التوكيل بالخصومة من الورثة لأحدهم
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء.
الورثة هم الأشخاص الذين يستحقون التركة أو نصيبا منها بسبب القرابة أو الزوجية حسب التعريف الوارد في المادة (٢٩٩) من قانون الاحوال الشخصية اليمني.
اما تعريف التوكيل بالخصومة فهو عقد فيما الورثة (الاصيل او الموكل) وبين احد الورثة (الوكيل) يقوم الوكيل بموجب هذا التوكيل بتمثيل الورثة في الخصومة والمرافعة والمدافعة عنهم والتوقيع نيابة عنهم في المذكرات القضائية المختلفة والحضور نيابة عنهم وتمثيلهم امام المحاكم والنيابات والجهات المختصة بشان الخصومة.
وبما ان التوكيل بالخصومة عقد فانه يخضع لسلطان الإرادة والرضاء بين طرفيه، إذ يحق لهما تحديد نطاق وحدود الاعمال التي يباشرها الوكيل في الخصومة بما لا يخالف احكام التوكيل بالخصومة المقررة في قانون المرافعات وقانون المحاماة اليمني .
ولما كان التوكيل بالخصومة عقدا رضائيا فانه يكون ملزما لطرفيه ، وبناء على ذلك إذا قام وكيل الورثة بالتوقيع على اية مذكرة او عقد تنفيذا للتوكيل الصادر له وفي حدود هذا التوكيل فان توقيع الوكيل ملزم للورثة الذين وكلوه ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٦/١/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٣٩٠٨)، فقد ورد ضمن اسباب هذا الحكم: (فالوكالة الممنوحة من كافة الورثة للوارث..... في تمثيل الورثة في الخصومة القائمة فيما بين الورثة وبين خصمهم المستاجر .....، فهذه الوكالة حسبما ورد فيها تخول الوكيل بان يقوم نيابة عن الورثة بالتوقيع على اية وثيقة او إتفاق او عقد او سند او ماشابه ذلك فيما يتعلق بالمحل التجاري المؤجر لخصم الورثة، وان توقيع الوكيل يعد توقيعا للورثة ، حسبما ورد في الوكالة ، وبالنظر لما قام به الوكيل نجد ان توقيعه على عقد الصلح مع المستاجر بشان ماقام به من إصلاحات في العين على اساس ان إتنفاع المستاجر بالمحل يكون مقابل تلك الإصلاحات، ولذلك فان هذا الصلح ملزم للورثة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: تعريف التوكيل بالخصومة من الورثة لأحدهم:
التوكيل بالخصومة: عقد فيما الورثة (الأصيل الموكل) وبين احد الورثة (الوكيل) يقوم هذا الوكيل بموجب التوكيل بتمثيل الورثة في الخصومة القائمة فيما الورثة وخصمهم ،ويقوم الوكيل بالمرافعة والمدافعة وتقديم المذكرات القضائية والتوقيع عليها نيابة عن الورثة ، ويقوم الوكيل بالحضور نيابة عنهم وتمثيلهم امام المحاكم والنيابات والجهات المختصة بشان الخصومة محل الوكالة.
وقد يصدر التوكيل بالخصومة من جميع الورثة او من بعضهم، وفي كل الأحوال يكون الوارث الوكيل أصيلا عن نفسه وكيلا عن غيره من الورثة الذين قاموا بتوكيله.
ولما كان التوكيل بالخصومة عقد فانه يجب ان تتحقق فيه كافة اركان وشروط العقد المقررة بصفة عامة في القانون المدني اليمني، فيجب ان يكون هناك إيجاب من الورثة وقبول من وكيلهم الوارث، ويجب ان يكون الإيجاب والقبول متطابقين ونافذين وصريحين ، ويجب ان يكون طرفا التوكيل بالخصومة اهلين للتعاقد وذلك بان يكونا بالغين عاقلين راشدين ، فلايصح ان يصدر التوكيل من قاصر او لقاصر، ويجب ايضا ان يكون محل التوكيل عملا مشروعا، فلايصح ان يكون محل التوكيل تقديم الرشوة الى الغير او تلقين الشهود او إخفاء الحقائق او التقاضي الكيدي.
وضمن محل التوكيل بالخصومة فانه يجب ان يتضمن التوكيل تحديد الأعمال التي يقوم بها الوكيل لحساب موكله بموجب عقد التوكيل ، وتبعا لذلك لايجوز للوكيل أن يباشر اي عمل لم يرد ذكره في التوكيل الصادر له
واذا تحققت كافة اركان وشروط عقد التوكيل بالخصومة فان هذا العقد يكون ملزما لاطرافه عملا بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين.
الوجه الثاني: التنظيم القانوني للتوكيل بالخصومة:
لاريب ان التوكيل بالخصومة عقد تسري عليه احكام عقد الوكالة المقررة في القانون المدني حسبما سبق بيانه، بيد ان التوكيل بالخصومة له طابع خاص ، إذ انه يتصل بمصلحة عامة وهي تحقيق العدالة بإعتبار العدل اساس الحكم.
ومن هذا المنطلق فان القانون قد تدخل في تنظيم التوكيل بالخصومة ، فقد وردت احكام التوكيل بالخصومة في كل من القانون المدني وقانون المرافعات وقانون المحاماة.
فقد نصت المادة (٩١٤) مدني على انه: ( يجوز التوكيل بالخصومة ولو بدون رضاء الخصم ، ولايصح للوكيل بالخصومة الصلح والتوكيل إلا بإذن صريح من من موكله).
وكذا نظم قانون المرافعات التوكيل بالخصومة في المواد من (١١٧)حتى نهاية المادة (١٢٥) .
كما حدد قانون المحاماة مهام وواجبات وحقوق وشروط الوكيل بالخصومة.
وبناء على ذلك لايجوز لاطراف عقد التوكيل بالخصومة مخالفة النصوص القانونية المنظمة للتوكيل بالخصومة، كما انه يجب على طرفي عقد التوكيل بالخصومة تنفيذ هذه الاحكام القانونية المنظمة للتوكيل بالخصومة.
الوجه الثالث: جواز التوكيل بالخصومة من الورثة لأحدهم:
عرفت المادة (٢٩٩) من قانون الاحوال الشخصية اليمني عرفت الورثة بانهم: الاشخاص الذين يستحقون التركة او نصيبا منها بسبب القرابة او الزوجية .
وقد اجاز قانون المرافعات اليمني التوكيل بالخصومة للأقارب والأزواج، ، فقد نصت المادة (117) من قانون المرافعات اليمني على أنه : (مع مراعاة ما ينص عليه قانون المحاماة والمادة (125) من هذا القانون يقبل وكيلاً عن الخصم المحامون والأزواج والأقارب والأصهار إلى الدرجة الرابعة وتثبت الوكالة بصك رسمي معتمد أو بإقرار الموكل أمام المحكمة إذا كان حاضراً ويثبت ذلك في محضر الجلسة) ، وقد أشار هذا النص إلى المادة (125) مرافعات التي حددت الأشخاص الذين لا يجوز توكيلهم في الخصومة، فقد نصت المادة (125) مرافعات على أنه (لا يجوز لأحد القضاة أو مساعديهم أو النائب العام أو أي عضو من أعضاء النيابة العامة أو رجـال الجيش أو الأمن أو لأحد العاملين بالمحاكم أو وزارة العدل أن يكون وكيلاً أو منصوباً عن الخصوم في الحضور أو المرافعة في الدعوى مشافهةً أو بالكتابة أو بالإفتاء أمام أية محكمة كانت ، إلا أن يكون ذلك عمَن لهم الولاية أو الوصاية عليهم شرعاً وقانوناً أو زوجاتهم أو أصولهم أو فروعهم وكل عمل يتم على خلاف ذلك يكون باطلاً فضلاً عن المساءلة التأديبية).
وقد حددت للمادة (42) من القانون المدني اليمني درجات القرابة ، وهي: الدرجة الأولى: وتشمل الأب والأم والأبن والبنت، الدرجة الثانية: وتشمل الجد والجدة والأخ والأخت وابن الأبن وبنت الأبن وأبن البنت وبنت البنت، الدرجة الثالثة: وتشمل العم والعمة والخال والخالة وأبن الأخ وابنة الأخت، الدرجة الرابعة: وتشمل أبناء وبنات العم وأبناء وبنات الخال والخالة.
وبشان التوكيل بالخصومة للأقارب فقد نصت المادة (39) من قانون المحاماة على أنه (لا يجوز للمحاكم على إختلاف درجاتها والنيابة العامة والجهات الرسمية والإدارية المختلفة قبول وكالة أي شخص غير حائز على ترخيص مزاولة المهنة صادر طبقاً لأحكام هذا القانون ويجوز للمتقاضين أنفسهم في غير القضايا المنظورة أمام المحكمة العليا أن ينيبوا عنهم في المرافعة أزواجهم وأصهارهم وذوي قرابتهم حتى الدرجة الرابعة).
وكذا نصت المادة (50) محاماة على أنه (يحق للمحامين العاملين المرخص لهم دون غيرهم ممارسة مهنة المحاماة وأي عمل من أعمالها ولهم وحدهم حق الحضور عن ذوي الشأن أمام المحاكم والنيابة العامة ودوائر الشرطة والتحقيق واللجان والهيئات ذات الإختصاص القضائي).
ومن خلال إستقراء النصوص القانونية السابقة يظهر انها قد اجازت للورثة ان يقوموا بالتوكيل بالخصومة لأحدهم ، لان الورثة يندرجوا ضمن الأقارب والأزواج والأصهار .
كما اشترطت المادة (١١٧) مرافعات السابق ذكرها اشترطت أن يكون توكيل الورثة في الخصومة لأحدهم ثابتا في وثيقة رسمية، ومعنى ذلك أنه يتم إنشاء وثيقة التوكيل أوتوثيقها من قبل قلم التوثيق أو القنصلية اليمنية خارج اليمن، لأن قانون التوثيق قد صرح بأن المحررات التي يتم إنشاؤها أو توثيقها في أقلام التوثيق تكون محررات رسمية وفقاً لقانون الإثبات ، لأن الموثقين موظفون عموميون مختصون بتحرير هذه المحررات وتوثيقها، بخلاف المحررات الصادرة عن الأمين الشرعي فأنها لم تعد محررات رسمية بموجب تعديل قانون التوثيق عام 2010م الذي حذف عن الأمين الشرعي وصف (المكلف بخدمة عامة)، فلا تكون المحررات التي يحررها الامين الشرعي رسمية إلا بعد توثيقها في قلم التوثيق.
ومع ذلك فانه يجوز ان يصدر التوكيل من الورثة لأحدهم شفاهة عن طريق حضورهم امام المحكمة التي تنظر الخصومة وإقرارهم امامها بانهم قد قاموا بتوكيل احدهم.
الوجه الرابع: حكم الصلح الذي يبرمه وكيل الورثة في الخصومة:
نصت المادة (٩١٤) مدني على انه: (يجوز التوكيل بالخصومة ولو بدون رضاء الخصم ، ولايصح للوكيل بالخصومة الصلح والتوكيل الا بإذن صريح من موكله).
كما نصت المادة (١٢٠) مرافعات على انه: (لا يصح لغير الوكيل المفوض بتفويض خاص الإقرار بالحق المدعى به او التنازل عنه او الصلح او التحكيم فيه أو قبول اليمين او توجيهها او ردها او التنازل عن الخصومة او عن الحكم او عن الطعن او عن التامينات مع بقاء الدين او الإدعاء بالتزوير او رد القاضي من نظر الدعوى او مخاصمته او رد العدول او الخبير او اداء الحق المدعى به او عرضه على الخصم عرضا فعليا او قبول الأداء او العرض من الخصم او اي تصرف اخر ينص في القانون على وجوب توكيل خاص).
فقد تضمن النص السابق الأعمال التي لايجوز للوكيل بالخصومة القيام بها إلا بتوكيل خاص، ومن هذه الأعمال الصلح الذي كان محل النقاش في الحكم محل تعليقنا.
ومع ان النص القانوني السابق قد اشترط صراحة التوكيل الخاص لقيام الوكيل بالخصومة بالأعمال المحددة في النص، غير ان النص لم يحدد صيغة التوكيل الخاص ومكانه ، بيد انه يجب ان يصرح الورثة او الموكل بالتوكيل الخاص بانه: يجوز للوكيل القيام بذلك العمل سواء وردت صيغة التوكيل الخاص ضمن وثيقة التوكيل بالخصومة او في وثيقة مستقلة ، فالعبرة بالتصريح للوكيل القيام بالعمل.
الوجه الخامس: حجية توقيع الوكيل بالخصومة عن الورثة:
التوقيع او الامضاء هو عبارة عن علامة يضعها الشخص على المحرر للتاكيد على قبوله او موافقته على ما ورد في المحرر.
وبناء على ذلك فان قيام الوكيل بالخصومة بالتوقيع على المحررات نيابة عن الورثة الموكلين له يكون ملزما للورثة طالما ان ما ورد في المحرر الذي قام الوكيل بالتوقيع عليه يندرج ضمن اعمال الوكالة الصادرة له من الورثة ، ويندرج ضمن الأعمال التي يجوز له القيام بها وفقا لاحكام التوكيل بالخصومة المقررة في قانون المرافعات ، لأن الوكيل بالخصومة يقوم بعمله نيابة عن الورثة الموكلين له ، فعمل الوكيل ينصرف اثره الى الورثة الموكلين له.
وقد كانت هذه المسالة محل نقاش في الحكم محل تعليقنا.
الوجه السادس: جواز التوكيل بالخصومة لأحد الورثة ولو لم يكن محاميا:
سبق ان ذكرنا ان الورثة يندرجوا ضمن الأقارب الذين يجوزلهم توكيل احدهم في الخصومة وفقاً للمادة (117) مرافعات والمادة (39) محاماة السابق ذكرهما، إضافة إلى أن المادة (125) مرافعات السابق ذكرها في الوجه الأول.
وعلى هذا الاساس فانه يجوز التوكيل بالخصومة لاحد الورثة ولو لم يكن محاميا ، وبناء على ذلك يجوز لهذا الوكيل القيام بكافة اعمال الوكالة بالخصومة نيابة عن الورثة بما في ذلك الترافع امام المحكمة التي تنظر الخصومة.
الوجه السابع: التوكيل بالخصومة من الورثة لأحدهم من غير المحامين إستثناء لا يتوسع فيه ولا يقاس عليه:
لاشك ان التوكيل بالخصومة من الورثة لأحدهم يعد إستثناء من الاصل وهو ان اعمال التوكيل بالخصومة مقصورة على المحامين اصحاب الخبرة والاختصاص.
ولاشك ايضا ان للنصوص القانونية علل وحكم ، مثلها في ذلك مثل النصوص الشرعية ، وتظهر علل و حكم النصوص القانونية عن طريق الوقوف على الأعمال التحضيرية للنصوص القانونية قبل إقرارها بصيغتها الواردة في القانون.
وقد كان وراء النصوص القانونية التي حصرت حق التوكيل في الخصومة في المحامين كان وراء ذلك نضال مرير خاضه المحامون في اليمن في مواجهة طائفة (وكلاء الشريعة) ، وهي طائفة لم يتخرج أفرادها من كليات الشريعة والقانون أو الحقوق وإنما اكتسبوا مهاراتهم في الترافع عن طريق الممارسة العملية.
ورغم أن مهنة وكلاء الشريعة كانت الأصل التاريخي لمهنة المحاماة في اليمن، إلا أن وكلاء الشريعة كانوا عرضة للنقد في مراحل التاريخ اليمني المختلفة فقد قال ابن الأمير الصنعاني اليمني محذراً القاضي المحبشي حين توليه القضاء: قال ابن الأمير يحذر القاضي المحبشي من تغرير وكلاء الشريعة:
وأحذر وكيلاً يريك الحق باطله ... يزفه بين تنميق وتحسين.
وقال آخر عن وكلاء الشريعة:
ما وكلاء الحكم إن خاصموا .. إلا شياطين أولوا باس
قوم غدا شرهم فاضلاً .. عنهم فباعوه على الناس
وللأسف لازال هذا الموورث الرديء حاضراً في أذهان بعض المحامين الذين يتعمدوا التغرير والتضليل ، وهذه المسألة من أسباب الفجوة القائمة في اليمن بين المحامي والقاضي.
وقد أراد المقنن اليمني من قصر التوكيل بالخصومة على المحامين تطوير القضاء الذي لن يكتب له النجاح إلا إذا تم تطوير مهنة المحاماة ، فمدخلات العملية القضائية تتم بواسطة المحامين، (تطور وتطوير القضاء في اليمن، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد صنعاء ٢٠١٦م، صـ82).
الوجه الثامن: التوكيل بالخصومة من الورثة لأحدهم اذا كان من القضاة وأعضاء النيابة ورجال الجيش والأمن والعاملين في المحاكم ووزارة العدل:
في هذا الشأن نصت المادة (125) من قانون المرافعات على أنه: ( لا يجوز لأحد القضاة أو مساعديهم أو النائب العام ولا أي عضو من أعضاء النيابة العامة أو رجال الجيش والأمن ولا لأحد العاملين بالمحاكم ووزارة العدل أن يكون وكيلاً أو منصوباً عن الخصوم في الحضور أو المرافعة في الدعاوى مشافهة أو بالكتابة أو بالإفتاء أمام أية محكمة كانت إلا أن يكون ذلك عمن لهم الولاية أو الوصاية عليهم شرعاً وقانوناً أو زوجاتهم أو أصولهم أو فروعهم ، وكل عمل يتم خلاف ذلك يكون باطلاً ، فضلاً عن المحاكمة التأديبية).
ومن خلال إستقراء النص القانوني السابق نستنتج ما يأتي:
1- جاءت صيغة النص السابق في بدايتها بكلمة (لا يجوز) التي تفيد المنع والحظر، ومقتضى ذلك أنه لا يجوز للقضاة وأعضاء النيابة ورجال الجيش والأمن والعاملين في المحاكم أو وزارة العدل لا يجوز لهم أن يكونوا وكلاء في الخصومة، وهذا هو الأصل ، والاستثناء أنه يجوز لهم أن يكونوا وكلاء عن بعض أقاربهم كما سيأتي بيانه.
2- الظاهر من سياق النص القانوني السابق أن الغاية من حظر التوكيل في الخصومة للأشخاص المذكورين في النص هو تحقيق المساواة في إجراءات التقاضي، لأن الأشخاص المذكورين في النص شخصيات لها نفوذ وسلطة وتاثير بنسب متفاوتة يخشى منها التأثير على سير إجراءات التقاضي في القضايا التي يتم توكيلهم فيها مما يخل بمبدأ المساواة الإجرائية.
3- بحسب صيغة النص القانوني السابق التي جاءت عامة فأنه لا يجوز لأي من الأشخاص المذكورين في النص ان يكونوا وكلاء في الخصومة عن غيرهم بأي وجه، طالما انهم يعملوا في وظائفهم ، وكذا يشمل الحظر الأشخاص المذكورين بكافة درجاتهم ومناصبهم وأعمالهم دون تفرقة .
4- الحظر الوارد في النص السابق يقتصر على قيام الغير بتوكيل الأشخاص المذكورين في النص أما توكيل الأشخاص المذكورين لغيرهم فهو جائز.
5- قرر النص السابق ان الأصل هو : حظر التوكيل في الخصومة للأشخاص المذكورين في النص، بيد أن النص ذاته قد قرر الاستثناء من هذا الاصل ، وهو أنه يجوز لهؤلاء الأشخاص التوكيل في الخصومة عن الأشخاص الذين لهم الولاية أو الوصاية عليهم كالقاصرين وكذا يجوز للأشخاص المذكورين في النص أن يكونوا وكلاء في الخصومة عن زوجاتهم أو ازواجهم أو أصولهم أي آبائهم وأجدادهم وفروعهم كأبنائهم وأبناء أبنائهم ، حسبما ورد في النص، لأن الوكالة في الخصومة عن هؤلاء من الواجبات الدينية والقانونية والأخلاقية التي تقع على عاتق هؤلاء الأشخاص.
6- الحظر الوارد في النص السابق عام وشامل يشمل كل أعمال الوكالة في الخصومة مثل كتابة العرائض والمذكرات للخصومة أو تقديم الإستشارات والفتاوى أو الحضور أمام المحاكم أو الجهات الإدارية المختصة للترافع أو تمثيل الخصوم.
7- صرح النص القانوني السابق ببطلان الأعمال والإجراءات التي تصدر عن الأشخاص المذكورين في النص في غير الحالات الاستثنائية التي رخص فيها النص لهؤلاء الأشخاص بالتوكيل في الخصومة.
الوجه التاسع: مدى جواز قيام وكيل الورثة بالخصومة بتوكيل غيره:
صرحت النصوص القانونية السابق ذكرها على جواز توكيل الوكيل بالخصومة لغيره - ويجب على الوكيل بالخصومة ووكيله أن يلتزم بما ورد في التوكيل الصادر له من موكله أو من الوكيل وأن يقوم بواجباته كوكيل بالخصومة المحددة في المادة (119) مرافعات، وهي القيام بالأعمال والإجراءات اللازمة لرفع الدعوى ومتابعتها والدفاع عنها وإتخاذ الإجراءات التحفظية وإبلاغ موكله بمنطوق الحكم بمجرد صدوره ، وكذا يجب على الوكيل بالخصومة التقيد بالالتزامات المقررة في ً المادة (120) مرافعات التي نصت على أنه لا يصح للوكيل بالخصومة غير المفوض بتفويض خاص الإقرار بالحق المدعى به أو التنازل عن الخصومة أو عن الحكم أو عن الطعن أو الصلح أو التحكيم أو قبول اليمين أو توجيهها أو ردها أو الإدعاء بالتزوير أو رد القاضي أو مخاصمته أو رد العدل الا بتوكيل اخر يكون خاصا بهذه المسالة.
كما لا يجوز لوكيل الورثة بالخصومة أن يقوم بتوكيل غيره إلا إذا كان الورثة قد اذنوا له بذلك في التوكيل الصادر منهم له ، كأن يتم تضمين التوكيل بالخصومة عبارة (وللوكيل بموجب هذا التوكيل أن يقوم بتوكيل المحامين والخبراء العدول...)، وفي هذا المعنى نصت المادة (١٢٢) مرافعات على أنه (يجوز للمحامي أن ينيب عنه غيره من المحامين إذا اذن له الموكل).
الوجه العاشر: معنى عبارة: (مع مراعاة ما ينص عليه قانون المحاماة) الواردة في بداية المادة (117) مرافعات:
وردت عبارة (مع مراعاة ما ينص عليه قانون المحاماة) في بداية المادة (117) مرافعات التي بينت الفئات التي يجوز توكيلها في الخصومة، ومعنى هذه العبارة ان ماورد في نص المادة (117) مرافعات لا يخل بما ورد في المادة (39) محاماة التي نصت على لا انه (لا يجوز للمحاكم على إختلاف درجاتها والنيابة العامة والجهات الرسمية والإدارية المختلفة قبول وكالة أي شخص غير حائز على ترخيص مزاولة المهنة صادر طبقاً لأحكام هذا القانون ويجوز للمتقاضين أنفسهم في غير القضايا المنظورة أمام المحكمة العليا أن ينيبوا عنهم في المرافعة أزواجهم وأصهارهم وذوي قرابتهم حتى الدرجة الرابعة).
وكذا لا يخل ماورد في المادة (117) مرافعات بما ورد في المادة (50) محاماة التي نصت على أنه (يحق للمحامين العاملين المرخص لهم دون غيرهم ممارسة مهنة المحاماة وأي عمل من أعمالها ولهم وحدهم حق الحضور عن ذوي الشأن أمام المحاكم والنيابة العامة ودوائر الشرطة والتحقيق واللجان والهيئات ذات الإختصاص القضائي).
وورود عبارة (مع مراعاة ما ينص عليه قانون المحاماة) في المادة (117) مرافعات يؤكد أن التوكيل في الخصومة مقرر ومفصل في قانون المحاماة وهو القانون االخاص الذي ينظم أعمال التوكيل بالخصومة عن طريق بيان قانون المحاماة لواجبات والتزامات وحقوق وآداب وقيم مهنة المحاماة بإعتبار المحامي هو الوكيل بالخصومة أصلاً ، فقد اكتفى قانون المرافعات ببيان الأصول العامة للتوكيل بالخصومة واحال تفاصيل أحكامها إلى قانون المحاماة والنظام الأساسي لنقابة المحامين.
الوجه الحادي عشر: الجزاء المترتب على توكيل الورثة في الخصومة لأحدهم إذا كان من القضاة او اعضاء النيابة العامة او من رجال الجيش والأمن او من العاملين بالمحاكم ووزارة العدل:
نصت المادة (125) من قانون المرافعات على أنه: (لا يجوز لأحد القضاة أو مساعديهم أو النائب العام ولا أي عضو من أعضاء النيابة العامة أو رجال الجيش والأمن ولا لأحد العاملين بالمحاكم ووزارة العدل أن يكون وكيلاً أو منصوباً عن الخصوم في الحضور أو المرافعة في الدعاوى مشافهة أو بالكتابة أو بالإفتاء أمام أية محكمة كانت إلا أن يكون ذلك عمن لهم الولاية أو الوصاية عليهم شرعاً وقانوناً أو زوجاتهم أو أصولهم أو فروعهم ، وكل عمل يتم خلاف ذلك يكون باطلاً ، فضلاً عن المحاكمة التأديبية).
فقد صرح النص القانوني السابق ببطلان الأعمال والإجراءات التي تصدر عن الأشخاص المذكورين في النص في غير الحالات الاستثنائية التي رخص فيها النص لهؤلاء الأشخاص بالتوكيل في الخصومة. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل المحاماة الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م، صـ١٣١) ، والله اعلم.
