتب عليه بقاء الإجراءات التي تمت ناقصة من الناحية الإجرائية لعدم إتمام إعلان المدعى عليه بصورة المحضر. (مبادئ التنفيذ الجبري في قانون المرافعات، د احمد محمد حشيش، دار النهضة العربية القاهرة ٢٠١٣م، ص ٩٨)، والله أعلم.