تمليك أحد الورثة بعض أموال التركة عند القسمة
تمليك أحد الورثة بعض أموال التركة عند القسمة
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
الغرض من القسمة هو إزالة الشيوع في التركة أو ملكية الورثة الشائعة للتركة وفرز وتمييز وإخراج نصيب كل وارث على حدة ، ومن عيوب اجراءات القسمة المقررة في القانون المدني اليمني طريقة القراريط (والقروطة).
بيد ان القسام يجب ان يكون هدفه النهائي ان ينتهي بإجراءات القسمة الى فرز وتمييز وإخراج نصيب كل وارث على حدة ، فلايكون هناك اشتراك في منزل أو شقة أو سيارة أو جنبية...الخ ، فقد وقفنا على قسمات كثرة لاتنهي الشيوع أو الاشتراك في التركة وانما تبقي على الشيوع والاشتراك في بعض أموال التركة بصور مختلفة اما عن طريق تحديد نصيب الوارث في الدار على هيئة قراريط في الدار كله أو اذرع محددة في غرفة من غرف المنزل أو تحديد ذلك النصيب بغرفة في المنزل او تحديد ذلك بربع المنزل جزافا، خلافا للهدف والغاية من القسمة وهي ازالة الشيوع والاشتراك.
مع ان الطريقة المثلى هي إخراج انصبة كل واحد من الورثة على حدة ، عن طريق الموازاة وإخراج نصيب كل وارث في مال معين أو أموال معينة ، فاذا اختلف الورثة بشان عقار معين أو تعذرت قسمته عينا فيتم بيع هذا العقار لاحد الورثة او للغير ، وتكون الاولوية في الشراء للوارث القادر على دفع الثمن حالا ، اذ يجب على المشتري سواء أكان من الورثة ام من الغير سداد قيمة نصيب كل وارث حالا نقدا أو عينا، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها بتاريخ ٢٢/٤/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٤٥٤٠)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار اليه: (فقد ظهر ان الطاعنين قد عابوا على الحكم الإستئنافي ومن قبله الحكم الإبتدائي أنه قضى في الفقرة الثالثة من المنطوق بإنتداب عدلين خبيرين لتثمين المنزل والزام الوارث الساكن فيه بدفع الفارق لبقية الورثة كل بحسب نصيبه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الآتية:
الوجه الاول: الفرق بين التركيز والفصل في القسمة:
التركيز عبارة عن وثيقة مكتوبة تتضمن جدول يشتمل على كل اموال التركة المطلوب قسمتها وبيان ثمن كل مال من هذه الأموال على حدة، وبيان نصيب كل وارث على حدة في كل مال من اموال التركة المذكورة في التركيز.
فالتركيز إجراء من اهم اجراءات القسمة لكنه ليس الاجراء الذي تنتهي عنده اجراءات القسمة، لانه لاينهي الشيوع في التركة المطلوب قسمتها ، إذ يعقب مرحلة التركيز مرحلة مهمة اخرى وهي مرحلة إخراج وفرز انصبة الورثة عن بعضها وإخراج نصيب كل وارث الى مال معين أو اموال معينة خاصة به بما يزيل الشيوع الموجود في التركيز ، وتتم مرحلة الموازاة وإخراج انصبة الورثة الى أموال خاصة بكل وارث بعد التراضي بين الورثة أو إجراء القرعة فيما بينهم.
فبعد إخراج نصيب كل وارث على حدة وتعيين التي صارت من نصيبه ، فلايجوز ان يكون الفصل أو الفرز الخاص بالوارث المقاسم عبارة عن نقل لنصيبه حسبما ورد في التركيز، لأن نصيب كل وارث في التركيز عبارة عن نسبة معينة شائعة في كل مال من اموال التركة على حدة ، وبناء على ذلك يكون نصيب الوارث في التركيز شائعا في كل اموال التركة ، ولذلك لاينبغي نقل نصيب الوارث المقاسم من التركيز الى فصله ، لأن نصيب الوارث في الفصل يجب ان يكون مفرزا وخاليا من الشيوع ، فتحرير الفصول لايتم الا بعد ازالة الشيوع الوارد في التركيز، حيث تتم ازالة ذلك عن طريق اتفاق الورثة على إخراج أو فرز أو فصل الانصبة المذكورة في التركيز عن بعضها وتقسيمها بين الورثة بحيث يستقل كل واحد منهم بنصيبه بعد التراضي بين الورثة او إجراء القرعة فيما بينهم. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الاول ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٢م، ص٢٤١).
الوجه الثاني: تعذر فرز بعض اموال التركة المذكورة في التركيز:
في غالب التركات تكون بعض اموال التركة الواردة في التركيز غير قابلة للقسمة العينية بين جميع الورثة كما لو كان احد أموال التركة شقة واحدة أو منزلت واحد أو جنبية واحدة أو سيارة واحدة ...الخ، فاذا لم يتفق الورثة على فرزها وإخراجها فيما بينهم ،ففي هذه الحالة يتم إجراء القرعة على اساس إخراج وفرز تلك الاموال فان تعذر اجراء القرعة وتعذر اتفاق الورثة بشان فرزها وتقسيمها فأنه يتم بيعها وتقسيم ثمنها بين الورثة كل بقدر نصيبه الشرعي ، ويتم البيع قبل تحرير الفصول، وتكون الاولوية للورثة في الشراء عند تزاحمهم مع الغير، وبالنسبة للورثة تكون الاولوية لصاحب النصيب الاكبر في المال المطلوب بيعه، وعند البيع يجب تحرير وثيقة تثبت ذلك ماذا تم ادراج المبيع في فصل الوارث فانه يجب ان يشار في الفصل ان الوارث قد اشترى انصبة الورثة الاخرين في ذلك المال.
الوجه الثالث: المقصود بتمليك احد الورثة بعض اموال التركة أثناء القسمة حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا:
اشار الحكم محل تعليقنا الى تمليك احد الورثة بعض اموال التركة أثناء قسمة تركة المورث بإعتبار ذلك اجراء من إجراءات القسمة الجبرية ، فهذا الاجراء يعد من قبيل إلزام الورثة الاخرين ببيع انصبتهم في المنزل الى احدهم إذا تعذرت القسمة العينية للمنزل وتعذر اتفاق الورثة على بيع انصبتهم في المنزل ، فعئدئذ يقوم القاضي في القسمة الجبرية بإلزام أو إجبار الورثة على البيع ، حيث يتم تثمين المنزل من قبل خبيرين عدلين وخصم نصيب الوارث الساكن بالمنزل من الثمن وإلزامه بدفع قيمة انصبة الورثة الاخرين في المنزل حالا أي عند البيع.
واهم ما نلاحظه بشان الحكم الإبتدائي انه قضى بتثمين المنزل عن طريق خبيرين....الخ، وكان الواجب على محكمة الموضوع وهي بصدد قسمة جبرية ان تكلف خبيرين بتثمين المنزل والزام الوارث الساكن في المنزل بتسليم انصبة بقية الورثة من قيمة المنزل، ثم الحكم بذلك ، لان الحكم بتثمين المنزل لم يحسم القسمة بصفة نهائية ، فمن مقتضيات القسمة الجبرية أن الحكم بها يعني الحكم بتمام القسمة وليس باجراء القسمة أو أي إجراء أي من اجراءاتها.
وقد صدر مؤخرا تعميم من هيئة التفتيش القضائي صرح بوجوب ان تشتمل احكام القسمة الجبرية على اجراءات القسمة الجبرية ذاتها وليس مجرد الحكم بإجراء القسمة حتى لاتطول إجراءات القسمة الجبرية وحتى يكون الحكم بالقسمة الجبرية دائما وفاصلا وليس فيه إرجاء أو تعليق.
وتمليك الوارث المنزل او غيره ضمن اجراءات القسمة يعد من قبيل تسليم الوارث نصيبه وشراء المورث لانصبة الورثة الاخرين، ولذلك يجب أن يدفع الوارث المشتري الثمن فورا، حتى لايكون ذلك وليجة للنزاع مستقبلا ، وحتى يكون الحكم بالقسمة الجبرية حاسما وفاصلا ، وحتى تنتهي حالة الشيوع.
الوجه الرابع: أولوية الوارث في شراء مال التركة غير القابل للقسمة العينية:
إذا تعذرت قسمة احد اموال التركة لأي سبب من الاسباب فقد صرح القانون المدني اليمني انه يجوز بيع هذا المال وتقاسم ثمنه بين الورثة بحسب الانصبة الشرعية، وصرح القانون ايضا بأن الاولوية في الشراء في هذه الحالة تكون للوارث.
وفي التطبيق العملي تكون الاولوية في الشراء للوارث الساكن في الدار أو الذي بحوزته المال كالمحل التجاري أو السيارة...الخ. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ١٠٧)، والله أعلم.
تعليقات
إرسال تعليق