ورقة الضد في القانون اليمني
ورقة الضد في القانون اليمني
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
ورقة الضد من أهم وسائل دحض صورية العقود والتصرفات ، لأن ورقة الضد تثبت حقيقة التصرف أو التصرف الحقيقي الذي يستره التصرف الصوري الظاهر، وعلى هذا الأساس يقرر فققهاء الشريعة الاسلامية جواز ورقة الضد ،لانها تكشف وتظهر الارادة الحقيقية لاطراف التصرف.
اما بالنسبة للصورية في العقود والتصرفات فهي محل خلاف في الفقه الاسلامي ، تبعا لخلاف الفقهاء بشان تصرف الهازل وبيع التلجئة، فقد ذهب جماعة كثيرة من الفقهاء الى ان الصورية في التصرفات جائزة إذا كان الغرض منها حفظ المال المشروع من المصادرة أو او الغصب أو الاعتداء عليه، ولاتجوز في غير هذه الأحوال سيما إذا كان الغرض منها الحيلة للتهرب من الإلتزامات الشرعية والقانونية والعقدية، وقد اخذ القانون المدني بهذا القول.
والتصرفات المكتوبة الظاهرة في القانون هي المعتبرة والمعتمدة وهي الصحيحة التي بعمل بموجبها، فعلى من يدعي أن هذه التصرفات الظاهرة (صورية) أي غير حقيقية وانها تخفي تصرف مستور أو خفي فعليه إثبات ذلك ، فعليه ان يقدم الوثيقة أو الورقة التي تدل على صورية التصرف وهي مايطلق عليها (ورقة الضد).
فاذا قام الخصم بتقديم ورقة الضد فانه يجب على محكمة الموضوع أن تدرس هذه الورقة وأن تحققها وتناقشها في اسباب حكمها ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠/٣/٢٠١٤م في الطعن رقم (٥٤٣٧٨)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار إليه: (وحيث أن الطاعن كان قد ادعي في الجلسة بتاريخ..... الخ صورية سند القبض المورخ....وذلك بمبلغ ... والمقيد في اخر قيد في كشف حساب مؤسسة.....، وقد قدم الطاعن وثيقة بخط المطعون ضدها وتوقيعها وختمها تفيد صورية ذلك السند ، وذكر الطاعن أن الشعبة قد اغلفت دليله على الصورية وحكمت عليه بالمبلغ المذكور في سند القبض الصوري المشار اليه ، وحيث أن محكمة الموضوع قد اغفلت دفاع الطاعن بشأن ذلك السند فلم تحقق الدليل المقدم منه وهو سند الضد ولم تفصح عن رايها فيه سلبآ أو إيجابا رغم أهميته وصلته بالكشف الذي استتندت اليه مما يستوجب قبول هذا السبب)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: معنى ورقة الضد:
ورقة الضد هي اهم وسيلة لكشف صورية العقد أو التصرف الظاهر، فهذه الورقة تثبت ان التصرف المعلن أو الظاهر تصرف غير حقيقي أو صوري وان التصرف الحقيقي هو الذي
فإذا ابرم شخصان عقدا ، واخفيا فيما بينهما حقيقة احد بنوده وذكرا فى العقد بديلا لهذا البند يختلف عما اتفقا عليه ، وحررا ورقة تتضمن البند الحقيقى الذى اخفياه للاستناد اليها لاظهار حقيقة اتفاقهما اذا ما نشب الخلف بينهما ، فأننا نكون بصدد عقد حقيقى ستره المتعاقدان فى الورقة التى ضمناها حقيقة ما اتفقا عليه وارادا الالتزام به ، وتسمى هذه الورقة فى الفقه القانوني” ورقة ضد ” لانها ضد البند الذى تضمنه العقد الذى اظهراه ، وتسمى هذه الورقة فى القانون ” العقد الحقيقى ” لتضمنها حقيقة ما تم الاتفاق عليه ، كما تسمى ” العقد المستتر” لانها تستر هذه الحقيقة ، اما العقد الذى تضمن غير ما أراده المتعاقدان فيسمى ” العقد الظاهر ” لانه الظاهر امام غير المتعاقدين باعتباره دالا على ما اتفقا عليه ، كما يسمى ” العقد الصورى ” لانه يخالف الحقيقة التى اتفق عليها المتعاقدان.
وقد يحدث أن يتفق طرفان على إخفاء علاقة تعاقدية بينهما وإفراغها في شكل ظاهر مختلف عما اتفق عليه، مثل: الاتفاق على إفراغ عقد الهبة في صورة عقد بيع. تعرف هذه الحالة باسم (الصورية المطلقة) ويظهر فيها الاتفاق المراد إفراغ العلاقة التعاقدية فيه أمام الناس وهو البيع والذي يعرف بالاتفاق الصوري ويكون هو العقد الظاهر، بينما يراد إخفاء علاقة تعاقدية أخرى وهي الهبة ويكون هذا هو العقد الحقيقي أو المستتر ويعرف عمليًا بورقة الضد.
ولم يتطلب القانون شكلًا معينًا تفرغ فيه ورقة الضد باعتبارها العقد الحقيقي الذي ارتضاه المتعاقدان ليحكم علاقتهما، فتطبق أحكام هذه الورقة أو العقد أيًا كان شكلها حتى لو كان العقد الظاهر رسميا؛ لأن الرسمية لا تؤدي إلى تطهير العقد مما علق به من شوائب، فيظل العقد الصوري صوريًا حتى بعد شهره أو إضفاء الرسمية عليه. ولكن وإن لم يلزم القانون أطراف العقد شكلًا معينًا تنعقد فيه ورقة الضد إلا أنه يلزم استيفاء الورقة للمتطلبات القانونية لشروط العقد الموضوعية دون الشكلية وإلا عد العقد باطلًا. فإن أفرغ عقد الهبة في ورقة ضد وجب استيفاء الشروط الموضوعية لعقد الهبة بأن يكون الواهب أهلًا للتبرع وأن يقبل الموهوب له الهبة وتسري كافة أحكام الهبة على هذه الورقة. ولا شأن لها بالورقة الحقيقية التي ستظهر أمام العامة.
ونخلص من هذا الوجه إلى القول ان ورقة الضد ماهي إلا وسيلة كتابية لدحض التصرف الصوري وإثبات التصرف الحقيقي ، ولذلك فهي وسيلة إثبات مزدوجة، ولاشك أن ورقة الضد هي افضل وسيلة لإثبات التصرف الحقيقي. (الوسيط في شرح القانون المدني – نظرية الالتزام بوجه عام ، المرحوم العلامة الدكتور : عبد الرزاق السنهوري: ص 1076).
الوجه الثاني: التلازم بين الصورية ورقة الضد:
المطالع للمصنفات الفقهية والقانونية يلاحظ ان المؤلفين يتعرضوا لورقة الضد ضمن كتاباتهم عن الصورية ، على اساس ان ورقة الضد وسيلة لإثبات صورية العقد الظاهر وحقيقة العقد المذكور في ورقة الضد باعتبار وثيقة الضد هي الوسيلة الفضلى لإثبات الصورية، فورقة الضد وسيلة مضمونة لكشف الصورية وإثبات التصرف الحقيقي.
الوجه الثالث: نطاق عمل ورقة الضد في إثبات الصورية :
التصرف أو العقد الصوري قد يكون صوريا بجميع بنوده (الصورية المطلقة)،وقد تقتصر الصورية على بعض بنود العقد كالثمن أو اطراف العقد ...الخ(الصورية النسبية).
وبما ان دور ورقة الضد هو كشف صورية التصرف فانها تكشف الصورية في التصرف كاملا أو في بعض بنوده.
كما ترد الصورية على أحد بنود العقد كبند الثمن ، فانها ترد على اطراف العقد فتكون بصدد عقد تسخير أو عقد اعارة اسم ، كان يكون شخصا ممنوعا من التصرف فى القانون أو راغبا فى عدم اظهار اسمه فى تعامل معين ، فيستعير اسم شخص آخر ليظهر هذا الشخص كطرف فى هذا التعامل بدلا من المتعاقد الحقيقى الذى يحرر فيما بينه وبين هذا الشخص عقدا مستتر ” ، وقد ترد الصورية على العقد برمته فلا يكون هناك عقد أصلا .
وورقة الضد تدخل التصرف الصوري صورية مطلقة وهي الصورية التي تتناول العقد بأكمله، أي أن التـصرف موجـود أم غير موجود، فالصورية المطلقة هي تلك التي تتناول وجود العقد ذاتـه فيـكـون العقد الظاهر لا وجود له في الحقيقة، أما الصورية النسبية فهي التي لا تناول وجود العقد وإنما تتناول نوع العقد أو ركنا فيه أو شـرطـا مـن شروطه، أو شخص المتعاقدين.
وإذا كانت الصورية المطلقة هـي التي تتناول وجود العقد ذاته فهي تعني عدم قيام العقد أصلا فـي نيـة عاقديه .
فالصورية المطلقة تتناول العقد ذاته، فيكون العقد الظاهر لا وجود له في الحقيقة ولا تتضمن الورقة المستترة عقدا آخر حقيقيا يختلف عن العقد الظاهر، بل تقتصر هذه الورقة على تقرير أن العقد الظاهر أنمـا هو عقد صوري لا وجود له.
مثال ذلك شخص يريد أن يتـوقـي مـن دائنيه أن ينفذوا على شيء يملكه، ويكتبان بالبيع عقدا ظهرا أو يكتبـان بالبيع عقدا ظهرا أو يكتبان في الوقت ذاته سندا مستترا يذكران فيه أن البيع لا حقيقة له وهذا السند المستتر هو ورقة الضد على أنه قد يكون الصورية المطلقة أغراض أخرى غير الإضرار بحقوق الدائن. فقد يتفق شخص من آخر ممن يلوذ به على أن يبيعه بيعا صوريا النصارب المالي المطلوب لمركز يرشح نفسه له مركز كعضوية مجلس نيابي أو امين شرعي أو نحو ذلك .
وإذا كانت الصورية المطلقة تتناول وجود التصرف ذاته ولا تخفي – تصرفا آخر، ومن شأنها إن صحت أن ينعدم بها وجود العقد في الحقيقة والواقع. فإن الصورية النسبية بطريق التستر تتناول نوع التـصرف لا وجوده والدفع بها يستهدف إعمال آثار العقد الحقيقي المستتر دون أثار العقد الظاهر، ومن ثم فإنهما تختلفان أساسا وحكما.
وكذلك تستعمل ورقة الضد لدحض التصرف الصوري صورية نسبية ،فالصورية النسبية هي التي لا تتناول وجود العقد وإنما تتناول نوعه أو ركنا فيه أو شرطا من شروطه أو شخص المتعاقدين أو التاريخ الذي أعطى له بقصد التحايل على القانون بما مؤداه أن الصورية النسبية لا تنتفى بانتقاء الصورية المطلقة لاختلافهما أساسا وحكمـا. والـصورية النسبية تختلف عن الصورية المطلقة في أن الصورية المطلقـة تنفـي وجود التعاقد موضوع العقد الصوري،
أما في الصورية النسبية فتوجد علاقة بين المتعاقدين في العقد الصوري نسبيا، ولكن جانب مما حـواه العقد هو جانب مخفي في التعاقد تتخذ الصورية النسبية العديد من الصور، فقـد تكـون صـورية بطريق التستر، فالصورية بطريق التستر تتناول نوع التصرف، لا وجوده، والدفع بها يستهدف إعمال أثار العقد الحقيقي المستتر دون أثار العقد الظاهر .
” ويقصد بالصورية النسبية أخفاء حقيقة التصرف المعقـود بـين الطرفين، أي حقيقة ما أقيم عليه التعاقد، كأن يكون العقد الهبة وحررفي صورة عقد بيع ظاهر بقصد التهرب من أحكام الرسمية الخاصة بالعقود،أو أن تكون الصورية متمثلة في صورة بيع متمثل في صورة هبة بقصد حرمان الشفيع من طلب الشفعة، وقد يكـون الغـرض مـن الصورية هو ستر السبب الحقيقي للتصرف، كأن يكتب شخص سندا أو ايصال أو ورقة تجارية على نفسه بدين لآخر بادعاء أنه ثمـن لـشيء اشتراه وهو في الحقيقة قرض بربا غيرجائز شرعا أو أن يحرر التعاقد في صورة وصية وهو في حقيقته عقد بيع، حتي لا يعلق نفاذها فيما زاد علي ثلث التركة علي إقرار الورثة.
الوجه الرابع: من الذي يتمسك بورقة الضد:
الاصل ان الذي يطلب كتابة ورقة الضد هو الشخص المتضرر من وجود التصرف الظاهر أو الصوري، فهذا الشخص هو الذي تم إعداد ورقة الضد لحمايته، ومن هذا المنطلق فانه يجوز لكل من يتضرر من العقد أو التصرف الصوري ان يتمسك بورقة الضد.
ويمكن تلخيص ذلك على النحو الاتي:
أولًا: ورقة الضد بين المتعاقدين أنفسهم وخلفهم:
لا تعتبر الصورية من أسباب البطلان ، فالأصل أن يعتد بالعقد المستتر دون الحقيقي. وذلك لأن جوهر التصرف القانوني هو اتجاه الإرادة إلى إحداث أثر قانوني ومقتضى ذلك أن تكون العبرة بما تتجه الإرادة اتجاهًا جديًا لا صوريًا. فتكون العبرة بما اتفق عليه الطرفان وقصدا تحقيق أثره لا ما أظهراه أمام الناس. ولذا يتحقق في حق أطراف العقد وخلفهم الاتفاق الحقيقي المستتر دون الآخر الظاهر أمام الناس الذي يخفي حقيقة التعامل، وفي هذا المعنى فقد صرحت المادة (245) من القانون المدني المصري والمادة (190) من نظام المعاملات المدنية ان الاعتداد بالعقد الحقيقي أو ما يعرف عمليًا بورقة الضد، دون أن يكون هناك أي أثر للعقد الظاهر ذلك أن نية المتعاقدين انصرفت إلى تحقيق هذه النتيجة وهي التقيد بالعقد المستتر فهو الجدير وحده بالاعتبار دون غيره. ويقصد بالخلف هنا الخلف العام، أي: الوارث والموصى له بحصة شائعة.
اما القانون المدني اليمني فلاتكون العبرة بالعقد الحقيقي الا إذا الغرض من الصورية الحيلة فقد نصت السياق نصت المادة (183) مدني على أن (كل عقد قصد به الحيلة لإخفاء عقد حقيقي فالعبرة بالعقد الحقيقي صحة وبطلانا).
ثانيًا: دائني المتعاقد والخلف الخاص :
نظرًا لوجود أطراف قد لا تعلم بحقيقة التعاقد وسعيًا لاستقرار المعاملات قررت القوانين المدنية حكمًا خاصًا بدائن المتعاقد والخلف الخاص متى كانوا حسني النية وهو: حقهم في التمسك بالعقد المستتر أو بصورية العقد، متى اقتضت مصلحتهم ذلك، ولهم في ذلك أن يثبتوا بجميع الوسائل صورية العقد الذي أضر بهم. فالخلف الخاص ودائن المتعاقد بالخيار بين التمسك بالعقد الظاهر أو التمسك بالعقد المستتر متى كان حسن النية واقتضت مصلحته ذلك وكان في إمكانه إثبات حقيقة التعاقد.
وفي هذا الشان نصت المادة(367) مدني يمني على انه :(اذا قصد المدين الاضرار بدائنيه بان تبرع بماله او تصرف فيه متواطئا مع المتصرف اليه بعوض يقل عن ثمن المثل وادى ذلك الى اعساره فان تصرفه يعتبر موقوفا على اجازة دائنيه الذين تضرروا منه ويكون للمتصرف اليه اذا اراد نفاذ التصرف ان يودع بنظر القاضي ثمن المثل وقت التصرف او ما يكمله بحسب الاحوال وتنتقل حقوق الدائنين على المال المودع).
وفي هذا السياق نصت المادة (244) من القانون المدني المصري، والمادة (189) من نظام المعاملات المدنية على أنه: (لدائني المتعاقدين وللخلف الخاص متى كانوا حسني النية أن يتمسكوا بالعقد المستتر)، وزاد نظام المعاملات المدنية عبارة (العقد الصوري)، خلافًا للقانون المدني المصري الذي تفهم عبارته من فحوى النص دون لفظه ومن مذكرته الإيضاحية.
ويكفي جهله بصورية التعاقد وقت تعامله حتى لو علم بها بعد ذلك. ويفترض في الغير حسن النية وهو عدم علمه بالعقد المستتر وعلى من يدعي عكس ذلك إثباته. وإذا عجز عن إثبات صورية العقد وجب الأخذ بظاهر نصوص العقد الذي يعد حجة عليه، وفق قضاء محكمة النقض المصرية.
ثالثًا: تعارض مصالح الأغيار فيتمسك بعضهم بالعقد الظاهر والبعض الآخر بالعقد المستتر
في هذه الحالة تكون الأفضلية للأولين، وهم من يتمسكون بالعقد الظاهر، ويكون هذا لاعتبارات تتعلق باستقرار التعاملات. ويقصد بالغير في الصورية: كل من يكن طرفًا بشخصه أو بنائب عنه في التصرف الصوري، أو هو من يكسب حقه بسبب يغاير التصرف الصوري. نقض 17/1/1978. طعن 779. س43. ونقض 29/11/1981. طعن 489. س48ق. كما قررت محكمة النقض أيضًا أن الغير في الصورية -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة-: كل ذي مصلحة ولو لم يكن طرفًا في العلاقة المطعون عليها بالصورية، ويحق لهذا الغير إثبات صوريتها إضرارًا بحقوقه، وذلك بجميع طرق الإثبات القانونية. نقض 18/7/1990. طعن 3618. س59ق. نقض 26/3/1980. طعن 191. س46ق.) ورقة الضد في ضوء القانون المدني المصري ونظام المعاملات المدنية ، منشور في موقع شركة قوام القانونية المحاماة).
الوجه الخامس: وقت كتابة ورقة الضد:
الاصل ان يتم تحرير ورقة الضد في الوقت الذي يتم فيه إبرام التصرف أو العقد الصوري حتى لايقع الضرر من التصرف أو العقد الصوري إذا كان نافذا من وقت ابرامه ، إلا أنه يجوز كتابة ورقة الضد بعد ابرام التصرف. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل العقود،ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2023م، ص317).
الوجه السادس: العقود والتصرفات التي يعمل فيها بورقة الضد:
طالما انه من الممكن ان تدخل الصورية في كل العقود والتصرفات ، وطالما أن ورقة تتلازم مع الصورية اذا اراد المتصرف أو المتعاقد إثبات الصورية ، لذلك فان ورقة الضد تدخل في كل العقود والتصرفات عدا العقود والتصرفات المستثناة.
فالأصل أن ترد ورقة الضد على كافة العقود والتصرفات القانونية فتكون هذه الورقة هي العقد الحقيقي بين أطراف العقد وخلفهم فتخضع علاقتهم التعاقدية له، ولكن قد يقيد هذا الأصل بنص تشريعي، فيصبح في هذه الحالة العقد الظاهر هو الحقيقي دون الاعتبار بالعقد المستتر. مثال ذلك: الزواج والطلاق والرجعة، ومثل ذلك أيضا نص المادة 91 من قانون الشركات المصري لسنة 1981 من أن: (تكون باطلة ولا يعتد بأوراق الضد التي تصدر بسبب تطبيق أحكام هذه المادة).
الوجه السابع: ورقة الضد في الفقه الاسلامي:
سبق القول ان ورقة الضد من أهم وسائل دحض صورية العقود والتصرفات ،لأن ورقة الضد تثبت حقيقة التصرف أو التصرف الحقيقي الذي يستره التصرف الصوري الظاهر، وعلى هذا الأساس يقرر الفقهاء جواز ورقة الضد لانها تكشف وتظهر الارادة الحقيقية لاطراف التصرف.
اما بالنسبة للصورية في العقود والتصرفات فهي محل خلاف في الفقه الاسلامي ، فقد ذهب جماعة من الفقهاء الى انها جائزة إذا كان الغرض منها حفظ المشروع من المصادرة أو غصبه أو الاعتداء عليه ولاتجوز في غير هذه الأحوال ، وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية :
إذا أظهر العاقدان عقدا في الأموال , وهما لا يريدانه , أو ثمنا لمبيع وهما يريدان غيره , أو أقر أحد لآخر بحق وقد اتفقا سرا على بطلان ذلك الإقرار الظاهر , فقد قال بعض الفقهاء , كالحنابلة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن : ان الظاهر باطل . وقال بعضهم كأبي حنيفة والشافعي : الظاهر صحيح , وقد فصل ذلك الفقهاء في كتاب البيوع عند كلامهم على بيع التلجئة , وسمى المعاصرون هذا العقد الظاهر بالعقد الصوري.
ويطلق الفقهاء على البيع الصوري - بيع التلجئة -وهو بيع باطل عند كثير من فقهاء الزيدية وهو قول مذهب الحنفية والحنابلة و، وهناك من الفقهاء من يناقشه عند عرض بيع الهزل ، والظاهر أن القانون اليمني يقرر ان احكام بيع الهازل تسري على البيع الصوري.
وقد جاء في الفتاوى الهندية: التلجئة هي العقد الذي ينشئه لضرورة أمر فيصير كالمدفوع إليه وأنه على ثلاثة أضرب، أحدها: أن تكون في نفس البيع وهو أن يقول لرجل: إني أظهر أني بعت داري منك وليس ببيع في الحقيقة ويشهد على ذلك ثم يبيع في الظاهر فالبيع باطل. اهـ.
وفي كشاف القناع: وشروط البيع سبعة أحدها: التراضي به منهما ما لم يكن بيع تلجئة بأن يظهرا بيعا لم يريداه باطنا بل أظهراه خوفا من ظالم ونحوه، فالبيع إذن باطل حيث تواطآ عليه. اهـ.
لأن الأصل أن أمور المسلمين محمولة على الصحة، وما دام هذا المدير نافذ التصرف ولم يقم شركاؤه بمنعه من التصرف فالظاهر أنه يتصرف فيما هو مأذون له فيه، والأحكام إنما تجرى على الظاهر.
والصورية في مفهوم الفقه الاسلامي متعلقة بمفهوم الرضا والاختبار في صيغة العقد أو التصرف(الايجاب والقبول)، فجمهور الفقهاء يذهبوا الى ان الرضا والاختيار شئ واحد ، وهو ارادة المتصرف الى انشاء التصرف وإحداث الاثر المترتب على التصرف ، في حين يفرق الحنفية بين الرضا والاختيار في صيغة التصرف (الايجاب والقبول) ،فالارادة عند الحنفية لاتكون كاملة إلا إذا وصلت الى مرحلة الرضا باثار العبارة المظهرة للارادة اما مجرد إختيار العبارة فلايكفي، فالحنفية يفرقون بين إرادة التعبير (التلفظ) وهو الاختيار عندهم وبين إرادة الاثر أي الرضا. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2021م، ص85(
الوجه الثامن: ورقة الضد في القانون المدني اليمني:
اشار القانون المدني مجرد إشارة الى ورقة عندما نص ان سبب العقد هو السبب المذكور في صيغة العقد الظاهر الا إذا تم إثبات خلاف ذلك، بمافي ذلك الإثبات عن طريق ورقة الضد ، وفي هذا المعنى نصت المادة(197) مدني على أنه :(يعتبر السبب المذكور في العقد هو السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على ما يخالف ذلك، فاذا قام الدليل على صورية السبب فعلى من يدعي ان للالتزام سببا اخر مشروعا ان يثبت ما يدعيه) ، وفي هذا السياق نصت المادة (183)على أن (كل عقد قصد به الحيلة لإخفاء عقد حقيقي فالعبرة بالعقد الحقيقي صحة وبطلانا).
وقد ذهب القانون المدني اليمني الى أن عقد الهازل يكون عقدا صوريا، وفي هذا الشان نصت المادة(182) مدني على ان(حكم الهزل ما هو منصوص عليه في الفقرات التالية:-
ا-اذا انصب قول الهازل على ما لا يمكن نقضه صح ذلك في الطلاق والنكاح والرجعة.
ب-الهزل في الاختبارات العامة يبطلها.
ج-اذا كان المتعاقدان هازلين في عقد يقبل النقض كان العقد صوريا واذا تصرف من صار اليه الى من لا يعلم بالهزل فللمتصرف اليه ان يتمسك بالعقد الى ان يقوم الدليل على هزليته فيكون له الرجوع على الهازلين بالتعويض لما لحقه من ضرر وغرامة ما لم يثبت ان المتصرف الاول كان حسن النية فيكون الرجوع على المتصرف الثاني وحده).
وفي هذا السياق نصت المادة (183)على أن (كل عقد قصد به الحيلة لإخفاء عقد حقيقي فالعبرة بالعقد الحقيقي صحة وبطلانا).
وقد صرحت المادة مادة(369)مدني على انه تنطبق على التصرف الصوري أحكام تصرف الهازل فقد نصت هذه المادة على ان (تتبع بالنسبة لتصرف الهازل او الصوري الاحكام المنصوص عليها في هذا القانون في المواد (182) وما بعدها).
وقد صرح القانون المدني أنه إذا كان الغرض من الصورية الحيلة فان العبرة بالعقد الحقيقي ، وفي هذا المعنى نصت المادة(183) مدني على أن (كل عقد قصد به الحيلة لاخفاء عقد حقيقي فالعبرة بالعقد الحقيقي صحة وبطلانا).
واذا كان الغرض من الصورية هو إضرار المدين بدائنيه فان العقد الصوري لايصح إلا اذا اجازه الدائنون ، وفي هذا الشان نصت المادة(367) مدني على انه :(اذا قصد المدين الاضرار بدائنيه بان تبرع بماله او تصرف فيه متواطئا مع المتصرف اليه بعوض يقل عن ثمن المثل وادى ذلك الى اعساره فان تصرفه يعتبر موقوفا على اجازة دائنيه الذين تضرروا منه ويكون للمتصرف اليه اذا اراد نفاذ التصرف ان يودع بنظر القاضي ثمن المثل وقت التصرف او ما يكمله بحسب الاحوال وتنتقل حقوق الدائنين على المال المودع).
وقد نظمت ورقة الضد المادة (190) من نظام المعاملات المدنية السعودي التي نصت على أنه: (إذا ستر المتعاقدان عقدًا حقيقيًا بعقدٍ ظاهر فالعقد النافذ بين المتعاقدين والخلف العام هو العقد الحقيقي).(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص341).
الوجه التاسع: المانع الادبي من كتابة ورقة الضد:
الغرض من كتابة ورقة الضد هو دحض التصرف الصوري الظاهر وإثبات التصرف الحقيقي المستور ، وبناء على ذلك فانه يجب على المتمسك بالعقد أن يقدم ورقة الضد اذا كان التصرف الصوري مكتوبا ، لأن ماثبت كتابة لايدحض الا كتابة ، ومع ذلك فان الفقه العربي يذهب الى انه اذا كان هناك مانع أدبي قد جعل المتمسك بالعقد الحقيقي يتحرج من مطالبة الطرف الاخر بكتابة ورقة الضد فانه يحق للمتمسك بالعقد الحقيقي ان يثبته بغير ورقة الضد أي بغير الكتابة .
وليس هناك معيارا محددا لتحديد المانع الادبي في هذه المسألة وانما للقاضي السلطة التقديرية في تقدير وجود المانع الادبي من عدمه بحسب ظروف كل واقعة على حدة، وقد قضت محكمة النقض المصرية بان (صلة القرابة والمصاعرة مهما كانت درجتها لاتعتبر مانعا ادبيا يحول دون الحصول على سند كتابي ولكن المرجع في ذلك هو ظروف الحال التي تقدرها محكمة الموضوع بغير معقب عليها متى كان هذا التقدير قائما على أسباب سائغة.(21/12/1976م،س27،ص1801).
ويعتبر المانع أدبيا إذا كانت ظروف التعاقد أو الصلات التي كانت تربط المتعاقدين وقت التعاقد لم تـسمـح مـن الناحيـة الأدبيـة لأحد المتعاقدين باقتضاء كتابة من المتعاقد الآخر. وتكون الاستحالة في هذه الحالة استحالة باطنية أو نفسية لا استحالة مادية أو خارجية كمـا في الموانع المادية، ولذلك يكون تقديرها أكثر صعوبة من تقدير الاستحالة الناشئة عن الموانع الأدبية.
إذ يقتضي تحري أثر الظـروف المحيطة بالتعاقد في نفس المتعاقد لإمكان القول بأنه بلغ حدا كان يستحيل معـه أدبيا علي المتعاقد أن يأخذ كتابة ممن تعاقد معه،
وبديهي أن هذا الأثـر النفسي يختلف من شخص إلى آخر فلا يمكن وضع ضوابط أو قواعـد لما يعتبر مانعا أدبيا، ومن الأمثلة التي اعتبرتها المحاكم في كثير مـن الأحوال موانع أدبية، وجود صلة نسب بين المتعاقدين، أو صلة زوجية أو مصاهرة، أو عقد خطبة، أو وكالـة مجانيـة، أو صـلة الطبيب بمريضه، أو الخادم بسيده، أو نفوذ كبير لأحد المتعاقدين بـين أهلـه وعشيرته يجعل من المستحيل علي من يتعاقدون معه أن يطلبـوا منه كتابة،
علي أن الأحكام لم تعتبر هذه الأسباب في ذاتها موانع أدبية بـل اعتبرتها كذلك بعد أن ثبت لديها من ظروف الدعاوى أن هذه الأسباب كان من شأنها فعلا في تلك الظروف أن تجعل مـن المـستحيل أدبيـا حصول المتعاقد كتابة ممن تعاقد معه، وقررت وجود، الرجوع في ذلك إلى كل حالة على حدة طبقا لظروف الحال التي تقدرها محكمـة الموضوع ، كذلك صلة الجوار بسل أن مجرد العـادة أو مركـز الشخص الاجتماعي قد يكون مانعا من الحصول على سند مكتوب.
وقد قضت محكمة النقض بأن النص في المادة 63 / 1 من قانون الإثبات رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٨ على أن ” يجوز كذلك الإثبـات بـشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بدليل كتابي إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابی …..”. وأن المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن تقدير المانع الأدبي هو ما تستقل بـه محكمـة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة، وأن صلة الزوجيـة
وإن كانت لا تعتبر بذاتها مانعا أدبيا يحول دون الحصول علـى سـند كتابي إلا أنه يتعين أن يرجع في ذلك إلى كل حالة علـى حـدة طبقـا لظروف الحال التي تقدرها محكمة الموضوع، وأن تقدير أدلة الصورية هو مما تستقل به محكمة الموضوع لتعلقه بفهم الواقع في دعوى الصورية متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة تكفي لحمله.
ولما كان وجود عقد مكتوب لا يمنع من قيام المانع الأدبي الـذي يحول دون الحصول على دليل كتابي إذا توافرت شروطه ، ومتى تحقق هذا المانع لدى العاقد الذي يطعن على العقد بالصورية فى دعوى الصورية فإنه يجوز لـه إثبات هذه الصورية بالبيئة والقرائن، وأنه وإن كان تقدير قيام المـانع الأدبي من الحصول على الدليل الكتابي اللازم لإثبات الصورية فـي الأحوال التي يتطلب فيها القانون هذا الدليل هو من الأمور التي يستقل بها قاضي الموضوع، إلا أنه يتعين عليه في حالة رفضه الـدفع بهذه الصورية فى دعوى الصورية أن يضمن حكمه الأسباب المسوغة لذلك.
التطبيق العملي في الإخلال بحق الدفاع لعدم الرد علي وجـود المانع الأدبي:
قضي بأنه لما كان البين من الأوراق أن الطاعن تمسك في دفاعه فى دعوى الصورية أمام محكمة الاستئناف بوجود مانع أدبي حال بينه وبين الحصول على دلیل كتابي يثبت صورية عقدى البيع المطلوب الحكم ببطلانهما كونـه زوجا للمطعون ضدها الأولى ووالد باقي المطعون ضـدهم وأن هـذه الرابطة كانت مانعا من الحصول على ذلك الـدليل وإذ أقـام الـحـكـم المطعون فيه قضاء بتأييد الحكم الابتدائي الصادر برفض دعوى الصورية على سند من أن الطاعن لم يقدم دليلا كتابيا يفيد صورية العقد مـن مثـار النزاع دون أن يعرض لدفاعه سالف الذكر
وحجب نفسه عـن إعمـال سلطته في تقدير الظروف التي ساقها الطاعن لقيام المانع الأدبي الـذي تمسك به وعن الإدلاء برأيه فيما إذا كانت رابطة الزوجيـة والقرابـة تعتبر مانعا له من الحصول على دليل كتابي وتمنح الطاعن الحق فـي إثبات الصورية بكافة طرق الإثبات، فإنه يكون مشوباً بالقصور في التسبيب بما يوجب نقضه.
إخلال بحق الدفاع وخطأ في تطبيق القانون في الدفع بوجـود مانع أدبى :
قضي بأنه إذ كان الثابت من الأوراق أن الطاعن قد تمسك فـي دفاعه أمام محكمة الاستئناف بأن عقد البيع المـؤرخ 14 / ٣ / ٢٠١٥ الصادر منه إلى المطعون ضده الأول هو عقد بيع صوري لأنه يخفــي رهنا وأنه حرر العقد ضمانا لمبلغ مالي اقترضه منه لتمويـل صـفقة تجارية،
ودلل على ذلك بأن الثمن المثبت بالعقد أنف البيان ثمن بخس لا يتفق والثمن الحقيقي لمنزل التداعي وأنه مازال في حيازته الفعلية على الطبيعة ولم يتسلمه المطعون ضده الأول ولم يحصل على ورقة ضـد لوجود مانع أدبي حال دون ذلك،
ولما كان دفاع الطاعن المتمثل في أن العقد لم يقتصد به البيع وإنما مقصودا به أن يكون ضمانا لسداد ديـن فيما بينهما مما يكون معه العقد صوريا صورية تدليسيه، وإذ قصد بـه إخفاء ما يشبه الرهن كما أنه يشكل في حقيقته بيع وفائي باطل قانونـا لأن الصورية النسبية التي تقوم على إخفاء الرهن وراء البيع تعد تحايلا على القانون يترتب عليه بطلان البيع طبقا للمادة 465 مـن القـانـون المدني،
ويجوز إثبات صوريته فى دعوى الصورية بكافة طرق الإثبـات ومنهـا البيئـة والقرائن وإذ طلب الطاعن إحالة دعوى الصورية إلى التحقيـق إلا أن الحكـم المطعون فيه أطرح هذا الدفاع على سند من أن الطاعن أحـد طرفـي العقد ولا يجوز له إثبات صوريته إلا بالكتابة ورغم كونه دفاع جوهري – لو صح – لتغير وجه الراي في دعوى الصورية فإن الحكم المطعـون فيـه كون قد شابه الفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع، والذي جـره إلى الخطأ في تطبيق القانون. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل العقود ، أ. د.عبد المؤمن شجاع الدين ،مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص141).
الوجه العاشر: نقض ورقة الضد:
إذا تم تحرير عقد صوري صورية مطلقة أو نسبية وتم تحرير ورقة ضده في نفس التاريخ أو في تاريخ معاصر بحقيقة التصرف وأقام المشتري دعوي بصحة ونفاذ العقد فقدم المدعي عليه ورقة الضد وطلب إعمال أثرها، فلا يجوز للمدعي أن ينقض ما جاء بورقة الضد إلا بدليل كتابي، إذ يتعين عليه أن يتقيد بالدليل الكتابي لإثبات عكسها باعتباره أحد طرفيها، وبالتالي لا يجوز له إثبات ما يخالفها بشهادة الشهود أو قرائن الأحوال، وذلك ما لم يكن التصرف الاصلي وبالتالي ورقة الضد قصد بهما التحايل علي القانون حينئذ يجوز الإثبات بكافة الطرق مهما كانت قيمة التصرف.
فلا يجوز أن ينقض ما جاء بورقة الضد إلا بدليل كتابي، إذ يتعين عليه أن يتقيد بالدليل الكتابي لإثبات عكسها باعتباره أحد طرفيها، وبالتالي لا يجوز له إثبات ما يخالفها بشهادة الشهود أو قرائن الأحوال، وذلك ما لم يكن التصرف الاصلي وبالتالي ورقة الضد قصد بهما التحايل علي القانون حينئذ يجوز الإثبات بكافة الطرق مهما كانت قيمة التصرف.
وفى هذا الشأن سبق لمحكمة النقض المصرية التصدي لمثل تلك الأشكالية حيث قضت بانه : (وحيث أن الحكم المطعون فيه وقد انتهي بحق إلي أن عبارات ورقة الضد - التي لم يتناولها الادعاء بالتزوير والموقع عليها بإمضاء الطاعنة معترف به منها - هذه العبارات صريحة في أن حقيقة العقد بيع وفاء، وكان لا يجوز الطاعنة أن تنقض ما هو ثابت بهذه الورقة إلا بالدليل الكتابي، وكانت المستندات التي قدمتها لا تحوي هذا الدليل - علي ما انتهي إليه الحكم المطعون فيه - فإنه إذ لم يعرض القرائن التي ساقتها الطاعنة لإثبات أن البيع بات وليس وفائيا أو لأقوال الشهود التي استندت إليها في إثبات ذلك. لا يكون مشوبا بالقصور ما دام الاثبات بالقرائن وشهادة الشهود غير جائز، نقض ١٩٦٨/٥/٣٠ سنة ١٨ الجزء الثاني ص ١٠٤٥.
وفى طعن أخر قضت لأنه : (اتفق شخصان لغرض ما علي إنشاء عقد بيع صوري يبقي تحت يد من صوراه مشتريا مقابل تسليمه زميله ورقة كاشفة عن الصورية. فغش أولهما الثاني بأن سلمه ورقة عليها توقيع باسمه لم يكتبه هو وإنما كتبه شخص آخر باتفاقه معه، وحصل هذا التسليم بعد أن وقع الثاني علي عقد البيع امام الموظف الرسمي، ثم طعن البائع بصورة العقد وبالغش في ورقة الضد، فحكمت المحكمة بجواز إثبات الغش بالبيت والقرائن ثم قضت بإبطال البيع. طعن المشتري في الحكم بأن الواقعة التي اعتبرتها المحكمة واعتمدت عليها، وهي تسليم ورقة الضد، قد حصلت بعد تمام عقد البيع مما ينفي قولها بأن التوقيع علي هذا العقد كان تحت تأثير الغش، كما أن المحكمة قد خالفت القانون إذ أجازت الإثبات بالبينة ضده علي أساس أن ورقة الضد تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة مع أنها لم تصدر منه، ومحكمة النقض رفضت الطعن لما تبينته من أن الأمر بالتحقيق لم يؤسس علي مبدأ الثبوت بالكتابة، بل كان لإثبات ما يجوز إثباته بالبينة وغيرها وهي وقائع الغش المدعاة، فلما ثبت لمحكمة الموضوع أن الغش قد وقع فعلا اعتبرت ما وقع من طرفي الخصومة عملية واحدة متصلة وقائعها بعضها ببعض، وأن الغش قد لابسها من بدئها إلي نهايتها مما لا عبرة معه بالوقت الذي سلمت فيه ورقة الضد، نقض ١٩٣٧/١١/١٨ مجموعة عمر جزء ٢ ص ١٩٩١.) . (دعوى الصورية في القانون المدني ، مكتب سعد فتحي للمحاماة مصر، منصة المحامي الرسمية)
الوجه الحادي عشر: الصورية بطريق المضاد ( ورقة الضد):
الصورية بطرق المضاد لا تتناول العقد أو نوعه، بـل ركنـا أو شرطا فيه كالبيع الذي يذكر فيه أقل أو أكثر مـن الـثمن الحقيقـي أو التغيير في تاريخ العقد، وذلك من أجل التخفيف من رسوم التسجيل في هذه الحالة الأولى ومنعا من الأخذ بالشفعة في الحالتين الأخيرتين وفي هذه الحالة من حالات الصورية يحتفظ المتعاقدان بسند مستتر هو ورقة الضد، يذكر فيه الثمن الحقيقي”فإذا أبرم شخصان عقدا أيا كان نوعه، وأخفيا فيما بينهما حقيقة أحد بنود العقد لحكمة بينهما، وذكرا في العقد بندا بديلا لهذا البند يختلف عما اتفقا عليه، وحررا فيما بينهما ورقة أو محرر تتضمن البنـد الحقيقـي الذي أخفياه في العقد الظاهر للاستناد إليها في إظهار حقيقة اتفاقهما في التعاقد إذا ما نشب خلاف بينهما، ففي هذه الحالة نكـون بصدد عقد حقيقي وهو العقد الأصلي ستر المتعاقدان أحد بنوده في الورقـة التـي ضمناها حقيقة ما اتفقا عليه وأرادا الالتزام به، فيما بينهما، وتسمى هذه الورقة من الناحية العملية ” ورقة ضد ” لأنها تضاد البند الذي تضمنه العقد الذي أظهراه.
وإذا كان العقد مكتوبا فلا يجوز له إثبات الصورية المطلقة بالكتابة أي بورقة الضد، وكانت ورقة الضد أو عقد الضد هـو العقد المستتر وهو عقد يكتب سرا بين المتعاقدين ليمحو أثر عقد ظـاهر أو يعدل فيه أو بعبارة أخرى ليمحو أثر العقد الظـاهر كليـا أو جزئيا ويكتب عادة في نفس الوقت الذي يكتب فيه العقد الظاهر وليس هنالك ما يمنع من كتابته بعده بما مؤداه أنه إذا لم يكن هناك اتفاق مادی بین العقدين وجب أن يكون هناك اتفاق ذهني.
وتطبيقا لذلك قضي بأن الوارث لا يعتبر في حكم الغيـر بالنسبة للتصرف الصادر من المورث إلى وارث آخر – وعلى ما جـرى بـه قضاء هذه المحكمة – إلا إذا كان طعنه على هذا التصرف هو أنه وإن كان في ظاهره بيعا منجزا إلا أنه في حقيقته يخفى وصية إضرارا بحثه في الميراث أو أنه صدر في مرض موت المورث فيعتبر إذ ذاك فـي حكم الوصية لأنه في هاتين الصورتين يستمد الوارث حقه من القـانون مباشرة حماية له من تصرفات مورثه التي قصد بها الاحتيـال علـى قواعد الإرث التي تعتبر من النظام العام.
أما إذا كان مبنى الطعن فـى العقد أنه صورى صورية مطلقة وأن علة تلك الصورية ليـست هـي الاحتيال على قواعد الإرث، فإن حق الوارث في الطعن في التصرف في هذه الحالة إنما يستمده من مورثه لا من القانون، ومن ثم لا يجـوز له إثبات طعنه إلا بما كان يجوز لمورثه من طرق الإثبات ولما كانـت الطاعنة قد طعنت بالصورية المطلقة على عقد البيع الرسمي المسجل – الصادر من المورث إلى المطعون عليها –
و دللت على تلك الصورية بقيام علاقة الزوجية بين البائع و المشترية ومــن أنها كانت عالمة بحصول التصرف الصادر إلى مورث الطاعنة منذ صدوره ولم تشر الطاعنة إلى أن هذا التصرف فيه مساس بحقها في الميراث، و دفعـت المطعون عليها بعدم جواز إثبات الصورية المطلقة إلا بالكتابة، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر، فإن النعي عليه بالخطأ في تطبيق القانون يكون غير سديد. (دعوى الصورية في القانون المدني ، مكتب سعد فتحي للمحاماة مصر، منصة المحامي الرسمية)
الوجه الثاني عشر: الطلب إحالة الدعوى للتحقيـق لإثبـات وجـود ورقـة الـضد جوهري:
الأصل أنه وإن كانت محكمة الموضوع غير ملزمة بإجابة الخصوم إلى ما يطلبونه من إحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات ما يجوز إثباتـه بشهادة الشهود، إلا أنها ملزمة إذا رفضت هذا الطلـب أن تبـيـن فـي حكمها ما يسوغ رفضه، وأنه يجوز إثبات الغش بطرق الإثبات القانونية كافة شاملة البينة،
ولما كان الطاعن قد أسس دفاعه أمام محكمة ثـاني درجة على ما هو ثابت من الأوراق من أن المطعون ضدها الأولـى تحصلت منه على ورقة الضد بطريق الغش حيث قدم الدليل على أنه لا قيود على إخراج النقود من إيطاليا وليس الأمر مرده كما زعمت أنـه أبرم معها عقد البيع موضوع الدعوى كي يتمكن من إخراج النقود مـن إيطاليا، وكان هذا منه فيما لو ثبت يشكل غشا يجوز إثباته بالبيئة فـإن الحكم المطعون فيه إذ أقام قضاءه بأن الطاعن لم يقدم دليلا كتابيا على زيف ورقة الضد ورفض طلب الإحالة إلى التحقيـق علـى قالـة أن الأوراق كافية لتكوين عقيدة المحكمة لا يواجه دفاع الطاعن آنف الذكر .
ولا يصلح ردا عليه على الرغم من أنه دفاع جوهري من شأنه لو ثبت أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى فيكون فضلاً عن خطئه في تطبيق القانون قد شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع بما يوجـب نقضه، ولذلك فقد قضى الحكم محل تعليقنا بنقض الحكم الاستئنافي لانه اغفل تمسك الطاعن بورقة الضد..
الوجه الثالث عشر: إسقاط ورقة الضد لا يمنع من الاستناد إلي حجج أخري لإثبات بطلان العقد:
لما كانت الصورية النسبية التدليسية التي تقوم على إخفـاء رهـن وراء البيع وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة تعـد تـحـايلا على القانون بما يترتب عليه بطلان البيع وللمتعاقد أن يثبت بكافـة الطـرق ومنها البينة والقرائن إن العقد لم يكن بيعا وإنمـا هـو علـى خـلاف نصوصه يخفي رهنا وأن ادعاء البائع بقاء العين المبيعة تحت يده برغم هذا البيع البات يعد في ذاته قرينة على قصد إخفاء الرهن يتعين معهـا على المحكمة أن تقول كلمتها – في هذا الصدد – لما كان ذلك،
وكـان الحكم قد التفت عن إجابة طلب التحقيق الذي تمسك به ورثـة البـائع (الطاعنون) للتدليل على أن عقد البيع في حقيقته يستر رهنا ولإثبـات بقاء العين المبيعة تحت يدهم ويد مورثهم اكتفاء منه بما أورده مـن أن تزوير ورقة الضد المؤرخة 1928/11/5 والتنازل عن التمسك بها يعد دليلا على صحة العقد المؤرخ ۱۹۲۸ رغم أن إسقاط ورقة الضد مـن أدلة الطاعنين على ما تضمنه من رهن مستور لا يستتبع إسقاط لكل من استندوا إليه من حجج أخرى لإثبات دعواهم بالتحقيق المطلوب الأمـر الذي يعيبه فضلا عن مخالفة القانون والخطأ في تطبيقـه بالقصور المبطل بما يوجب نقضه . (دعوى الصورية في القانون المدني ، مكتب سعد فتحي للمحاماة مصر، منصة المحامي الرسمية)، والله أعلم.

تعليقات
إرسال تعليق