التوقيع المجرد يقبل التأويل أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

التوقيع المجرد يقبل التأويل أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

التوقيع المجرد يقبل التأويل

التوقيع بصفة عامة عبارة عن علامة مميزة يضعها الشخص للتدليل على قبوله او موافقته على ماورد في المحرر الذي يضع عليه توقيعه او إثبات نسبة المحرر له، بيد انه يجب ان تصاحب التوقيع بيانات او دلائل تبين قصد الشخص من وضع توقيعه على المحرر ، اي انه يجب ان تكون هناك بيانات كافية مصاحبة للتوقيع تدل على قصد الشخص من وضع توقيعه على المحرر، والا فان التوقيع يكون مجردا اي مجرد عن البيان يثير إحتمالات وتاويلات عدة بشان الغرض او القصد من وضع التوقيع على المحرر، مما يستوجب على محكمة الموضوع إستجواب اطراف المحرر للوقوف على الغرض من وضع التوقيع على المحرر ، لأن إعتماد المحكمة لتأويل او إحتمال معين من بين تلك الاحتمالات المتعددة من غير ان تستجوب الخصوم سيكون تحكما من قبل محكمة الموضوع ، فليس له اصل في الأوراق ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٠/٢/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٣٩٥٤)، فقد ورد ضمن اسباب هذا الحكم : (فقد وجدت الدائرة ان الطاعن قد اقام السبب الاول من اسباب طعنه على الحكم الإستئنافي انه قد استند في قضائه في رفض دعوى البطلان الى ان توقيع الطاعن على حكم التحكيم يفيد قبوله بحكم التحكيم مع ان توقيعه كان مجردا، وانه قد تم بناء على طلب المحكمين، والدائرة : تقرران هذا السبب في محله ، لان الشعبة لم تستجوب الطرفين عن القصد او الغرض من التوقيع على حكم التحكيم، لان التوقيع المجرد من البيان يقبل التأويل)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: ماهية التوقيع في قانون الإثبات اليمني:

نصت الفقرة (جـ) من المادة (103) من قانون الإثبات اليمني على أن: (يكون التوقيع على المحرر إما بالخط أو بالختم أو بصمة الأصبع).

 وبحسب ما ورد في هذا النص فإن التوقيع على المحرر يكون بإحدى الطرق الاتية :

الطريقة الأولى: التوقيع بالخط المشبوك او الإمضاء: والامضاء او (الخط المشبوك)،هو عبارة عن علامة مميزة معينة يضعها الشخص لنفسه بخطه، ويواظب صاحبها على إستعمالها في رسائله ومكاتباته ومذكراته، وكذا في العقود والتصرفات التي يكون طرفاً فيها للتدليل على موافقته على ما ورد في تلك المحررات والسندات أو للتدليل على ان تلك المحررات والسندات منسوبة إليه.

والتوقيع عن طريق الامضاء او الخط المشبوك عرضة لإنكاره لانه يتعذر التطابق التام بين توقيع وتوقيع من هذا النوع من التوقيعات.

الطريقة الثانية: التوقيع بالخط بكتابة الاسم: وذلك عن طريق قيام الشخص نفسه بكتابة اسمه الرباعي مع لقبه بخط يده المعروف ، وذلك على المحرر ، ويوضع الشخص عادة توقيعه في ذيل المحرر للتاكيد على موافقته بكل ما اشتمل عليه المحرر من بدايته حتى نهايته، واذا كان المحرر يتكون من اكثر من صفحة فانه يجب أن يوضع التوقيع على في نهاية كل صفحة من صفحات المحرر.

والتوقيع عن طريق كتابة الشخص نفسه لاسمه الرباعي بخطه المعروف، يمنع الشخص صاحب هذا التوقيع من إنكاره ، لأن التعرف على التوقيع بكتابة الاسم سهل سواءً بالعين المجردة أو عن طريق المقارنة التقنية بين حروف الكتابة، ولذلك فانه من النادر أن يتجرأ الشخص على إنكار توقيعه إذا كان قد تم عن طريق كتابة الاسم، بخلاف الحال عندما يكون التوقيع بالإمضاء وهو وضع الإمضاء او التوقيع المشبوك ، حيث أن إنكار هذا النوع من التوقيع قد صار في اليمن ظاهرة عامة تستحق الدراسة للوصول إلى أسباب وجودها وتوصيات لمحاربتها.

الطريقة الثالثة : التوقيع عن طريق وضع ختم الشخص على المحرر: وذلك عن طريق وضع الختم الذي يشتمل على التوقيع المشبوك او اسم الشخص، إذ يتم وضع الختم في ذيل كل صفحة من صفحات المحرر.

الطريقة الرابعة : التوقيع عن طريق بصمة اليد اليسرى : لان اليد اليسري يقل إستعمال الشخص لها فتكون خطوط البصمة فيها خالية من الخدوش ، فيتم تجفيف الاصبع من الماء او العرق او الدهن ثم يتم وضعها في حبر ملون خاص معمر ، وبعد يتم وضع البصمة في ذيل كل صفحة من صفحات المحرر، شريطة ان لايتم تحريك البصمة حين وضعها على المحرر. (مهارات الصياغة القانونية – مهارات صباغة العقود- ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ، طبعة ٢٠٢٢م، صـ٣٣).

الوجه الثاني: ماهية التوقيع المجرد :

هو مجرد وضع الشخص لتوقيعه على المحرر من غير ان يكتب الشخص الى جوار التوقيع قصده او غرضه من وضع توقيعه على المحرر، مثل وضع توقيعه على حكم تحكيم او على محرر عقد صلح بين طرفين اخرين او توقيع شخص على عقد بين شخصين اخرين .

فالتوقيع المجرد عبارة عن وضع الشخص توقيعه على المحرر من غير وجود اية بيانات تبين قصد الشخص او غرضه من التوقيع على المحرر.

فالتوقيع المجرد هو وجود توقيع صحيح للشخص على محرر دون ان يسبق التوقيع بيان يوضح الغرض من وضع التوقيع، فقد يكون التوقيع المجرد على بياض أي لا تسبق التوقيع أية كتابة أو بيان يستدل منه على الغرض من وضع التوقيع، اما اذا تم وضع التوقيع المجرد على محرر أو وثيقة مطبوعة أو مكتوبة بخط صاحب التوقيع أو بخط غيره فان التوقيع في هذه الحالة لايكون مجردا بل يكون المحرر والتوقيع حجة على صاحب التوقيع طالما ان مضمون هذه الوثيقة منسوب للشخص الذي يقوم بالتوقيع عليها، اما اذا كان مضمون هذه الوثيقة غير منسوبة لصاحب التوقيع فان الوثيقة والتوقيع لايكون حجة كان يقوم شخص بالتوقيع على عقد بين طرفين اخرين بعد التوقيع عليه من دون بيان الغرض من توقيع هذا الشخص هل هو قام بالتوقيع كشاهد أو مصادق على توقيع طرفي العقد أو على خط وتوقيع كاتب العقد ، فتوقيع هذا الشخص يكون مجرداً عن البيان أي ليس هناك دليل على الغرض من وجود هذا التوقيع على المحرر، ومن امثلة التوقيع المجرد أيضاً وجود توقيع الشخص على حكم تحكيم دون بيان الغرض من التوقيع على الحكم ، فيكون الغرض من وجود هذا التوقيع مجهولا ،ً فقد يفسر وجود هذا التوقيع على انه موافقة من صاحب التوقيع على ما قضى به الحكم أو ما يسمى تشريف الحكم ، وقد يمكن تفسير وجود هذا التوقيع على أنه إثبات استلام صاحب التوقيع لنسخة الحكم مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، وحكم التوقيع المجرد أنه موقوف على ورود البيان اما من صاحب التوقيع الذي ينبغي عليه ان يبين الغرض من قيامه بالتوقيع على الوثيقة على أساس أن ذلك اقرار من صاحب التوقيع كما يتم إثبات الغرض من وجود التوقيع المجرد بواسطة طرق الإثبات المقررة شرعاً وقانوناً مثل الشهود الذين حضروا وقت قيام الشخص بالتوقيع كما يتم إثبات ذلك عن طريق القرائن. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات ، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة، طبعة 2025م صنعاء، ص195).

الوجه الثالث: قابلية التوقيع المجرد للتأويل :

التوقيع المجرد عن البيان الذي يبين غرض الموقع من توقيعه ليس قاطعا في دلالته بل انه يثير عدة إحتمالات بشان غرض الشخص من وضع توقيعه، فمثلا التوقيع المجرد على حكم التحكيم يثير عدة إحتمالات فقد يكون الغرض من التوقيع المجرد القبول بالحكم وتشريفه، وقد يكون الغرض من التوقيع إستلام نسخة من الحكم، وقد يكون الغرض من التوقيع صدور الحكم في مواجهة الموقع، كذلك الحال في التوقيع المجرد على وثائق العقود والمحررات فقد يكون الغرض من التوقيع المجرد عليها هو الشهادة على المحرر او قيام الشخص صاحب التوقيع بالضمانة على احد طرفي المحرر ، وقد يكون الغرض من التوقيع التعريف بخط وتوقيع اطراف المحرر ...الخ.

الوجه الرابع : التوقيع المجرد والتوقيع على بياض :

سبقت الاشارة الى ان التوقيع المجرد هو التوقيع الذي لاتوجد اية بيانات او دلائل تدل على الغرض من وضعه على المحرر ، ومنه التوقيع على بياض اذا كان التوقيع على غير شبك ، لان التوقيع على بياض في غير الشيك ياتي مجردا عند وضعه من غير اي بيان على الغرض من وضعه على بياض اي على ورقة خالية من الكتابة اي خالية من اية بيانات تدل على الغرض من وضع التوقيع عليها.

اما اذا كان التوقيع على شيك دون كتابة بياناته الاخرى كالمبلغ والتاريخ والمستفيد ، فاذا تم سحب الشيك وتسليمه لشخص فان وجود التوقيع على ذلك الشيك يدل بذاته على ان الساحب الذي قام بالتوقيع على شيك بياض قد فوض او قام بتوكيل الشخص المسحوب له الذي استلم الشيك فوضه بكتابة بيانات الشيك كيفما يشاء ومتى مايشاء وهو مايسمى بقاعدة التفويض المصرفي ، لذلك لايكون التوقيع على شيك بياض من قبيل التوقيع المجرد.

الوجه الخامس : التوقيع المجرد وإنكار التوقيع :

سبقت الاشارة الى معنى التوقيع المجرد وقد ذكرنا ان التوقيع المجرد توقيع صحيح وان صاحب التوقيع المجرد لاينكر توقيعه وانما يتأول الغرض من التوقيع ويدعي ان الغرض من التوقيع يختلف عن الغرض الذي يدعيه خصمه، حيث تقوم محكمة الموضوع بإستجواب الخصوم والبحث والدراسة لمعرفة الغرض من وضع التوقيع المجرد على المحرر.

في حين انه في حالة إنكار التوقيع ينكر الشخص ان التوقيع توقيعه، فالمنكر ينفي صحة نسبة التوقيع اليه، ويتم إثبات صحة التوقيع من عدمه عن طريق طرق الأثبات المقررة في القانون ومن اهمها الطرق الفنية او التقنية.

الوجه السادس : إثبات الغرض من التوقيع المجرد على من يتمسك به:

التوقيع المجرد ياتي خاليا من اية بيانات تدل على الغرض من وضعه على المحرر ، ولذلك فانه ينبغي على المتمسك بالتوقيع ان يثبت الغرض الذي يدعيه، وان يقدم البيانات والدلائل التي تدل على الغرض من ذلك التوقيع.

الوجه السابع : وجوب تحقق محكمة الموضوع من الغرض من التوقيع المجرد:

التوقيع المجرد خال من البيان فالغرض من وضع التوقيع على المحرر مجهول، في حين أن الحكم يجب ان يكون عنوان الحقيقة ، لذلك يجب على محكمة الموضوع ان تناقش الخصوم عن الغرض من وضع التوقيع المجرد في الوثيقة وان تستجوب الخصوم بشان الغرض من التوقيع وان تكلفهم بتقديم ادلتهم على صحة اقوالهم.

 لان وجود التوقيع المجرد على المحرر محل خلاف بين الخصوم، فالغرض من التوقيع المجرد ليس محددا بل يثير إحتمالات عدة ، لذلك يجب على محكمة الموضوع ان تحسم هذه الاحتمالات المتعددة وان تقف على الإحتمال الغالب منها ، حتى يكون الحكم عنواناً للحقيقة .

وفي هذا السبيل يجب على محكمة الموضوع أن تناقش في أسباب حكمها التوقيع المجرد وان تبين الإحتمال الغالب الذي اعتمدته ، والمنهج الذي سلكته المحكمة في بيان الغرض من التوقيع المجرد. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات ، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة، طبعة 2025م صنعاء، ص٢٠٢).

الوجه الثامن : التوقيع المجرد في القانون والقضاء العربي والاجنبي :

أولا: المقصود بالتوقيع:

على الرغم من المكانة المتميزة التي يحتلها التوقيع فيما يتعلق بالاعتراف بالحجية للورقة العرفية، وإجماع القضاء على اعتبار التوقيع الشرط الجوهري والوحيد لصحة هذه الورقة، واعتباره دليلا كاملا في الإثبات، إلا أن كل من المشرع أو القضاء لم يورد تعريفا محددا لماهية التوقيع، الأمر الذي حدا بالفقه إلى بذل الجهد في محاولة لوضع تعريف للتوقيع .

فهناك من يعرف التوقيع بأنه :التأشير لو وضع علامة على السند، او بصمة ابهام، للتعبير عن القبول بما ورد فيه، أو أنه أية علامة مميزة وخاصة بالشخص الموقع تسمح بتحديد شخصيته والتعرف عليها بسهولة، بشكل يظهر ارادته الصريحة في الرضا بالعقد .

كما تقرر المادة (2827 ) من القانون المدني لمقاطعة كيبك الكندية أن" التوقيع يتمثل في قيام شخص بوضع اسمه أو أية علامة أو إشارة اخرى تميزه شخصية ويستعملها بصورة معتادة، على محرر بقصد التعبير عن رضاه.

ومن ذلك يتبين أن التوقيع يتمثل في علامة شخصية خاصة ومتميزة، يضعها الشخص باسمه أو ببصمته او بأية وسيلة أخرى على مستند لإقراره، والالتزام بمضمونه.

ويمكن أن يعتبر توقيعا صحيحا ومقبولا، كل علامة شخصية توضع كتابة بحيث تتيح تحديد شخص محدثها على وجه لا يتطرق إليه أي شك، وتتم عن إرادته التي لا يحيطها أي غموض، في قبول مضمون المستند او المحرر .

- فيما يتعلق بالشكل، فإنه وفقا لنص الفقرة الأولى من المادة الرابعة عشر من قانون الإثبات المصري فان المحرر العرفي يعتبر صادرا ممن وقعه، ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة". وعلى ذلك فإنه، ووفقا للقانون المصري يمكن أن يتم التوقيع بالإمضاء أو الختم او بصمة الأصابع.

 فلا يشترط لصحة الورقة العرفية، وإضفاء الحجية عليها، إلا توقيع من نسبت إليه، بالإمضاء أو ببصمة الختم لو بصمة الإصبع، ويكتفي المشرع بإحدى هذه الطرق، ويسوي بينها في الحكم بصحة التوقيع على الورقة العرفية ولا يجوز لصاحبه أن يتحلل من نسبة الورقة إليه إلا بالادعاء بتزويرها، باعتبار أن التوقيع ينصرف في مدلوله إلى الإمضاء أو بصمة الختم أو بصمة الإصبع، ولا يلزم أن يكون توثيق التوقيع على الورقة العرفية ببصمة خاتم لموقعها أو محررة على مطبوعات تحمل اسمه ،لكن يجوز من باب أولى أن تحمل الورقة توقيعا ببصمة الإصبع وآخر ببصمة الختم، منسوبين إلى ذات الشخص أو أن يكون التوقيع بالبصمة بالإضافة إلى الإمضاء تلبية لطلب الطرف الآخر، الذي يقصد التحفظ من الطعون التي قد توجه في المستقبل إلى صحة الإمضاء .

- والإمضاء هو الكتابة المخطوطة بيد من تصدر منه ، ويشمل الاسم کاملا او مختصرة، كما يشمل كل إشارة أو اصطلاح خطي، يختاره الشخص لنفسه، بمحض إرادته للتعبير عن صدور المحرر منه والموافقة على ما ورد في هذا المحرر والالتزام بمضمونه .

أما الختم فهو وسيلة ميكانيكية لطبع توقيع الشخص، ولا يشترط أن يكون الاسم المطبوع على الختم هو الثابت في شهادة الميلاد، بل يجوز أن يكون مختصرة، شريطة أن يكون هو الاسم الذي اعتاد الشخص أن يوقع به، كما يستوي أن يكون التوقيع بالختم خاص بشخص طبيعي، أو بشخص معنوي، على أن يكون في هذه الحالة الأخيرة مقرونة بإمضاء ممثل الشخص المعنوي او الاعتباري.

وبصمة الإصبع هي عبارة عن الأثر الذي يتركه إصبع الشخص على الورق، بعد غرسه في مداد ملون، ويتكون من نقوش وخطوط طولية وعرضية، يندر أن تتشابه لدى اثنين من البشر، ولا يقتصر الأمر على بصمة الإصبع، رغم ورودها في النص، بل إن بصمات راحة اليد ذات حجية مطلقة (أيضا) في تحقيق الشخصية، كبصمات الأصابع تماما، لأنها تستند إلى نفس الأسس العملية التي تقوم عليها بصمات الأصابع .

- وفي القانون الفرنسي نجد أن التوقيع يتخذ شكلا واحدة، هو الإمضاء الشخصي، ويجب أن يكون مكتوبا ولا يجوز أن يأتي في صورة أخرى، كشكل الصليب او رسم معين، ولا يغني عن الإمضاء استخدام الختم أو بصمة الإصبع فمثل هذه الوسائل، وإن كانت تؤدي إلى تمييز الشخص وتحديده على وجه اليقين ، إلا أن قبول الشخص للمستند ورضاءه بما ورد فيه يظل محل شك، إذ يمكن أن يكون قد تم دون علمه أو رغما عنه. غير أن القانون الفرنسي الصادر في 16 يوليو 1966، والخاص بالأوراق التجارية، قد أجاز أن يكون التوقيع باليد لو بأية وسيلة أخرى كما أنه في المعاملات التجارية، حيث يسود مبدا حرية الإثبات، يمكن التوقيع بالإمضاء أو الختم أو بصمة الأصابع .

ثلنيا : شروط التوقيع التوقيع :

يشترط في التوقيع أن يكون مطابقا، ودائما، ومباشرا.

أ:- يجب أن يكون التوقيع مطابقا:

 - المقصود بذلك أن يتم التوقيع وفقا للطريقة التي درج الشخص على استخدامها للتعبير عن موافقته على محرر معين ورضاه بمضمونه. فيجب أن يكون التوقيع دالا على شخصية صاحبه، ومميزا لهوية الموقع.

ويتحقق هذا الشرط إذا تم التوقيع عن طريق استخدام إشارات ورموز تنم عن شخصية صاحب التوقيع، كاستخدام الاسم واللقب كاملين (كما هو الحال في البلاد العربية)، أو مختصرة أو التوقيع بالحرف الأول من الاسم وباللقب كاملا( كما هو الحال لدى الغربيين)، أو باستخدام الختم أو بصمة الأصابع أو راحة اليد، كما أجاز القضاء الفرنسي التوقيع باسم الشهرة ، والتوقيع ببصمة الخاتم في المسائل التجارية ، ولكن هذا الشرط يتخلف، طبقا لأحكام القضاء، إذا استخدم الشخص في توقيعه وسيلة لا تقدم الضمانات الكافية للطرف الآخر، لأنها تقصر عن الإفصاح عن شخصية الموقع، كما لو اتخذ شكل حروف متعرجة (Zigzage) أو صليب او رسم آخر ، لوكان التوقيع بالحروف الأولى من الاسم او اللقب أو بواسطة ختم مطموس، لا يخرج عن أن يكون علامة مستديرة غير مقروءة أصلا.

ب:- أن يكون التوقيع دائما:۔

فيجب أن يتم التوقيع بوسيلة تترك آثرا متميزا، يبقى ولا يزول . ويتحقق ذلك إذا استخدم في التوقيع المداد السائل أو الجاف، كما يجب أن يكون التوقيع مقروءا ومرئيا، خاصة في حالة التوقيع بالإمضاء، فلا يكون مكتوبة بالحبر السري" الذي يحتاج إلى اتباع أساليب معينة لإظهاره، ولا يكون عبارة عن خطوط - مستقيمة أو متعرجة - لا تفصح عن شيء، أو متداخل مع محتوى المحرر.

 وقد كان المفترض عدم اعتماد التوقيعات التي لا تتوافر فيها الضمانات السابقة، لكن بعض الأحكام القضائية خرجت على تلك القواعد، وأقرت التوقيع رغم أنه غير مقروء (illisible) او تم بواسطة القلم الرصاص . وبالرغم من خطورة هذه الحالة الأخيرة، إلا أن الفقه الفرنسي يبررها بالقول إن معظم الأحكام التي أجازت التوقيع بالقلم الرصاص صدرت بخصوص الوصايا، حيث يبدي القضاء الفرنسي مرونة تقليدية بشانها، خوفا من المساس بحق الشخص في التصرف في أمواله، وتحديد مصيرها في كل لحظة، كما أن الوصية هي تصرف بإرادة منفردة، يستطيع الموصي أن يرجع فيها وقتما شاء، وهو ما يهدي إلى حد كبير من المخاوف المتعلقة بمحو وتعديل البيانات للمسطرة بالقلم الرصاص. وحتى فيما يتعلق بالعقود، فإن المخاوف من التعديل في البيانات المكتوبة بالقلم الرصاص تتضاءل أمام ما يتطلبه المشرع من كتابة العقد من نسختين اصليتين تسلم نسخة لكل طرف، كما أن باستطاعة الطرف المتضرر أن يطعن بالتزوير .

ج:- أن يكون التوقيع مباشرا :

- ويقصد بهذا الشرط أمران؛ الأول: أن يتولى الشخص بنفسه وضع التوقيع، والثاني أن يتم وضع التوقيع في ذيل الورقة العرفية.

فيجب أن يكون التوقيع صادرا ممن يراد أن يحتج به عليه، فإذا وقع الورقة باسمه شخص آخر كان كتب اسمه أو قلد توقيعه، ولو كان برضاء صاحب التوقيع، أو تفويض منه، كان التوقيع باط، وانتفت حجية المحرر، لكن يجوز التوكيل في التوقيع، إنما يجب على الوكيل أن يوقع على المحرر بإمضائه، مع ذكر صفته كوكيل. وعلى العكس إذا كان الشخص يستخدم ختما في توقيعه، فإن يستوي أن يوقع لبائع بنفسه أو يكلف شخصا اخر بالتوقيع عليه بهذا الختم، ما دام توقيع ذلك الشخص كان في حضوره وبرضاه، وفي الحالتين يكون التوقيع وكانه صادر من البائع، ومن ثم فإذا قال الحكم بن البائع وقع على العقد بختمه، فلا مخالفة في ذلك الثابت في الأوراق.

- ويجب أن يكون التوقيع موجودًا في المحرر، بحيث يكون الاثنتان كل لا يتجزأ وتكون هناك رابطة حقيقية بينهما. فوضع التوقيع على المحرر هو الذي يجعل له أثر، واشتمال المحرر على التوقيع هو الذي يمنحه قيمته القانونية، ويجعله مهيئا لأداء وظيفته في تمييز شخص الموقع، والتعبير عن رضانه بمضمون المحرر.

وإذا كان الغالب أن يوضع التوقيع في نهاية الكتابة التي تضمنها المحرر، حتى يكون منسحبة على جميع البيانات المكتوبة الواردة فيه، ويعلن عن موافقة الموقع وتسليمه بما هو ثابت فيه ، إلا أن وجود التوقيع في مكان آخر لا ينفي هذه الموافقة، وإن كان يخضع لتقدير قاضي الموضوع، فقد يتر التوقيع رغم وروده أعلى المحرر، على الطابع المالي ، وقد يقرر العكس، إذا وجد "أن

- في حالة تعدد نسخ المحرر الواحد، وعدم توقيع كل نسخة على حدة، بل وضع التوقيع على نسخة واحدة، وبالكربون على بقية النسخ، فقد قررت مكمة النقض المصرية لأنه لما كان الإمضاء بالكربون من منع ذات يد من نسبت إليه، فإن المحرر الموقع عليه بإمضاء الكربون يكون في حقيقته محررة قائما بذاته له حجيته في الإثبات - ولما كان الثابت من تقرير الخبير المنتدب في الدعوى أن التوقيع المنسوب للطاعن على المحرر المطلوب الحكم برده، لانه عبارة عن كتابة بخط يد محرره بالكربون، وكان الحكم المطعون فيه قد تعتبر هذا المحرر صورة منقولة عن أصلها، ليس لها حجية في الإثبات، فإن الحكم إذا بنى قضاءه بعدم قبول دعوى التزوير، يكون معيبا بالخطا في تطبيق القانون .

 وفي القانون الفرنسي تباينت آراء محاكم الموضوع في وضع البصمة بشكل مقلوب في الزاوية السفلى اليمني للسند فان ذلك لا يكفي لاعتبار صاحب البصمة قد أراد الالتزام بما ورد في المتن .

- وفي حالة تعدد أوراق المحرر، أو اشتماله على عدة صفحات، مكتوب بعضها في ظهر بعض، واقتصار الشخص على توقيع الورقة الأخيرة أو الصفحة الأخيرة من المحرر، فإنه يعود إلى قضاة الموضوع مهمة تحديد ما إذا كان مجموع الأوراق يشكل كلا متكاملا، بحيث ينسحب عليه التوقيع، أو ما إذا كان اجتماع هذه الأوراق قد تم بصورة عارضه. فإذا وجدت بين الأوراق المختلفة رابطة مادية وفكرية كافية، بحيث تجعل منها محررة واحدة، فلا يشترط توقيع كل ورقة منه، بل يصح توقيعه مرة واحدة في ذيل الورقة الأخير، أما إذا استخلصت المحكمة انتفاء الدليل على اتصال الورقة الأولى من ورقتي العقد بتلك الموقعة من المطعون عليهم، وقررت أن الورقة الأولى من العقد والخالية من التوقيع، لا يحتج بها على المطعون عليهم.. استنادا إلى أن الورقة العرفية إنما تستمد حجيتها في الإثبات من التوقيع وحده، فلا مخالفة القانون في هذا الخصوص، حيث اعتبرت بعض الأحكام المحرر الموقع بالكربون اصلا له حجيته الكاملة في الإثبات، لتوافر الشرط الجوهري فيه وهو التوقيع الناتج عن حركة يد صاحبه، في حين ذهب بعضها الآخر إلى أن المحرر الموقع عليه بالكربون لا يعدو في حقيقته أنه صورة منقولة عن الأصل ليست لها حجية في الإثبات، باعتبار أن التوقيع بالكربون ليس قاطعا في التعبير عن إرادة الشخص الالتزام بمضمون المحرر ، اما محكمة النقض الفرنسية فقد أيدت هذا الاتجاه الأخير، واعتبرت أن النسخة الموقعة بالكربون ليست إلا مجرد صورة عن الأصل ، لكنها لم تجردها من كل قيمة قانونية، بل قالت بإمكانية اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة، يجوز تكملته بعناصر ومؤشرات أخرى ليصير دليلا كاملا في الإثبات .

 ثالثا :التوقيع المجرد :

ليس هناك ما يمنع من أن التوقيع على المحررمقدما أو على بياض، على ان يتولى الطرف الذي سلمت له لورقة كتابة البيانات التي تم الاتفاق عليها، كما يحدث بالنسبة للشيكات حيث يتم التوقيع عليها مقدما، ويترك تحديد مقدار المبلغ للدائن. ورغم ما يشوب مثل هذا الإجراء من خطورة بالنسبة لصاحب التوقيع، إلا أنه بمجرد كتابة بيانات الورقة تصير محررا له أورة كاملة في الإثبات، ذلك أن التوقيع السابق كالتوقيع اللاحق، يقع ويلزم صاحبه، طالما صدر منه عن بينة واختيار، ولا يحصل مثل هذا الأمر إلا عند وجود الثقة التامة بين أطراف التعامل.

- وإذا دعى صاحب التوقيع أن ما كتبه من سلمت إله الورقة من بيانات، غير مطابق لما تم الاتفاق عليه، لم يجز له إثبات ذلك إلا بالكتابة ، أو ما يقوم مقامها، أو على الأقل بمبدا ثبوت الكتابة معززة بشواهد أخرى ، فإذا نجح في إثبات ادعائه، عد الدائن مرتكبا لجريمة خيانة الأمانة ، بيد أن هذا الأمر يغدو غير ذي أثر قبل الغير حسن النية الذي تعامل معه الدائن، إذ بوسعه الاحتجاج بالمحرر على من وقعه على بياض، ولا يكون لهذا الأخير سوي الرجوع على من باشر كتابة بيانات مخالفة لما اتفق عليه بينهما.

أما إذا كان من كتب بيانات الورقة الموقعة على بياض قد حصل عليها بطريق غير مشروع، أو تحايل واختلس التوقيع على بياض، فإنه يجوز لصاحب التوقيع إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات، واعتبر كاتب البيانات مرتكبا جريمة التزوير، ويقع التوقيع باطلا، وينسحب البطلان على الورقة بكامل بياناتها، ولم يكن بوسع الغير الاحتجاج بها قبل صاحب التوقيع.

وفي هذا الشان قضت محكمة النقض المصرية بما ياتي :

1- ق ان، الأصل في الأوراق الموقعة على بياض، أن تغيير الحقيقة ممن استولى عليها هو نوع من خيانة الأمانة، ومن ثم فإنه يرجع في إثباته إلى القواعد العامة التي من مقتضاها انه لا يجوز إثبات عكس ما هو ثابت في الورقة الموقعة على بياض، إلا أن تكون هناك كتابة لو مبدا ثبوت بالكتابة، إلا أنه يخرج عن هذا الأصل - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - حالة ما إذا كان من استولى على الورقة، قد حصل عليها خلسة أو نتيجة عش او طرق احتيالية أو لية طريقة أخرى، عدا التعليم الاختياري، فعندئذ يعتبر تغيير الحقيقة تزويرا يجوز إثباته بكافة طرق .( نقض مدني، 30 أبريل 1986، طعن رقم 856 س 52 وأنظر كذلك،، نقض مدني، 2 فبراير 1966، المجموعة س17 ص 212).

2- الأصل في الأوراق الموقعة على بياض، أن تغيير الحقيقة فيها ممن استؤمن عليها، هو نبع من خيانة الأمانة، ومن ثم فإنه يرجع في إثباته إلى القواعد العامة، ومن مقتضها أنه لا يجوز إثبات عكس ما هو ثابت في الورقة الموقعة على بياض بغير الكتابة، متى كان من وقعها قد سلمها اختيارا، إذ أن القانون يعتبر ملء الورقة في هذه الالة بغير المتفق عليه بمثابة خيانة الأمانة .( نقض مدني، أول مارس 1967، المجموعة س 18 ص665).

3- إذا كان الحكم المطعون فيه، قد انتهى في فهم الواقع من أصل الورقة التي حرر عليها عقد البيع موضوع الدعوى، إلى أنها سلمت من مورث المطعون ضدهم إلى زوج الطاعنة، باعتباره وكيلا عنه في اعماله القضائية، وقد صدرت هذه الورقة بعبارة " طلب ساد" ثم ترك تحت : هذه العبارة فراغ لملئه بالبيانات اللازمة للطلب، ووقع المورث هذا الفراغ، ثم حصلت الطاعنة على هذه الورقة، ونزعت الجزء المشتمل على العنوان، ومكت فراغ الورقة بشروط عقد البيع مثار النزاع، فإن التكييف الصحيح لهذه الورقة - كما حصلتها المحكمة - هو أنه تزوير - إذا أن العنوان الذي كان مكتوبة بصدر الورقة للدلالة على طلب السماد، ثم تغيير الحقيقة بالحنف، وقد صاحب هذا الحنف إنشاء العقد المزور، الذي كتب فوق الإمضاء، فاصبح الفعلان تزويرا اجتمع فيه طريقتان من طرق التزوير المادي (......)، أحدهما حذف بيان من المحرر، وثانيهما اصطناع عقد البيع، ومن ثم فإن محكمة الموضوع، إذا اجازت إثبات هذه الواقعة بكافة الطرق، لم تخالف القانون" (نقض مدني، 3 يونية 1965، المجموعة س16 ص678 ).

4- " متى كان الحكم المطعون فيه قد انتهى، من أقوال الشهود التي اعتمد عليها في قضائه، إلى أن المطعون ضده لم يسلم الورقة التي وقعها على بياض باختياره إلى الطاعن، وإنما سلمها إلى موظف إدارة التجنيد، ليحرر عليها طلب بإعفائه من الخدمة العسكرية، وأن الطاعن حصل عليها بطريقة ما، وأثبت فيها الإقرار المدعى بتزويره، فإن الواقعة على هذه الصور تعتبر تزويرا طبقا للفقرة الاخيرة من المادة 340 عقوبات حيث لا تشترط لاعتبار الواقعة تزويرا ان يكون الحصول على الورقة الموقعة على بياض بطريق الاحتيال ، وانما يكفي ان يحصل عليها المتمسك بها بأية طريقة كانت. (نقض مدني، اول يونية 1966، المجموعة س 17 ص 1399). (التوقيع اللالكتروني ماهيته ومخاطره وكيفية مواجهتها ومدى حجيته في الإثبات، د. ثروت عبد المحيد ، دار الجامعة الجديدة الاسكندرية ٢٠٠٧، صـ٢٢)، والله اعلم.