بيانات حكم التحكيم بقسمة التركة
بيانات حكم التحكيم بقسمة التركة
أ.د. عبد المومن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
![]() |
| بيانات حكم التحكيم |
حكم التحكيم في قسمة التركة له طبيعة خاصة، ومن مظاهر هذه الخصوصية ان القسمة بنظر المحكم ليست كالقسمة الجبرية بنظر القاضي، وان البطلان في حكم القاضي بالقسمة قابل للتبعيض بخلاف حكم التحكيم بإجراء قسمة التركة الذي لا يقبل التبعيض، فمن المقرر في الفقه والقضاء ان حكم التحكيم لا يتبعض ، فمحكمة الاستئناف عند نظرها لدعوى بطلان حكم التحكيم في القسمة تكون امام خيارين لا ثالث لهما، اما ان ترفض دعوى البطلان فيكون حكم التحكيم صحيحا بكل فقراته واما ان تقبل دعوى البطلان فيكون حكم التحكيم باطلا بكل فقراته، وهنا تظهر خطورة التحكيم في إجراء القسمة .
إضافة إلى أن القانون المدني وقانون المرافعات وقانون التحكيم قد اشترطت هذه القوانين أن يشتمل حكم التحكيم على بيانات معينة ، فان لم يشتمل الحكم على هذه البيانات فانه يكون عرضة للبطلان ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 27/5/2012م في الطعن رقم (44934)، المسبوق بحكم التحكيم الذي قضى باعتماد إجراءات القسمة التي تمت من قبل العدلين المختارين من قبل جميع الورثة المحكمين ، وعندما ادعى بعض الورثة بطلان حكم التحكيم ذكروا ان جزء من وثيقة التحكيم مفقود وأن حكم التحكيم قد ختليا من الدعاوى والاجابات ، وعلى هذا الاساس فقد قضى الحكم الإستئنافي بقبول دعوى بطلان حكم التحكيم المتضمن قسمة التركة وبطلان ذلك الحكم (لان حكم التحكيم المدعى ببطلانه لم يتضمن دعاوى واجابات الورثة المحتكمين مخالفا المادتين 35 و 36 من قانون التحكيم) وعند الطعن بالنقض بالحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي المطعون فيه ،وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة ان اسباب الطعن في غير محلها ، لأن الحكم الإستئنافي قد ناقش تلك الاسباب ، ومن خلال ذلك توصل الى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: الفرق بين القسمة بنظر المحكم والقسمة الجبرية بنظر القاضي:
من المؤكد ان قيام الورثة بتحكيم فرد أو لجنة لإجراء قسمة تركة مورثهم والفصل في الخلافات التي تظهر بينهم بمناسبة اجراءات القسمة من المؤكد ان القسمة بنظر المحكم لاتكون قسمة جبرية على غرار القسمة الجبرية التي يباشرها القاضي في المحكمة ، فالمحكم في إجراء القسمة لايستطيع مباشرة اي اجراء من الإجراءات الجبرية في مواجهة الورثة الممتنعين الا عن طريق إستعانته بالمحكمة المختصة اصلا بنظر النزاع.
الوجه الثاني: البيانات التي يجب أن يشتمل عليها حكم المحكم بإجراء القسمة وفقا للقانون المدني وقانون الأحوال الشخصية:
نظم القانون المدني اليمني احكام قسمة الأموال المشتركة او الشائعة ،كما حدد قانون الاحوال الشخصية انصبة كل وارث في التركات ، ومؤدى ذلك انه من الواجب ان يشتمل حكم التحكيم في القسمة على كل اجراءات القسمة، إذا يجب أن يتضمن حكم التحكيم في القسمة كافة اجراءات القسمة بدء من إتفاق التحكيم وانتهاء بفصول المتقاسمين وتمييزها .
فيجب ان يشتمل حكم التحكيم في القسمة على إثبات حصر الورثة وكشوفات حصر أموال التركة واثمانها والتركيز الذي يبين نصيب كل وارث من موجودات التركة ومحاضر القرعة وتحرير الفصول وتمييز نصيب كل وارث عن غيره. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص 164).
الوجه الثالث: البيانات التي يجب أن يشتمل عليها حكم المحكم بإجراء القسمة وفقا لقانون التحكيم:
وفقا القانون التحكيم فان يجب أن يشتمل حكم التحكيم في القسمة على دعاوى الاختصاص المتعلقة باموال التركة واية دعاوى وطلبات قد يقوم الورثة المتقاسمون بتقديمها أمام المحكم والردود أو الاجابات على تلك الدعاوى والطلبات ، وكذا يجب ان يشتمل حكم التحكيم في القسمة على بيانات حكم التحكيم المقررة في المادة(48)تحكيم مثل إتفاق التحكيم واسماء الورثة المتقاسمين وعناوينهم واسباب الحكم ومنطوقه وتاريخ صدوره وتوقيع المحكم.
وفي هذا الشان نصت المادة(48) تحكيم على أن: (تصدر لجنة التحكيم حكمها كتابة ويوقعه المحكمون جميعهم ماعدا في حالة صدور الحكم بالأغلبية فانه يجوز للمحكم الذي لم يوافق على الحكم عدم التوقيع مع ذكر الاسباب ،ويجب أن يصدر الحكم مسببا وإلا اعتبر ناقصا إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك ، ويجب أن يشتمل حكم لجنة التحكيم على البيانات الآتية:ـ
(أسماء أطراف التحكيم وعناوينهم وجنسياتهم وملخص الطلبات ودفوعات الخصوم وأقوالهم ومستنداتهم ومنطوق الحكم وأسبابه وتاريخ ومكان إصداره ، ويكون حكم التحكيم نهائيا وباتا في حالة اتفاق أطراف التحكيم عليه وكذا في حالة انتهاء التحكيم بالصلح وفي الحالات التي ينص عليها هذا القانون وعلى لجنة التحكيم أن تقوم بإرسال صور من الحكم موقعة من المحكمين إلى أطراف التحكيم).
وقد كانت هذه المادة قبل تعديلها تنص على انه : ( تصدر لجنة التحكيم حكمها كتابة ويوقعه المحكمون جميعهم ما عدا في حالات صدور الحكم بالأغلبية فانه يجوز للمحكم الذي لم يوافق على الحكم عدم التوقيع مع ذكر الاسباب ويجب أن يصدر الحكم مسببا وإلا اعتبر باطلا ولاغيا إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك ويجب أن يشمل حكم لجنة التحكيم على البيانات الآتية:ـ
أسماء أطراف التحكيم وعناوينهم وصفاتهم وجنسياتهم وأسماء المحكمين وصفاتهم وعناوينهم وجنسياتهم وملخص لطلبات ودفوعات الخصوم وأقوالهم ومستنداتهم ومنطوق الحكم وأسبابه وتاريخ ومكان إصداره ويكون حكم التحكيم نهائيا وباتا إذا اتفق أطراف التحكيم على ذلك وفي حالات التحكيم بالصلح وفي الحالات التي ينص عليها هذا القانون وعلى لجنة التحكيم أن تقوم بإرسال صور من الحكم موقعة من المحكمين إلى أطراف التحكيم.)، وبموجب تعديل هذا النص فقد تم شطب مايتعلق بالتحكيم بالصلح.
وقد استند الحكم محل تعليقنا في قضائه ببطلان حكم التحكيم استند الى المادتين (35و 36) تحكيم واشار الحكم الى انه يجب ان يشتمل حكم التحكيم بإجراء القسمة على دعاوى الورثة المتقاسمين على النحو المقرر في المادتين المشار اليهما ، وقد نصت المادة (35) على انه: (على الطرف المدعي أن يرسل بيانا مكتوبا إلى كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم وذلك خلال المدة الزمنية المتفق عليها او التي تعينها لجنة التحكيم ويجب أن يشمل البيان المكتوب المعلومات التالية:ـ
اسم وعنوان الطرف المدعي، اسم وعنوان الطرف المدعى عليه ، شرح كامل لوقائع الدعوى، مع تحديد القضايا محل النزاع وكذا طلباته وكلما اتفق الطرفان على ضرورة ذكره في بيان الدعوى ويحق للطرف المدعى أن يعدل دفاعه او طلباته او يضيف اليها خلال مدة سير إجراءات التحكيم مالم تكن القضية قد حجزت للحكم).
وكذا نصت المادة(36) على أنه: (على الطرف المدعى عليه أن يقدم بيان دفاعه مكتوبا إلى كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم وان يشمل رده كل ما ورد في بيان الادعاء وأي بيانات وطلبات ودفوع أخرى يرى أنها ضرورية وله أن يعدل طلباته او دفوعه او أن يضيف اليها خلال سير إجراءات التحكيم مالم تكن القضية قد حجزت للحكم)، وقد كانت هذه المادة تنس قبل تعديلها على انه : (على الطرف المدعى عليه أن يقدم بيان دفاعه مكتوبا إلى الطرف المدعي والى كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم وأن يشمل رده كل ما ورد في بيان الادعاء وأي بيانات وطلبات ودفوع أخرى يرى أنها ضرورية كما أن عليه أن يرفق ببيان دفاعه كل المستندات والوثائق والأدلة الأخرى ذات الصلة بموضوع المنازعة ويحق للطرف المدعى عليه أن يعدل طلباته أو دفوعه أو أن يضيف اليها خلال سير إجراءات التحكيم مالم تقرر لجنة التحكيم أن ذلك قد جاء متأخرا.).
الوجه الرابع: البيانات التي يجب أن يشتمل عليها حكم المحكم بإجراء القسمة وفقا لقانون المرافعات:
اوجبت المادة (32)تحكيم على لجنة التحكيم مراعاة قواعد النظام العام المقررة في قانون المرافعات ، وعلى هذا الاساس فانه يجب على المحكم أو المحكمين بإجراء القسمة ان يضمنوا حكم التحكيم في القسمة البيانات الجوهرية المقررة في المادة (229) مرافعات التي نصت على انه: (يجب أن يشتمل الحكم على البيانات التاليــة
1- اسم المحكمة التي أصدرته وتاريخ الحكم ومكان إصداره .
2- أسماء القضاة الذين سمعوا المرافعة واشتركوا في المداولة .
3- اسم عضو النيابة الذي أبدى رأيه في القضية وطلباته ودفوعه إن كان طرفاً فيها.
4- أسماء الخصوم كاملة وصفاتهم وموطن كل منهم أو وكلائهم أو من تعينه المحكمة .
5- حضور الخصوم وغيابهم .
6- نوع القضية ورقمها ووقائع النزاع وطلبات الخصوم ودفوعهم وكامل أدلتهم وأسانيدهم القانونية والواقعية.
7- منطوق الحكم وأسبابه .
8- توقيع الكاتب وتوقيع هيئة المحكمة). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الثالث ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص425).
الوجه الخامس: حالات بطلان حكم التحكيم لإجراء القسمة:
طالما ان هناك إتفاق تحكيم صادر من الورثة المتقاسمين المحتكمين وطالما ان إجراءات التحكيم في القسمة قد انتهت بحكم تحكيم ، لذلك فان حكم التحكيم المتضمن إجراءات القسمة يخضع لإجراءات دعوى بطلان حكم التحكيم اذا توفرت في الحكم اية حالة من حالات بطلان حكم التحكيم المقررة في المادة.(53)تحكيم التي نصت على انه :( مع مراعاة أحكام هذا القانون لايجوز طلب إبطال حكم التحكيم إلا في الاحوال التالية:ـ
أـ إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أو انتهت مدته أو كان باطلا وفقا للقانون.
ب ـ إذا كان أحد أطراف التحكيم فاقد الأهلية.
ج ـ إذا كانت الإجراءات غير صحيحة.
د ـ إذا تجاوزت لجنة التحكيم صلاحياتها.
هـ ـ إذا تم تشكيل لجنة التحكيم بصورة مخالفة لاتفاق التحكيم.
وـ إذا لم يكن حكم التحكيم مسببا.
زـ إذا خالف حكم التحكيم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام وفيما عدا هذه الاحوال والأحوال المبينة في هذا القانون فان أحكام التحكيم التي تصدر وفقا لهذا القانون لايجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية)، وفي هذا السياق نصت المادة(55)تحكيم على انه: (يجوز لمحكمة الاستئناف أن تحكم ببطلان حكم التحكيم حتى ولو لم يطلب منها ذلك في الاحوال التالية:ـ
أ- إذا صدر الحكم في مسألة لا تقبل التحكيم.
ب- إذا تضمن الحكم ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام(.
الوجه السادس: بطلان حكم التحكيم في القسمة لا يتبعض:
من المقرر في الفقه والقضاء ان حكم التحكيم لا يتبعض ، فمحكمة الاستئناف عند نظرها لدعوى بطلان حكم التحكيم في القسمة تكون امام خيارين لاثالث لهما ، اما ان ترفض دعوى البطلان فيكون حكم التحكيم صحيحا بكل فقراته واما ان تقبل دعوى البطلان فيكون حكم التحكيم باطلا بكل فقراته.
وتطبيقا لهذا المفهوم فقد قضى الحكم محل تعليقنا بقبول دعوى بطلان حكم التحكيم في القسمة وإبطال كل اجراءات القسمة مثل الحصر والتثمين مع انهما كانا صحيحين تم إجراؤهما بموافقة جميع الورثة ، بخلاف الحال لو كانت القسمة بالتراضي فيما بين الورثة انفسهم أو كانت القسمة جبرية بنظر القضاء فان البطلان يتبعض في هاتين الحالتين. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م،ص 86)، والله اعلم.

تعليقات
إرسال تعليق