بيع المورث لوارثه مقابل النفقة

بيع المورث لوارثه مقابل النفقة

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

بيع المورث لوارثه مقابل النفقة في القانون اليمني

النفقة هي المبالغ التي ينفقها او يصرفها الوارث لإطعام وكسوة وسكن وعلاج وخدمة مورثه ، فاذا كان مورثه معسرا لامال له ولاوراث له غير الوارث المنفق فلايحق للوارث المطالبة بالنفقة التي انفقها على مورثه المعسر لانها واجبة عليه بحكم الشرع والقانون.

اما اذا كان المورث موسرا له مال فان المبالغ التي ينفقها الوارث على مورثه الموسر تكون دينا بذمة المورث اثناء حياته ودينا على التركة بعد وفاته، ومن هذا المنطلق يجوز للمورث المدين بالنفقة ان يبع ماله اثناء حياته الى وارثه الدائن سدادا لدين النفقة ، بيد انه يجب عند إبرام عقد البيع يجب ان يتم تحديد الفترة التي قام خلالها الوارث بالانفاق على مورثه وكذا تحديد انواع النفقة وتحديد إجمالي مبالغ النفقة للتحقق من جدية البيع وانه لاينطوي على حيلة والتاكد من ان اجمالي مبالغ النفقة يساوي الثمن الحقيقي للمبيع، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٣/٧/٢٠١٧م، في الطعن رقم (٥٩٠٨٩) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى : (-ثانيا - بطلان عقد البيع الصادر من الاب لإبنه مقابل نفقة الإبن على ابيه والمحرر بخط.....بتاريخ..... ، وذلك لجهالة الثمن المتمثلة في عدم بيان قدر المبالغ التي انفقها الإبن وجهالة فترة الانفاق..)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة ان حكم الإستئناف موافق من حيث النتيجة للشرع والقانون ، وذلك لما علل به واستند اليه في قضائه بتاييد الحكم الابتدائي فيما قضى به بتاييد الفقرة ثانيا)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: متى تكون النفقةعلى المورث واجبة على وارثه:

نصت المادة (١٤٩) احوال شخصية يمني على ان : (النفقة هي المؤن اللازمة في مال الشخص لغيره لسبب او نسب ، وتشمل الغذاء والكسوة والسكن والمعالجة والمعالجة والاخدام ونحو ذلك).

 وقد نظم قانون الاحوال الشخصية اليمني نفقة الزوجة في المواد من (١٥٠) حتى نهاية المادة (١٥٦) ، ومايعنينا من هذا التنظيم ان القانون جعل نفقة الزوجة واجبة على زوجها في كل الاحوال والعكس غير صحيح ، وبناء على ذلك يجوز للزوج ان يبيع ماله لزوجته وفاء لنفقتها التي لم يدفعها لها او وفاء لدين الزوجة اذا قامت الزوجة بالانفاق على زوجها.

ومن جهة ثانية نظم قانون الاحوال الشخصية نفقة الاقارب في المواد من (١٥٧) حتى نهاية المادة (١٦٧) ، ومايعنينا في هذا التعليق من هذا التنظيم ان نفقة المورث لاتكون واجبة على وارثه إلا اذا كان المورث معسرا لامال له ، وان نفقة المورث المعسر في هذه الحالة تكون واجبة على وارثه الموسر وان تعدد ورثته الموسرين فتكون واجبة على واحد منهم بحسب نصيبه من تركة مورثه على إفتراض ان له مال ، حسبما هو مقرر في المادة (١٦٤) احوال شخصية.

وعندما تكون نفقة المورث المعسر واجبة على وارثه الموسر فلايحق للوارث المطالبة بمقابل النفقة الواجبة التي دفعها إلا اذا ايسر المورث بعد ذلك ، وكذا لايحق للوارث الموسر مطالبة الورثة بالنفقة الواجبة التي دفعها للمورث المعسر العاجز عن الكسب اثناء حياته إلا اذا كانت هذه النفقة واجبة ايضا على بقية الموسرين.

وعلى هذا الاساس لايقع بيع المورث لمورثه مقابل النفقة إلا اذا كان الوارث قد انفق على مورثه الموسر الذي له مال قام اثناء حياته ببيعه الى وارثه الدائن سدادا لدينه. (الوجيز في احكام الاسرة ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة خالد بن والوليد صنعاء ٢٠٢٢م، صـ١٥٩).

الوجه الثاني: اركان وشروط عقد البيع بصفة عامة وعلاقتها بالنفقة حينما تكون ثمنا للمبيع:

كي نقف على مدى صحة بيع المورث لوارثه فانه ان نشير بإيجاز بالغ الى عقد البيع الصحيح ، وفي هذا الشان حدد القانون المدني اركان عقد البيع وشروطه التي تجعل البيع صحيحا وذلك في المواد من (452) الى (463) وهذه الاركان هي صيغة العقد والبائع والمشتري ومحل البيع وهناك شروط تشترط في هذه الاركان. فصيغة العقد يجب ان تتضمن الايجاب والقبول المتطابقين بقول البائع بعت والمشتري اشتريت ويشترط في البائع كركن من اركان البيع ان تكون ارادته حرة غير مشوبة بعيب من عيوب الارادة مثل الاكراه والتدليس وكذلك الحال بالنسبة للمشتري كما يشترط في محل البيع ان يكون موجودا حال العقد وان يكون معلوما علما نافيا للجهالة وان يكون المبيع في ملك البائع ....الخ ولا يتسع المجال لذكر التفاصيل في هذا التعليق الموجز .

وعند تطبيق اركان العقد وشروطه على بيع المورث لوارثه مقابل النفقة التي سبق ان دفعها الوارث على مورثه يظهر ان الفقه الاسلامي والقانون المدني قد اشترطا ان يكون ثمن المبيع معلوما علما نافيا للجهالة.

وبناء على ذلك يصح ان يكون ثمن المبيع هو النفقة التي سبق للوارث ان دفعها لمورثه شريطة ان تكون هذه النفقة معلومة علما نافيا للجهالة ، ولاتكون النفقة معلومة علما نافيا للجهالة إلا إذا كانت مبالغ هذه النفقة محددة بمبلغ إجمالي معين وكانت اصناف النفقة وانواعها وفترة النفقة معلومة حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

ويكون الثمن في هذه الحالة عبارة عن قضاء الدين الذي بذمة المورث لوارثه.

الوجه الثالث: بيع المورث لوارثه مقابل نفقة الوارث على مورثه:

عند مطالعة الحكم محل تعليقنا يظهر انه قد قضى ببطلان بيع الوالد لولده او بيع المورث لمورثه بسبب جهالة الثمن او المقابل ، لان المبالغ التي كان الوارث ينفقها على مورثه لم يتم تحديدها بمبلغ إجمالي معين ، كذلك لم يتم تحديد فترة نفقة الوارث على مورثه اي الفترة التي قام خلالها الولد بالانفاق على والده .

 وعدم تحديد النفقة بمبلغ معين وتحديد انواع النفقة او اصنافها وفترتها يجعل ثمن المبيع مجهولا، وبذلك يتخلف شرط من اهم شروط الثمن كركن من اركان عقد البيع وهو شرط ان يكون الثمن معلوما علما نافيا للجهالة عند إبرام عقد البيع حسبما هو مقرر في الفقه الاسلامي والقانون المدني اليمني.

 ومفهوم ذلك ان بيع المورث لوارثه مقابل النفقة يكون صحيحا إذا توفرت الشروط الاتية:

1- ان يتم تحديد اصناف نفقة الوارث على مورثه والمبالغ المدفوعة لاجلها مثل المبالغ المدفوعة في علاج المورث خلال الشهر الواحد والمبالغ المدفوعة كغذاء للمورث في الشهر الواحد وكذلك الحال بالنسبة للسكن والكسوة واجرة الشخص الذي تولى خدمة المورث، فيجب تحديد ذلك كي يتسنى تحديد اجمالي المبالغ التي دفعها الوارث عن كل صنف من اصناف النفقة.

2- تحديد فترة النفقة بالاشهر والسنوات اي تحديد الفترة التي قام فيها الوارث بالنفقة على مورثه عن طريق تحديد بدابة هذه الفترة ونهايتها حتى يتسنى تحديد اجمالي المبالغ التي دفعها الوارث خلال هذه الفترة للنفقة على مورثه.

3- بعد إحتساب اصناف النفقة وفترتها على النحو المبين في الفقرتين السابقتين فانه يجب تحديد إجمالي المبالغ التي دفعها الوارث للنفقة على مورثه.، ويتم تحديد اجمالي مبالغ النفقة بمبلغ اجمالي معين يتم ذكره في وثيقة البيع.

4- يشترط ان لاينطوي بيع المورث لوراثه مقابل النفقةعلى حيلة علي بقية الورثة، فلايتم التحقق من خلو هذا البيع من الحيلة الا اذا تم تحديد مبالغ النفقة وفترتها على النحو السابق بيانه، وحتي يتم التاكد من أن مبالغ النفقة مساوية لثمن المبيع . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل عقد البيع ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٢٠٦).

الوجه الرابع: بيع المورث لوارثه في القانون المدني اليمني:

اجاز القانون المدني للوالد ان يبيع ماله لولده بشروط حددها القانون في المادة (464) التي نصت على انه ( يصح بيع الوالد ماله لولده المشمول بولايته وبيعه مال احد الولدين للآخر بشرط القبول من منصوب القاضي الذي يقبل البيع عن الصغير ثم يسلمه بعد ذلك لوالده ليحفظه لولده, ويشترط ان لا يكون البيع منطويا على حيلة ) ومن خلال استقراء هذا النص نجد انه قد اجاز للوالد ان يبيع ماله الى ولده القاصر شريطة ان لا ينطوي هذا البيع على حيلة ، فاذا كان للولد الصغير مال خاص به لا يكون مصدره الوالد نفسه وكان هذا المال مساويا بالفعل لقيمة الارض المبيعة وقد تم تسليم الثمن تسليما فعليا ولم يقم الوالد بإعادة الثمن الى ولده المشتري فان البيع في هذه الحالة يكون صحيحا .

واذا كان القانون قد صرح بانه يجوز للوالد بيع ماله الى ولده القاصر فانه يجوز للوالد ان يبيع ماله الى ولده االكبير البالغ ، فيجوز للوالد ان يبيع ماله الى ولده البالغ شريطة ان يكون لهذا الولد مال خاص به وان يكون الثمن الذي يدفعه لوالده مساويا لقيمة الارض في الزمان والمكان وان لا يثبت ان الوالد قد اعاد الثمن لولده المشتري ،فاذا توفرت هذه الشروط فان البيع يكون صحيحا.

 وقد صرح القانون بجواز بيع الوالد ماله لولده الصغير القاصر ، لان هذا البيع محل خلاف في الفقه الاسلامي فاراد القانون ان يختار القول الذي ذهب الى جواز بيع الوالد لماله الى ولده القاصر اما الولد الكبير فلا خلاف بين الفقهاء في جواز بيع الوالد له شريطة ان لا ينطوي البيع على حيلة .

واذا كان الفقه الاسلامي والقانون المدني قد اجازا بيع الوالد لولده الصغير والكبير على النحو السابق بيانه لذلك يجوز للمورث بيع ماله الى مورثه بالشروط ذاتها التي اشترطها القانون لبيع الوالد لولده. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م، صـ١٨٧).

الوجه الخامس: المقصود بالحيلة التي تبطل بيع المورث لوارثه:

صرح القانون المدني ببطلان البيع الصادر من الوالد لولده اذا انطوى هذا البيع على حيلة, وهذا يستدعي الاشارة بإيجاز بالغ الى المقصود بالحيلة المبطلة لعقد البيع الصادر من الوالد لولده أو المورث لوارثه.

 فالمقصود بالحيلة هنا ان البيع ليس حقيقيا وانما يخفي تصرف اخر من المورث لوارثه او الوالد لولده وهو الهبة من الوالد لولده في اثناء حياته حيث قد يعمد الوالد الى اخفاء الهبة تحت عبآة البيع فالوالد اصلا لم يستلم ثمن المبيع او استلمه وقام باعادته الى الولد او ان الثمن يقل كثيرا عن ثمن المبيع, فيكون التصرف الظاهر هو البيع في حين ان حقيقة التصرف هو هبة وليس بيعا, ويمكن ان ينطوي بيع الوالد لولده على حيلة اخفاء الوصية او النذر او الوقف لولده اوغير ذلك, وقد قرر النص القانوني الذي اجاز بيع الوالد لولده ان لا ينطوي البيع على حيلة على بقية الورثة , فالحيلة على الورثة تتحقق حينما يعمد المورث او الوالد الى البيع لولده بقصد زيادة نصيب ولده بقصد زيادة نصيب ولده من ماله مقابل انقاص ما سيؤول الى الورثة المحتملين الاخرين كأن يكون للوالد بنت او بنات وليس له ابناء وله اخوة وكأن يكون الوالد له ولد او اولاد وله والد ووالدة .

الوجه السادس: كيفية الاستدلال على وجود الحيلة في بيع المورث لوارثه:

من خلال مطالعة احكام القضاء واقوال الفقهاء في هذه المسألة يظهر لنا ان هناك مظاهر وامثلة ذكرها الفقه الاسلامي للإستدلال والإسترشاد بها لتقرير وجود الحيلة في بيع المورث لوارثه, ونلخص ذلك فيما يأتي:

1- سن الولد او الوارث: فمثلا الولد الرضيع لا مال له الا ان يهبه غير والده مالا كالعم او الخال او يكون موقوفا عليه من غير والده, فاذا صدر البيع من الوالد لولده الرضيع او الذي ليس له مال لصغر سنه وعجزه عن الكسب فان بيع الوالد لولده في هذه الحالة ينطوي على حيلة .

2- عجز الولد او الوارث: فالولد او الوارث العاجز عن السعي والكسب الاصل ان لا مال له حتى يدفع قيمة الارض المباعة له من والده الا ان تجري عليه الدولة او الغير مساعدة مالية او يهبه الغير او يتصدق عليه ,والمقصود بالولد العاجز عن الكسب هو المريض بمرض يعجزه عن العمل والكسب كالأعمى او الاقطع او الكسيح ....الخ اوقد يكون عاجزاً عن الكسب لصغر سنه حسبما سبق بيانه .

3- انعدام مصدر دخل الوارث او الولد او قلته : فقد يكون الولد بالغا سليما من العاهات قادرا على السعي والكسب الا انه لايوجد مصدر دخل له يدل على ان بيع والده له لاينطوي على حيلة؛ فمن اين للولد مال يدفعه الى والده ثمنا للأرض المبيعة , وقدينعدم الدخل بسبب عدم وجود وظيفة او عمل او حرفة او مهنة للولد يتكسب منها , كما ان قلة الدخل تكون دليلاً على ان بيع الوالد لولده ينطوي على حيلة لان الدخل القليل يكاد لايلبي ضرورات وحاجيات الولد فلا يكون له فضل مال يدفع منه ثمن الارض المباعة له من والده .

4- اسراف الوارث او الولد واعتياده على العادات المسرفة: فقد يكون الولد من ذوي الدخل الجزيل او المتوسط لكنه كثير السفريات للسياحة والبحث عن المتعة والترف وقد يكون من المشهورين بالإسراف بحيث تكون الاموال التي يحصل عليها من مصدر دخله مساوية للأموال التي ينفقها او اكثر منها , فبيع الوالد للولد المسرف على هذه الشاكلة يكون باطلاً لانطوائه على الحيلة . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل عقد البيع ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٢٠٩)، والله اعلم.