إستبدال نصيب المقاسم في التركة بالنقود
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
نصت المادة (١٢١٩) من القانون المدني اليمني على انه : (لا يعوض بالنقود في القسمة إلا بالتراضي او بقرار القاضي عند تعذر القسمة بدون ذلك) ، فالقسمة تعني القسمة العينية لأموال التركة عينها ؤتوزيعها بين الورثة بحسب الانصبة الشرعية ، فلا يتم إستبدال نصيب احد الورثة من اموال التركة بالنقود إلا بالتراضي فيما بين جميع الورثة او بقرار القاضي إذا تعذرت قسمة المال المشترك إلا بإستبدال النصيب او الحصة في المال المشترك الى نقود حسبما هو مقرر في النص القانوني السابق،، وحسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٩/٧/٢٠١٧م، في الطعن رقم (٥٩٢٠٧) المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه: (فقد تبين ان المحكم قام بقسمة التركة بين الورثة قسمة إختيارية رضائية، وأصدر بذلك حكمه المدعى ببطلانه، مع ان من بين الورثة المتقاسمين قصار، مما يجعل القسمة باطلة طبقا للمادة (١٢١١) مدني التي نصت على انه لاتجوز قسمة إختيارية فيها قاصر او مجنون او غائب هذا من جهة ، ومن جهة اخرى فان المحكم حرم المدعية بالبطلان من نصيبها في العقارات والمنقولات وعوضها عن ذلك بالنقود بدون رضاها خلافا لما نصت عليه المادة (١٢١٩) مدني، مما يستوجب قبول دعوى البطلان)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة ان حكم الاستئاف قد جاء موافقا للشرع والقانون في قضائه بقبول دعوى البطلان ، لان القسمة بنظر المحكم كانت اختيارية، وكان من ضمن الورثة قصارا، ولان حكم المحكم قد حكم بان يكون نصيب المطعون ضدها نقودا عوضا عن نصيبها في منقولات وعقارات التركة التي قسمها المحكم ، وذلك مخالف للقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: معنى إستبدال نصيب المقاسم من اموال التركة بالنقود:
معنى ذلك انه يتم تقدير وتثمين نصيب المقاسم في كل اموال التركة العينية غير النقدية او بعضها تقديرها بالنقود ، ودفع القيمة التي تم تقديرها الى المقاسم عوضا او بدلا عن نصيبه في اموال التركة العينية كلها او بعضها.
علما بانه في كل قسمة تقريبا يتم تثمين اموال التركة العينية وتحديد نصيب كل وارث منها ، ويتم معرفة إجمالي قيمة نصيب كل وارث او مقاسم من كل أموال التركة العينية بعد تثمينها بغرض تسهيل التخارج بين الورثة في الأموال التي لاتقبل القسمة العينية بين جميع الورثة المتقاسمين ، وحتى يمكن فرز وتعيين نصيب كل مقاسم من تلك الاموال، وإعطاء كل مقاسم من اموال التركة مايساوي اجمالي قيمة نصيبه من اموال التركة .
الوجه الثاني: الحكمة من منع إستبدال نصيب الوارث في التركة بالنقود إلا بالتراضي او بقرار القاضي:
نصت المادة (١٢١٩) من القانون المدني على انه : ( لايعوض بالنقود في القسمة إلا بالتراضي او بقرار القاضي عند تعذر القسمة بدون ذلك ).
فمن خلال إستقراء هذا النص القانوني يظهر انه قد منع إستبدال نصيب الوارث في اي من اموال التركة بالنقود إلا برضا الوارث المقاسم او بقرار من القاضي المختص.
والحكمة من منع الاستبدال هي كفالة حق الوارث او الشريك المقاسم في اموال التركة او الشركة حتى لايتم الإنتقاص منها او التحايل عليها او التلاعب بها عند تثمين اموال التركة ،بما يكفل ان يكون تثمين حصة او نصيب المقاسم من اموال التركة جديا وحقيقيا.
لذلك اشترط النص القانوني السابق رضاء الوارث المقاسم بالعوض او البدل ، فالشخص نفسه لايتهم بالتقصير في حق نفسه ، فالرضاء لا يصدر من الوارث او المقاسم الا اذا كان قد تحقق وتاكد من سلامة التثمين وجديته وان النقود التي تم إحتسابها بدلا من نصيبه مساوية بالفعل لقيمة نصيبه في المال.
وفي هذا السياق أيضا تاتي رقابة القضاء على إستبدال نصيب المقاسم في المال المشترك إستبداله بالمال، فالقضاء يبسط رقابته في هذا الشان للتحقق من عدم التحايل او التلاعب في تقدير قيمة نصيب المقاسم بالنقود. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١١٦).
الوجه الثالث : التراضي على إستبدال نصيب المقاسم بالنقود:
نصت المادة (١٢١٩) من القانون المدني على انه : ( لايعوض بالنقود في القسمة إلا بالتراضي او بقرار القاضي عند تعذر القسمة بدون ذلك ).
فقد منع النص السابق إستبدال حصة او نصيب المقاسم في المال المشترك (إلا بالتراضي) حسبما ورد في النص السابق، والمقصود بالتراضي المذكور في النص هو اتفاق جميع الشركاء بمن فيهم المقاسم على الاستبدال ورضاء الجميع بذلك.
فلايقصد بالتراضي رضاء المقاسم فقط الذي يتم إستبدال نصيبه وانما رضاء جميع الورثة او الشركاء المتقاسمين، فهذا هو المقصود بالتراضي.
ولم يشترط النص القانوني السابق شكلا معينا للتراضي أو إجراءات معينة لصدوره فقد يكون التراضي كتابة وهو الغالب والافضل ، وقد يكون التراضي ثابتا شفاهة ، وقد يكون التراضي صريحا وقد يكون ضمنيا كما لو تم تسليم وإستلام البدل النقدي من غير إعتراض من المقاسم او من الورثة او الشركاء الاخرين.
والتراضي على الاستبدال قد يكون اثناء القسمة الاختيارية او اثناء القسمة الجبرية
وعندما يتم الإستبدال بالتراضي بحسب المفهوم السابق فانه يكون صحيحا سواء كانت قسمة المال متعذرة إلا بإخراج نصيب المقاسم نقدا أو لم تكن قسمة المال متعذرة ، لان النص القانوني السابق ذكره لم يشترط النص عند التراضي ان تكون قسمة المال عينا متعذرة كما هو الحال عندما يقرر القاضي عملية الاستبدال كما سنرى.
الوجه الرابع: إستبدال نصيب المقاسم بالنقود بقرار القاضي:
نصت المادة (١٢١٩) من القانون المدني على انه : ( لايعوض بالنقود في القسمة إلا بالتراضي او بقرار القاضي عند تعذر القسمة بدون ذلك ).
فقد منع هذا النص إستبدال نصيب المقاسم بالنقود الا اذا كانت قسمة المال المشترك متعذرة إلا بالاستبدال ، ولم يقرن النص السابق قرار القاضي بالإستبدال لم يقرنه بالقسمة الجبرية فقط.
وتبعا لذلك قد يصدر القاضي قراره بالاستبدال اثناء القسمة الاختيارية اذا تعذر التراضي على الاستبدال بين جميع المتقاسمين وكانت قسمة المال متعذرة إلا بالإستبدال .
فالقاضي يصدر هذا القرار بناء على طلب من الورثة اذا كانت القسمة بالتراضي فيما الورثة انفسهم او بناء على طلب القسام المحكم إذا كانت القسمة عن طريق القسام المختار من جميع الورثة.
ومن جهة اخرى قد يصدر القاضي قرار الإستبدال اثناء نظره للقسمة الجبرية ، فقرار القاضي الوارد في النص السابق مطلق غير مقيد بالقسمة الجبرية او الاختيارية بل انه مطلق يشمل كل انواع القسمات.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١١٦)، والله اعلم.
