إختيار ذرية الواقف لناظر الوقف

إختيار ذرية الواقف لناظر الوقف

ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

إختيار ذرية الواقف لناظر الوقف في القانون اليمني

في وثائق الواقف أو الوقفيات ينص الواقف في الوقفية على أن الولاية على الوقف أو النظارة على الأموال التي اوقفها تكون للأرشد من ذريته ما تناسلوا.

والارشد في ولاية الوقف هو الأكثر رشداً وعقلاً أي صلاحاً وقدرة على إدارة الأموال الموقوفة، وهو الذي تتحقق فيه شروط ناظر الوقف او المتولي للوقف المقررة في الشرع والقانون كالبلوغ والعقل والرشد والامانة والعدالة والصلاح والقدرة على إدارة أموال الوقف الوقف والمحافظة عليها.

 وعلى هذا الاساس فقد يتعدد الاشخاص من ذرية الواقف الذين تنطبق عليهم شروط الولاية على الوقف, ففي هذه الحالة يجوز لذرية الوقف اختيار الصالح منهم والقادر على ادارة الوقف ، وذلك لولاية الوقف وإدارته, ويكون هذا الاختيار ملزماً لذرية الواقف وملزماُ في الوقت ذاته للغير وللجهات المختصة كهيئة الاوقاف او وزارة الاوقاف، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 2/10/2017م في الطعن رقم (59701) ،المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه: (ان الواقف قد اسند الولاية على الاموال التي اوقفها الى ذريته الأرشد فالأرشد ومن تناسل منهم ,ولان الورثة قد اختاروا مدعى الولاية :فلان بن فلان وهو ما يوافق نص الواقف ,وعلى هذا الاساس فليس لذي الولاية العامة والحاكم إبطال الولاية او تعيين ولياُ اخراُ مادام الولي المختار مستوفياً لشروط للولاية على الوقف), وقد اقرت الشعبة الاستئنافية الشخصية الحكم الابتدائي ,وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي , وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد تبين للدائرة موافقة حكم الاستئناف لاحكام القانون لما اوضحه وعلل به واستند اليه في قضائه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: إختيار ذرية الواقف ناظر الوقف:

قد ينص الواقف نفسه في وثيقة الوقفية ان ناظر الوقف الذي اوقفه هو الارشد من ذريته ماتناسلوا، وقد يحدث عادة ان يتزاحم ولاة الوقف المستحقون للنظارة على الوقف ، وعندئذ يحق للموقوف عليهم ذرية الواقف المستحقون للولاية الذين تتوفر فيهم شروط النظارة يحق لهم الاتفاق فيما بينهم على إختيار وتحديد من يقوم بأعمال النظارة على الوقف.

 ويتم هذا الاختيار من جميع المستحقين للنظارة او غالبيتهم ، وبيان اجراءات وضوابط إختيار ناظر الوقف كما ياتي :

1- يكون الإختيار محصورا في ذرية الواقف الذين تحققت فيهم شروط النظارة او الولاية على الوقف الاتي ذكرها، فلايجوز ان يشارك في عملية الاختيار ذرية الواقف الذين لم تتحقق فيهم تلك الشروط.

2- يكون الإختيار بالتراضي بين المستحقين للولاية ،ويتم إثبات التراضي وإلإختيار عن طريق وثيقة تتضمن مصادقة المستحقين للولاية بانهم هم المستحقون للولاية من ذرية الواقف وانه قد وقع إختيارهم على الشخص المختار كناظر للوقف.

3- قد يقع الاختيار لناظر الوقف عن طريق القرعة اذا لم يتم التراضي على إختيار شخص معين من المستحقين للولاية، وتتم القرعة بمحضر يتضمن اسماء المقترعين ونتيجة القرعة اي الشخص الذي فاز بالقرعة او تم إختياره عن طريق القرعة ، ويتم التوقيع على المحضر من جميع المقترعين.

الوجه الثاني: حجية إختيار ذرية الواقف لناظر الوقف:

 إذا وقع إختيار المستحقين لولاية الوقف على إختيار ناظر الوقف سواء وقع الاختيار بالقرعة او بالتراضي فان الاختيار في كل الاحوال ملزم للمستحقين ولكافة ذرية الواقف ، وكذا يكون الاختيار ملزما للجهات المختصة كوزارة الاوقاف او هيئة الاوقاف ويكون ملزما للغير بصفة عامة ، ويجب تنفيذ الاختبار والعمل بمقتضاه.

الوجه الثالث: جواز إختيار ذرية الواقف لناظر الوقف من غير ذرية الواقف:

في بعض الاحوال يقع التنازع والخصام والتنافس بين المستحقين للولاية من ذرية الواقف فيتعذر إتفاقهم على تحديد واختيار ناظر للوقف من بينهم وكذا يتعذر إجراء القرعة فيما بينهم.

 فعنئذ قد يقوم المستحقون المختلفون بإختيار ناظر للوقف من غيرهم اي من غير ذرية الواقف اذا كان الوقف خاصا او اهليا، وعند الاختبار للناظر من غير المستحقين للولاية من ذرية الواقف يكون هذا الاختيار بمثابة تنازل من المستحقين عن ولايتهم ، وقد اجاز قانون الوقف لولي الوقف الخاص او الاهلي التنازل عن الولاية اذا توفرت في المتنازل اليه شروط الناظر للوقف ،حسبما هو مقرر في نهاية المادة (49) وقف التي نصت على انه : (ويجوز لذي الولاية الخاصة إسناد الولاية لمن يرى فيه الصلاح بغير عوض) ، ومفهوم هذا النص انه لايجوز التنازل عن الولاية العامة للوقف وهي ولاية هيئة أو وزارة الاوقاف. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الاوقاف الجزء الاول، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م ،ص١٥٨).

الوجه الرابع: معنى ناظر الوقف او ولي الوقف او متولي الوقف:

 استعمل قانون الوقف اليمني التسميات الثلاث، وان تعددت هذه التسميات فان المسمى واحد ، ووفقا لقانون الوقف فناظر الوقف او وليه او المتولي على الوقف او صاحب الولاية على الوقف هو الذي يتولى المحافظة على اموال الوقف التي يتولاها والدفاع عنها وتمثيل الوقف الاهلي امام القضاء وامام الغير، وتحصيل عائدات الاموال الموقوفة التي يتولاها وصرفها في المصارف التي حددها الواقف في وقفيته.

الوجه الخامس: شروط ناظر الوقف او المتولي للوقف:

حددت المادة (51) من قانون الوقف الشروط التي يجب توفرها في ناظر الوقف وهي: الإسلام والتكليف (البلوغ والعقل والرشد) والعدالة والأمانة وحسن السيرة والسلوك والمحافظة على الشعائر الإسلامية وحُسن التصرف والقدرة على إدارة شئون الوقف، فإذا تخلف أي شرط من هذه الشروط بطلت ولاية المتولي على الوقف وانتقلت الولاية إلى الشخص الذي يليه.

الوجه السادس: ترتيب الولاية على الوقف:

ترك قانون الوقف اليمني أمر تحديد ناظر الوقف اوالولي على الوقف تركها القانون بصفة عامة للواقف نفسه الذي له ان يحدد ناظر الوقف او الولي على المال الذي أوقفه.

 وفي هذا المعنى نصت المادة (49) من قانون الوقف على أن (الولاية على الوقف للواقف ثم لمنصوبه وصياً أو ولياً ثم للموقوف عليه ثم لذي الولاية العامة والحاكم أو من يعينه أحدهما لذلك، ويجوز لذي الولاية الخاصة إسناد الولاية لمن يرى فيه الصلاح بغير عوض).

 ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر أن الواقف بصفة عامة هو الذي يحدد المتولي على الوقف سواءً بالنسبة للوقف الخيري او الاهلي ، ويظهر أن الولاية الخاصة على الوقف مقدمة على الولاية العامة ، ويسري هذا الحكم على الوقف الخيري والوقف الأهلي، وعلى هذا الأساس فإن الولاية على الوقف لا تنتقل إلى الولاية العامة (هيئة الأوقاف/ وزارة الأوقاف) إلا إذا لم يحدد الواقف ولياً او ناظرا على وقفه أو حدد الواقف الولي على وقفه ولكن إنقطع نسل المتولي على الوقف الأهلي أو كانت الولاية للموقوف عليهم فانقطعت ذرية الموقوف عليهم .

وقد حددت المادة (49) من قانون الوقف السابق ذكرها حددت مراتب الولاية على الوقف بصفة عامة ، وبناءً على ما ورد في نص المادة المشار إليه فإن الأولياء على الوقف مرتبون على النحو الآتي:

الواقف نفسه ثم الشخص الذي ينصبه الواقف على الوقف، وهو الذي يعينه الواقف سواءً أكان المنصوب ولياً أو وصياً ثم الموقوف عليه ثم الجهة ذات الولاية العامة على الوقف وهي: هيئة الأوقاف أو وزارة الأوقاف.

وتنتقل الولاية على الوقف من المرتبة إلى المرتبة التي تليها مباشرة، فإذا مات الولي على الوقف أو تخلف فيه شرط من شروط الولاية انتقلت الولاية منه إلى من يليه ممن تتوفر فيه شروط الولاية.

وإذا تعدد المستحقون للولاية كالموقوف عليهم أو في حالة إنتقال الولاية من الأب إلى أولاده المتعددين فإن الأحق بتولي الوقف هو الشخص الذي توفرت فيه شروط الولاية كاملة السابق ذكرها،فإذا تساوى المتعددون في ذلك وجب اتفاقهم على إختيار أحدهم فإن تعذر الإتفاق فتتم القرعة بين المستحقين.

 الوجه السابع: ناظر الوقف عند تزاحم الاولياء على الوقف:

ذكرنا فيما سبق ان الولاية على الوقف لاتتزاحم ، لأن الاولياء على الوقف مرتبون بحسب الترتيب السابق ذكره في المادة (٤٩) وقف، بيد انه من المتصور ان بتزاحم الاولياء على الوقف حينما تنتقل الولاية على الوقف إلى الموقوف عليهم ، ويكون هولاء عدة اشخاص طبيعيين أو إعتباريين تتوافر فيهم جميعا الشروط المعتبرة في ناظر الوقف او الولي على الوقف ، فعندئذ يجب على هولاء الاتفاق فيما وبينهم على إختيار احدهم ، فان لم يتفقوا على ذلك فتتم القرعة بينهم ، فان لم يقبلوا بالقرعة يتم عرض الامر على القضاء لتحديد الولي منهم ، لانه لا يجوز تعدد الاولياء على الوقف ، حسبما هو مقرر في المادة (54) من قانون الوقف اليمني . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الاوقاف الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، صـ٩٧)، والله اعلم.