الإختصاص المكاني للمحاكم التجارية
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء.
نصت المادة (٩٥) من قانون المرافعات اليمني على انه: (في المواد التجارية يكون الإختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه او للمحكمة التي تم الإتفاق او نفذ كله او بعضه في دائرتها او للمحكمة التي ينص الإتفاق على التنفيذ في دائرتها).
فقد ورد ضمن النص القانوني السابق محددات الاختصاص المكاني للمحاكم في المواد التجارية ومن ضمن هذه المحددات المكان الذي وقع فيه إبرام الاتفاق او العقد محل الخلاف وكذلك المكان الذي تم فيه تنفيذ الإتفاق كله او بعضه بالإضافة الى المكان الذي تم الإتفاق على ان يتم تنفيذ الإتفاق فيه، فاذا ثبت ان الخصوم قد تعاقدوا او اتفقوا في مكان معين وبعد ذلك اختلفوا بشان هذا العقد فان المحكمة المختصة بنظر هذا الخلاف هي المحكمة التي يقع ضمن نطاق دائرة إختصاصها المكاني ذلك المكان الذي تم التعاقد فيه وكذلك الحال إذا تم تنفيذ العقد ضمن الاختصاص المكاني، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٧/٢/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٣٩٠٩) ، فقد ورد ضمن اسباب هذا الحكم : (فالمحكمة المختصة بنظر النزاع هي المحكمة التجارية بمدينة....، لان العقد المبرم بين الطرفين قد تم إبرامه وتنفيذه في تلك المدينة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: محددات الإختصاص المكاني في المواد التجارية وفقا للمادة (٩٥) مرافعات:
المقصود بالإختصاص المكاني للمحكمة: هو سلطة المحكمة في الفصل في الدعاوى بحسب المكان ، فالاختصاص المكاني او المحلي يعني توزيع الإختصاص بنظر الدعاوى توزيعا جغرافيا بين المحاكم التي تنتمي الى صنف واحد ودرجة واحدة.
وفي هذا المعنى نصت المادة (٩٥) من قانون المرافعات اليمني على انه: ( في المواد التجارية يكون الإختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه او للمحكمة التي تم الإتفاق او نفذ كله او بعضه في دائرتها او للمحكمة التي ينص الإتفاق على التنفيذ في دائرتها).
ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر انه قد تضمن محددات الإختصاص المكاني للمحكمة بالنسبة للدعاوي التجارية ، كما ياتي :
اولا: موطن المدعى عليه :
فالقاعدة العامة في الإختصاص المكاني بصفة عامة هو إختصاص محكمة موطن المدعى عليه اي ان الإختصاص ينعقد للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه ، فالاصل أن المدعي يسعى في مطالبة المدعى عليه الى اقرب المحاكم الى موطن المدعى عليه لإقتضاء حقه من المدعى عليه ، وحتى لايتعنت المدعي فيرفع دعواه في مكان بعيد عن موطن المدعى عليه.
وبشان موطن المدعى عليه فقد عرفت المادة (٣٢) مرافعات الموطن بانه: ( الموطن هو المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة ويباشر فيه اعمال الحياة العادية ويستوفي ماله ويؤدي ما عليه ، ويكون المكان الذي يباشر فيه الشخص تجارة او حرفة او مهنة او وظيفة موطنا له لإدارة هذه الإعمال).
الأصل في الإختصاص المكاني في الدعاوى كافة أن يقوم المدعي برفع دعواه أمام المحكمة التي يقع ضمن نطاق إختصاصها المكاني موطن المدعى عليه، وفي هذا المعنى نصت المادة (92) مرافعات على أن: (يكون الإختصاص بحسب المكان للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن الخصم المدعى عليه أو محل إقامته المؤقتة مالم ينص القانون على خلاف ذلك ، وإذا تعدد الخصوم المدعى عليهم كان الإختصاص للمحكمة التي يختارها المدعي ويقع في دائرتها الموطن الأصلي لأيٍ منهم ويطلب الآخرون إليها).
ومن المعلوم أن جعل رفع الدعوى في محكمة موطن المدعى عليه هو الأصل في التداعي بصفة عامة يستند إلى إعتبارات عملية وعدلية عدة من اهمها سهولة مواجهة المدعى عليه بالدعوى المرفوعة وادلتها ، وسهولة إحضاره ومثوله أمام المحكمة ، وسرعة معرفة حقيقة النزاع وسرعة الفصل في القضية ، وسهولة إقتضاء الحق من المدعى عليه والتنفيذ عليه.
وهذا الأصل مقرر في كل قوانين المرافعات العربية تقريبا، كما ان هذا الأصل مقرر في جميع الدعاوى مهما اختلفت أنواعها.
ثانيا :المكان الذي تم الإتفاق فيه:
فاذا تم الإتفاق او العقد التجاري في مكان معين فان المحكمة المختصة بنظر الخلاف الذي يقع بشان تفسير او تطبيق هذا العقد او تنفيذه يكون منعقدا للمحكمة التي يقع ضمن دائرة إختصاصها المكاني ذلك المكان الذي تم التعاقد فيه.
ومن خلال إستقراء نص المادة (٩٥) مرافعات السابق ذكرها يظهر انه قد تضمن عبارة: (للمحكمة التي تم الإتفاق )، ومعنى تمام الاتفاق هو إبرام الاتفاق بصفة نهائية عن طريق تمام الايجاب والقبول والتوقيع على العقد من قبل المتعاقدين ، وبناء على ذلك فان مكان المفاوضات او الأعمال التحضيرية السابقة للعقد او الاتفاق لاتكون معتبرة، لان النص صرح بالقول (تم الاتفاق).
والمقصود بالاتفاق في النص القانوني السابق هو العقد، فالفقهاء يفرقوا بين الإتفاق والعقد،ظ فالإتفاق عندهم مرحلة سابقة لإبرام العقد ، اما المقنن اليمني فانه لايعتني بإستعمال المصطلحات القانونية، وما يعنيننا هنا هو القول ان المقصود بالاتفاق في النص السابق هو العقد.
ثالثا: مكان تنفيذ العقد كله او بعضه :
فإذا تم تنفيذ العقد او الإتفاق في مكان معين فان المحكمة التي يقع ضمن دائرة إختصاصها ذلك المكان تكون هي المختصة بنظر اي خلاف قد يقع بشان ذلك العقد حتى لوكان ابرامه قد تم في مكان آخر لايخضع للإختصاص المكاني للمحكمة.
وطالما ان تنفيذ العقد قد تم في نطاق إختصاص المحكمة فانها تكون مختصة بنظر النزاع بشانه بغض النظر عن نسبة تنفيذ العقد اي سواء تم تنفيذه كله او بعضه او بنود قليلة من العقد.
رابعا: المحكمة التي نص الإتفاق او العقد على تنفيذ العقد في دائرة إختصاصها:
فاذا ورد في العقد او الاتفاق بند ينص على ان يتم تنفيذ العقد في مكان معين ، فان المحكمة التي يقع ضمن إختصاصها المكاني ذلك المكان تكون مختصة بنظر النزاع بشان ذلك العقد حتى لو لم يتم تنفيذ العقد بالفعل.
الوجه الثاني: إختيار المحكمة المختصة مقرر للمدعي:
تضمنت المادة (٩٥) مرافعات السابق ذكرها انواع او محددات الإختصاص المكاني في المواد التجارية السابق ذكرها في الوجه السابق ، ومع ان القاعدة العامة ان يكون الإختصاص لمحكمة موطن المدعي على النحو السابق بيانه إلا أنه من المقرر ان للمدعي ان يختار رفع دعواه ضد المدعى عليه في اي محكمة من المحاكم المحددة في المادة (٩٥) مرافعات السابق ذكرها، فلايكون المدعي مقيدا في رفع دعواه امام محكمة بعينها من تلك المحاكم.
فقد نصت المادة (95) من قانون المرافعات اليمني على أنه: (في المواد التجارية يكون الإختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه أو للمحكمة التي تم الإتفاق أو تنفيذه كله أو بعضه في دائرتها أو للمحكمة التي ينص الإتفاق على التنفيذ في دائرتها).
ومن خلال سياق النص القانوني السابق يظهر أن المدعي مخير بين الاربع المحاكم فهذا الحق مقرر لمصلحة المدعي، فله وحده الحق في اختيار المحكمة التي يرفع دعواه امامها، وبما ان للمدعي الحق في اختيار المحكمة التي يرفع دعواه أمامها، فأنه لا يحق للمدعى عليه أن يدفع دعواه بذريعة أنه كان يجب على المدعي أن يرفع دعواه في أي من المحاكم الاخرى المذكورة في النص ، فالمدعي هو الذي يقرر المحكمة المناسبة لرفع دعواه أمامها حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
ومن مبررات منح المدعي حق اختيار المحكمة التي يرفع دعواه امامها على النحو السابق: أن عماد النشاط التجاري السرعة والثقة والإئتمان، ومن مقتضيات ذلك تمكين المدعي في القضايا التجارية من سرعة إقتضاء الحقوق التجارية والمحافظة عليها وسد المنافذ والذرائع على المتلاعبين بها، لتعلق النشاط التجاري بمصالح الأمة بأسرها.
ولذلك فإن القانون قد اجاز للمدعي في المواد التجارية أن يرفع دعواه امام أيٍ من المحاكم المحددة في المادة (95) مرافعات بحسب تقدير المدعي وبحسب ما يراه اصلح واسرع في إقتضاء حقه من المدعى عليه. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الإختصاص، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٧٨).
الوجه الثالث: المقصود بالمواد التجارية في المادة (٩٥) مرافعات:
نصت المادة (٩٥) من قانون المرافعات اليمني على انه: ( في المواد التجارية يكون الإختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه او للمحكمة التي تم الإتفاق او نفذ كله او بعضه في دائرتها او للمحكمة التي ينص الإتفاق على التنفيذ في دائرتها).
والمقصود بالمواد التجارية الواردة في النص السابق هي كافة الانشطة والاعمال والمعاملات التي يهدف منها القائم بها تحقيق الربح ، وتشمل شراء السلع لبيعها او تاجيرها بالاضافة الى اعمال البنوك واعمال الصرافة واعمال الوكالة بالعمولة والصناعة والاستيراد والتصدير..الخ التفصيل الوارد في القانون التجاري الذي حدد الاعمال التجارية، وقد لخصها القانون التجاري اليمني في المواد (٨و٩و١٠و١١و١٢و١٣و١٤)
الوجه الرابع: إختصاص المحاكم التجارية اليمنية وفقا لقرار انشائها:
وبشان تحديد إختصاص المحاكم التجارية في اليمن فقد صدرالقرار الجمهوري رقم (19) لسنة 2003م بشان المحاكم التجارية، وقد نصت المادة (1) من هذا القرار على ان: ( تنشا في كل من امانة العاصمة وعواصم محافظات (عدن، الحديدة، حضرموت، تعز) محاكم ابتدائية تجارية بواقع محكمة واحدة او اكثر من محكمة وفقا للحاجة وتيسيرا لسرعة البت في القضايا وذلك للنظر والفصل في الدعاوى والمنازعات التجارية).
ونصت المادة (2) على ان : ( تتالف هيئة الحكم في كل محكمة من المحاكم المذكورة في المادة (1) من هذا القرار من قاضي فرد).
أما المادة (3) من القرار فقد تناولت إختصاص المحاكم التجارية النوعي، فقد نصت هذه المادة على ان :-ا- تختص المحاكم التجارية بالنظر في الدعاوى والمنازعات ذات الطابع التجاري وفقا للقانون التجاري والقوانين الاخرى ذات الصلة.
ب- يبقى الاختصاص الوارد في الفقرة السابقة من هذه المادة منعقدا للمحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة في عواصم المحافظات والمديريات التي لا يوجد فيها محاكم تجارية عدا قضايا الافلاس والبنوك والعلامات والاسماء التجارية والقضايا التي تتعلق بالشركات الاجنبية او التي يكون احد اطرافها عنصر اجنبيا).
ونصت المادة (4)على ان: ( تنشا في محكمة استئناف امانة العاصمة وفي محاكم استئناف المحافظات المذكورة في المادة(1) من هذا القرار شعبة تجارية او اكثر تختص دون غيرها بنظر الاحكام والقرارات الصادرة من المحاكم الابتدائية التجارية التي يطعن فيها بالاستئناف وتتالف هيئة الحكم في كل شعبة من ثلاثة قضاة).
ونصت المادة (5) على ان : (تتولى الدائرة التجارية بالمحكمة العليا الفصل في الطعون على الاحكام والقرارات الصادرة في القضايا التجارية التي يطعن فيها بالنقض، ويجوز تشكيل اكثر من هيئة حكم في اطار الدائرة).
ونصت المادة (6) على ان: (يعين قضاة المحاكم الابتدائية التجارية والشعب الاستئنافية التجارية والدائرة التجارية بالمحكمة العليا طبقا للنصوص الواردة في قانون السلطة القضائية).
كما نصت المادة(7) على انه: ( بالاضافة الى الشروط الواردة في المادة(57) من قانون السلطة القضائية يشترط فيمن يعين قاضيا في المحاكم التجارية ان يكون من ذوي الخبرة في القضاء التجاري والقوانين ذات الصلة بالانشطة التجارية المختلفة وعلى ان تعطى الاولوية للمتخصصين من اساتذة القانون التجاري في الجامعات اليمنية ومن المحامين ذوي الخبرة في الترافع امام المحاكم التجارية).
وحددت المادة(8) من القرار المشار اليه نطاق الاختصاص المكاني للمحاكم التجارية فقد نصت المادة (8) على ان: (ا. يتحدد نطاق اختصاص المحاكم التجارية المنصوص عليها في المادة (1) من هذا القرار على النحو الاتي:-
المحكمة التجارية بامانة العاصمة وتشمل دائرة اختصاصها امانة العاصمة.
المحاكم التجارية بمحافظات عدن ، تعز ،حضرموت، الحديدة وتشمل دائرة اختصاص كل منها المحافظة المنشاة فيها.
(ب): فيما يتعلق بقضايا الافلاس والبنوك والعلامات والاسماء التجارية والقضايا المتعلقة بالشركات الاجنبية او التي يكون احد اطرافها عنصرا اجنبيا يكون اختصاص المحاكم التجارية المشار اليها في الفقرة السابقة من هذه المادة على النحو التالي:
1- المحكمة التجارية بامانة العاصمة وتشمل دائرة اختصاصها امانة العاصمة ومحافظات صنعاء وعمران وصعدة وذمار والبيضاء ومارب والجوف.
2- المحكمة التجارية بعدن وتشمل دائرة اختصاصها محافظات عدن ولحج وابين.
3- المحكمة التجارية بتعز وتشمل دائرة اختصاصها محافظات تعز واب والضالع.
4- المحكمة التجارية بحضرموت وتشمل دائرة اختصاصها محافظات حضرموت وشبوه والمهرة.
5- المحكمة التجارية بالحديدة وتشمل دائرة اختصاصها محافظات الحديدة وحجة والمحويت.
ونصت المادة (9) على ان: (يكون للمحاكم الابتدائية التجارية والشعب الاستئنافية التجارية مخصصات مالية مستقلة بما يفي بحاجاتها ضمن ميزانية المحاكم في اطار الموازنة العامة للسلطة القضائية ويتولى رؤساء الشعب الاستئنافية التجارية الاشراف الاداري والمالي على المحاكة الابتدائية التجارية).
وفي عام ٢٠٢٥م صدر قرار مجلس القضاء الاعلى الذي قضي بان منازعات إيجار العقارات تخضع للمحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة ، فلم يعد القضاء التجاري مختصا بنظر منازعات ايجار العقارات ولو كانت متصلة بالعمل التجاري. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الإختصاص، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٧٩)، والله اعلم.
