مسئولية الشريك في الشركة العرفية
مسئولية الشريك في الشركة العرفية
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
تنشأ الشركة العرفية بحكم الواقع مثل إنتقال المؤسسة الفردية من مالكها المورث الى ورثته أو انتقال المتجر من مالكه الى ورثته وغير ذلك ، وقد تنشاء الشركة العرفية بموجب عقد بين الشركاء مكتوب أو غير مكتوب ، بيد أنه لا يتم تسجيل هذا العقد لدى الجهة المختصة (وزارة الإقتصاد أو وزارة الصناعة والتجارة)، كما ان الشركة العرفية لا تتخذ شكلاً من الأشكال القانونية المحددة في قانون الشركات اليمني (كالشركة المحدودة/ التضامنية/ المساهمة/...إلخ) ، ولذلك فان الشركة العرفية شركة غير نظامية فهي لاتتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة عن الشركاء فيها، ولذلك فان مسئولية الشركاء في الشركة العرفية مسئولية شخصية وتضامنية مثل مسئولية الشريك في شركة التضامن ، غير ان شركة التضامن تكون لها شخصية اعتبارية ولاتكون لها ذمة مالية مستقلة عن الشركاء فيها أما الشركة العرفية فلاتكون لها شخصية اعتبارية أو ذمة مالية ، وهنا تظهر خطورة الشراكة في الشركة العرفية، فالشركاء فيها يكونوا مسئولين مسئولية شخصية في اموالهم الخاصة عن ديون وحقوق الغير لدي الشركة العرفية.
وتباشر الشركة العرفية في غالب الأحيان أعمالاً تجارية مثلها في ذلك مثل الشركات التجارية النظامية، وتبعاً لذلك فإن الشركة العرفية تشابه الشركة التضامنية من حيث ان الشركاء في الشركة العرفية يكونوا مسئولون مسئولية شخصية اضافة إلى المسئولية التضامنية عن تصرفات الشركة العرفية والتزاماتها وديونها للغير ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 15-3-2009م في الطعن رقم (33037): فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم : (هذا وبإمعان النظر في ما ورد بملف القضية تجد الدائرة: أن الأدلة التي ساقتها المحكمة الابتدائية في أسباب حكمها من مستندات وشهادات كافية في إثبات الدين بذمة المدعى عليهما ، والذي لا ينكره المدعى عليه فلان بن فلان بل يقر به عليهما كشريكين متضامنين عن الديون الناتجة عن الشراكة التي ابانت إجراءات التصفية بين الطرفين صحة إستحقاق المدعي لما يدعيه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الاول: مفهوم الشركة العرفية وعلاقته بمسئولية الشركاء فيها:
الشركات النظامية هي الشركات التي يتم تأسيسها وفقاً لأحكام قانون الشركات اليمني ، وتتخذ الأشكال والمسميات المحددة للشركات في هذا القانون كالشركات ذات المسئولية المحدودة أو الشركات المساهمة أو الشركات التضامنية، ويتم تسجيلها لدى الجهة المختصة قانوناً ( وزارة الإقتصاد أو الصناعة والتجارة)، ويتم تأسيس هذه الشركات وتصفيتها وفقاً للإجراءات المقررة في قانون الشركات اليمني، وتخضع هذه الشركات لرقابة الوزارة المعنية حيث يتم تأسيسها أو تصفيتها بإشراف هذه الجهة المختصة.
وتتحدد مسئولية الشريك في الشركات النظامية بحدود مساهمته في راس مال الشركة باستثناء شركات التضامن التي يكون الشركاء مسئولون عن ديونها وحقوق الغير لديها مسئولية شخصية بالإضافة إلى المسئولية التضامنية، مع أن الشركة التضامنية لها شخصية اعتبارية ولكن ليس لها ذمة مالية مستقلة عن الشركاء فيها.
أما الشركة العرفية فهي شركة غير نظامية لاتتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة عن الشركاء فيها، ولذلك فان الشركاء في الشركة العرفية مسئولون مسئولية شخصية ومسئولية تضامنية عن تصرفات الشركة العرفية وحقوق الغير وديونهم لدى الشركة العرفية ، وبناء على ذلك فان وضع الشريك في الشركة العرفية يشابه الى حد ما وضع الشريك في شركات التضامن.
الوجه الثاني: مسئولية الشركاء في الشركة العرفية وفقاً لقانون الشركات اليمني:
نصت الفقرة (ج) من المادة (9) من قانون الشركات اليمني على أنه: (مع عدم الإخلال بما ورد في القوانين النافذة فإن كل شركة لا تتخذ أحد هذه الأشكال تعتبر باطلة ولا يجوز تسجيلها على أن يكون الأشخاص الذين تعاقدوا باسمها مسئولين شخصياً تجاه بعضهم ومسئولين شخصياً بالتضامن تجاه الغير عن الإلتزامات الناشئة عن هذا التعاقد) .
وقد كانت المادة (9) المشار اليها قد حددت أشكال الشركات القانونية النظامية ، وهي: شركات الأشخاص: وهي شركات التضامن وشركات التوصية البسيطة وشركة المحاصة، وكذا شركات الأموال وهي: الشركات المساهمة وشركة التوصية بالأسهم والشركة ذات المسئولية المحدودة، واشترطت المادة (10) شركات اشترطت أن يكون عقد الشركة مكتوباً بإستثناء شركة المحاصة.
ومن المعلوم ان الشركة العرفية لاتتخذ أي شكل من اشكال الشركات النظامية المقررة في قانون الشركات ،وبناءً على ذلك فإن الشركاء في الشركة العرفية يكونوا مسئولين مسئولية تضامنية فيما بينهم عن حقوق وديون الغير لدى الشركة العرفية، كما ان كل واحد من الشركاء في الشركة العرفية مسئول مسئولية شخصية في كل امواله عن حقوق الغير لدى الشركة اي أن أموال الشريك في الشركة العرفية تكون ضمانا عاما للوفاء بحقوق وديون الغير لدى الشركة العرفية، فلاتكون مسئولية الشريك في الشركة العرفية محدودة بحدود حصته أو مساهمته في راس مال الشركة العرفية .
فالشريك في الشركة العرفية مسئول مسئولية شخصية عن كافة الحقوق والإلتزامات المستحقة للغير بذمة الشركة العرفية سواءً أثناء قيامها أو عند تصفيتها أو بعد ذلك.
وبناء على ذلك فان مسئولية الشريك في الشركة العرفية كمسئولية الشريك في الشركة التضامنية، وسوف نعرض مظاهر مسئولية الشريك في الشركة العرفية في الاوجه المقبلة .(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٢٤).
الوجه الثالث: المسؤولية الشخصية للشريك في الشركة العرفية:
سبق أن ذكرنا ان قانون الشركات اليمني قد صرح بان اية شركة لاتتخذ الشكل القانوني للشركات المقرر في قانون الشركات فان المؤسسين لها يكونوا مسئولين مسئولية شخصية وتضامنية عن الديون والإلتزامات المترتبة عليها .
وذكرنا فيما سبق ان الشركة العرفية لاتتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة عن الشركاء فيها، ، وعلى ذلك فان مسئولية الشركاء في الشركة العرفية مماثلة لمسئولية الشركاء في شركة التضامن فتكون مسئولية الشركاء في الشركة العرفية مسئولية شخصية وتضامنية، فلاتختلف الشركة العرفية عن شركة التضامن الا ان شركة التضامن لها شخصية اعتبارية وليس لها ذمة مالية مستقلة عن الشركاء فيها في حين ان الشركة العرفية ليس لها شخصية اعتبارية وليس لها أيضا ذمة مالية مستقلة.
ويقصد بالمسؤولية الشخصية للشريك في الشركة العرفية مسؤوليته عن كافة ديون الشركة العرفية ، وذلك في كافة أموال الشريك الحاضرة والمستقبلية، كما لو كانت هذه الديون هي ديون الشريك الشخصية، فلا تتحدد مسؤوليته عن ديون الشركة بمقدار نصيبه أو حصته أو مساهمته في رأسمال الشركة العرفية، وإنما تتعدى هذه الحصة لتشمل ذمته المالية بأكملها أي على كافة امواله.
وبذلك تكون اموال الشريك في الشركة العرفية ضمانا عاما لدائني الشركة العرفية يتزاحمون عليه مع دائني الشريك الشخصيين، إضافة الضمان الخاص وهو اموال الشركة العرفية ذاتها.
ومبرر هذه المسؤولية الشخصية للشركاء أن الشركة العرفية ليس لها ذمة مالية مستقلة عن الذمم المالية للشركاء فيها ، وانه عندما تتصرف أو تتعامل الشركة العرفية مع الغير فانها تتعامل معه على هذا الاساس أي باسمها اوعنوانها الذي يشمل جميع الشركاء فيها ، فعند نشوء الشركة العرفية كأن كل شريك فيها قد تعهد شخصيا بالوفاء بالتزامات الشركة ، وأصبحت هذه الالتزامات عنصرا من عناصر ذمته السلبية، فيكون أمام دائن الشركة العرفية، والحال كذلك عدة مدينين،وهم جميع الشركاء كل شريك على حدة.
وتتسم مسؤولية الشركاء في الشركة العرفية بأنها مسؤولية شخصية مطلقة، حيث إن الشركاء يكونوا مسئولين عن كافة ديون والتزامات الشركة في أموالهم الشخصية، دون أن تنحصر مسئوليتهم في مقدار ما قدموه من حصص للشركة، وبذلك تماثل الشركة العرفية شركة التضامن ولكن مسئولية الشريك في الشركة العرفية تختلف عن مسئولية الشريك في الشركات المساهمة أو الشركات ذات المسؤولية المحدودة، لأن مسؤولية الشريك في هذه الشركات تقف عند حد مقدار الحصة أو المساهمة التي قدمها في الشركة أثناء تأسيسها أو لحظة انضمامه للشركة، فإذا تجاوزت الخسائر قيمة ما قدمه الشريك من حصة في رأس مال الشركة فلن الشريك يتحمل تكاليف إضافية. وهذا الأمر يختلف تماماً عن الوضع في الشركة العرفية أو شركات التضامن، بحيث يكون فيها الشريك مسؤول عن كافة ديون الشركة في أمواله الشخصية، مما يعني أنه إذا تجاوزت ديون الشركة قيمة رأس مالها فإن لدائنيها الحق في التنفيذ على أموال الشركاء لاقتضاء باقي ديونهم المستحقة في ذمة الشركة.
ومبدأ المسؤولية الشخصية غير المحدودة في الشركة العرفية وشركة التضامن مقرر لمصلحة الغير، وعلى ذلك يقع باطلاً في مواجهة الغير إتفاق الشركاء بتحديد مسؤولية الشريك بمقدار حصته في رأس المال أو بإعفائه من المسؤولية، ولكن يجب ملاحظة أن بطلان هذا الاتفاق يقتصر إعمال أثره في مواجهة الغير، في حين يكون هذا الاتفاق صحيحاً منتجاً لآثاره في مواجهة الشركاء، مما يترتب عليه أن يكون للشريك الذي وضع هذا الاتفاق لمصلحته أن يتمسك بمسئوليته المحدودة في مواجهة الشركاء، بحيث لا يسأل أمامهم سوى عن ديون الشركة في مقدار حصته.
ولما كان مبدأ المسؤولية الشخصية غير المحدودة شُرع حماية لمصلحة الغير – أي المتعاملين مع الشركة – فيكون لهم الحق في التنازل عن ذلك بأن يقبلوا بتحديد مسؤولية الشريك قبلهم. .(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٢٢).
الوجه الرابع: المسؤولية التضامنية للشريك في الشركة العرفية:
سبق القول أن قانون الشركات اليمني قد صرح بان اية شركة لاتتخذ الشكل القانوني للشركات المقرر في قانون الشركات فان المؤسسين لها يكونوا مسئولين مسئولية شخصية وتضامنية عن الديون والإلتزامات المترتبة عليها .
وكذا سبق أن ذكرنا ان قانون الشركات اليمني قد صرح بان اية شركة لاتتخذ الشكل القانوني للشركات المقرر في قانون الشركات فان المؤسسين لها يكونوا مسئولين مسئولية شخصية وتضامنية عن الديون والإلتزامات المترتبة عليها .
وذكرنا أيضا فيما سبق ان الشركة العرفية لاتتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة عن الشركاء فيها، ، وعلى ذلك فان مسئولية الشركاء في الشركة العرفية مماثلة لمسئولية الشركاء في شركة التضامن ، ومؤدى ذلك ان الشركاء في الشركة العرفية يكونوا مسئولين عن ديون وحقوق الغير لدى الشركة العرفية مسئولية تضامنية.
ويقصد بالمسؤولية التضامنية للشريك في الشركة العرفية أن لدائن الشركة أن يطالب أي شريك بكل الدين منفرداً، كما يجوز له أن يطالب الشركاء مجتمعين بالدين الذي له لدى الشركة العرفية.
وقد نص قانون الشركات على هذا التضامن عندما اعتبر الشريك في شركة التضامن ضامناً بأمواله الشخصية لجميع الديون والالتزامات التي ترتبت على الشركة أثناء وجوده شريكاً فيها، فالشركاء في الشركة العرفية يكونون مسؤولين بصفة شخصية وبوجه التضامن في جميع أموالهم عن التزامات وديون الشركة.
فالشركاء في الشركة العرفية كفلاء متضامنون عن ديون وحقوق الغير لدى الشركة العرفية أو شركة التضامن، لأن التضامن قائم بين بعضهم بعضا، وعليه لا يمكن تطبيق أحكام الكفالة العادية التي يمكن فيها للكفيل الدفع بالتجريد والتقسيم أي تجريد الشركة أو تقسيم الدين بين الشركاء.
وفي الواقع العملي فان الشريك في الشركة العرفية يقع تحت رحمة دائن الشركة ويتعرض لتعنت هذا الدائن وتعسفه ويرجع عليه أثناء رجوعه على الشركة، ولان الشركة العرفية ليس لها شخصية اعتبارية او ذمة مالية مستقلة عن الشركاء فيها ولذلك فان دائن الشركة لايستطيع مقاضاتها، ولذلك فانه يفضل مقاضاة الشركاء فيها.
وإذا كان أحد الشركاء معسراً، تحمل تبعة هذا الإعسار الشريك الذي أوفي الدين وسائر الشركاء الموسرين كل بقدر حصته، أي توزع حصة الشريك المعسر في الدين على باقي الشركاء حسب حصة كل واحد منهم في الدين.
والأصل أن الشريك يظل مسؤولاً عن ديون والتزامات الشركة العرفية أو شركة التضامن مسؤولية شخصية وتضامنية طالما احتفظ بصفته كشريك ، وتستمر هذه المسؤولية حتى بعد انقضاء الشركة وتصفيتها طالما لم تسقط دعاوى الدائنين بالتقادم .
وبناء على ما تقدم فان مسؤولية الشركاء في الشركة العرفية هي مسؤولية تضامنية، مما يؤدي إلى تمكن الغير من الرجوع على أي من الشركاء لمطالبته بكافة ديون الشركة، ولا يكون للأخير في هذه الحالة أن يتمسك في مواجهة الغير لا بالتجريد ولا بالتقسيم.
والتضامن بين الشركاء في الشركة العرفية يظل متحققاً ومعمولاً به حتى نهاية تصفية الشركة ،ولا يجوز للشركاء النص على استبعاد هذا التضامن في مواجهة الغير ، إذ أن الأمر متعلق بالنظام العام ومن ثم يقع باطلاً كل اتفاق يُخالف ذلك
ولكن تجدر الإشارة إلى أنه من الجائز أن يتم الاتفاق بين الشركاء على استبعاد هذا التضامن في مواجهة أحدهم، مما يؤدي إلى قصر مسؤولية هذا الشريك على مقدار حصته التي قدمها في الشركة، بحيث إذا ما أوفى بأكثر من هذا القدر لكان له الحق في الرجوع على باقي الشركاء بالقدر الزائد عن حصته التي قدمها للشركة لحظة تأسيسها أو لحظة انضمامه إليها.
ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن التضامن يكون قائما بين الشركاء جميعاً بغض النظر عن أوضاعهم في الشركة، حيث إنهم جميعاً مشمولين بهذا التضامن وليس فقط من وُكل منهم بالإدارة، فالشريك المدير يكون ملزما بالتضامن مع غيره من الشركاء عن كافة ديون الشركة التي ترتبت في ذمتها نتيجة التوقيع بعنوانها أو اسمها ، ولكن هذا الحكم لا ينطبق على المدير الغير شريك طالما لم يكن مسئولاً في مواجهة الغير مسؤولية شخصية.
وعلى الرغم من أن التضامن بين الشركاء في الشركة العرفية أو شركة التضامن مقرر بنص القانون إلا أنه تنطبق عليه الآثار الواردة في القواعد العامة والمتعلقة بأحكام التضامن من حيث إمكانية إلزام أي من الشركاء بجميع الديون المقررة في ذمة الشركة، وأنه إذا ما أوفى أحد الشركاء بهذا الدين فإن ذلك من شأنه أن يبرئ ذمة باقي الشركاء.
وكذلك يطبق في شأن هذا التضامن قاعدة وجود نيابة تبادلية بين الشركاء المتضامنين فيما ينفع لا فيما يضر، مما يعني مثلاً أنه إذا صدر حكم في مواجهة أحد الشركاء فإن آثار هذا الحكم لا تمتد إلى غيره من الشركاء، في حين أنه إذا كان هذا الحكم صادر لمصلحة أحد الشركاء فإن باقي الشركاء يكون لهم الحق في الاستفادة من هذا الحكم.
ولا يقتصر إعمال التضامن في العلاقة بين الشركاء فقط، بل يقوم هذا التضامن بين الشركاء والشركة، ويكون لذلك انعكاساته والتي تتمثل في عدم أحقية التمسك في مواجهة دائني الشركة من قبل أحد الشركاء بالتنفيذ بداية على أموال الشركة حيث يترتب على وجود مثل هذا التضامن حرمان الشركاء من التمسك في مواجهة أي من الدائنين بالدفع بالتقسيم أو التجريد.
إلا أنه يجب ملاحظة أن القضاء الفرنسي – وتبعه في ذلك القضاء المصري – قد استقر على أنه حتى يتمكن الدائن من التنفيذ على الشركاء فلا بد من تحقق شرطين وهما: الأول:إثبات أن الدين متعلق في ذمة الشركة بموجب حكم قضائي، والشرط الثاني سبق إنذار الشركة بالوفاء.
والواقع أن اشتراط هذين الشرطين لا يعني التزام الدائن بالتنفيذ على أموال الشركة أولاً، ولكن فقط كان ذلك من أجل الحيلولة دون تعنت الدائنين وتعسفهم المحتمل في مواجهة الشركاء وذلك حين يكون للشركة أمولاً تكفي للوفاء بديونها، ولكن يختار الدائن – تعسفاً – أن ينفذ على أموال أحد الشركاء.) مسؤولية الشركاء في شركة التضامن في النظام السعودي،الاستاذ/ أحمد منصور ، منشور في موقع حماة الحق للمحاماة).
الوجه الخامس: مسؤولية الشريك المنضم الى الشركة العرفية:
ذهب بعض الفقهاء : إلى أن مسؤولية الشريك، الذي ينضم إلى الشركة العرفية أو شركة التضامن بعد تكوينها، تكون مسؤولية شخصية وتضامنية عن كافة ديون الشركة حتى ما كان منها سابقاً من حيث نشوئه على انضمامه .
ويعللون ذلك بأن الديون السابقة على انضمام الشريك تكون قد نشأت في ذمة الشركة، ودخوله في هذه الشركة بمحض إرادته يمكن حمله على معنى قبوله الشركة بحالتها الراهنة، ومن جهة أخرى، فأن المسؤولية التضامنية عن ديون الشركة العرفية هي حكم ملازم حتماً لصفة الشريك فيها بغض النظر عما إذا كان هذا الشريك مؤسسا للشركة أو منضما إليها، وذلك لعموم النص الذي يقضي بأن مسؤولية الشريك في الشركة العرفية أو شركة التضامن عن ديون الشركة والتزاماتها تكون أثناء وجوده شريكا فيها.
وذهب آخرون إلى أنه إذا انضم أو دخل شريك جديد في الشركة العرفية، فإنه يكون مسؤولاً عن ديون الشركة الناشئة بعد تاريخ دخوله في الشركة، وبعبارة أخرى لا يكون الشريك الجديد مسؤولاً عن ديون الشركة السابقة لانضمامه، وإنما تقتصر مسؤوليته عن الديون التي تنشأ وقت اكتسابه صفة الشريك، وذلك تفاديا لشهر إفلاس هذا الشريك الذي يكتسب صفة التاجر، بسبب ديون لم يساهم بمشاركته في إدارة الشركة، في نشوئها، وقد اخذ قانون الشركات اليمني بهذا الراي حسبماه هو مقرر في الفقرة (٢)من المادة (٣٤)من القانون.
وبغياب أي اتفاق فإن مسؤولية الشريك المنضم عن ديون الشركة والتزاماته اللاحقة لانضمامه إليها تكون مسؤولية شخصية وتضامنية مع باقي الشركاء، وذلك بحكم القانون، و أي اتفاق يقضي بعدم مسؤولية الشريك الجديد عن ديون الشركة اللاحقة لدخوله في الشركة لا يحتج به في مواجهة الغير.
وبالمقابل يجوز الاتفاق على أن يكون الشريك الجديد مسؤولاً عن ديون الشركة السابقة على دخوله فيها، لأنه مثل هذا الاشتراط لا يعد مخالفة لنص آمر، وكذلك يزيد في ضمانة دائني الشركة ويحقق مصلحتهم، طالما ارتضى الشريك الجديد تحمل مثل هذه المسؤولية
مع مراعاة نص الفقرة (٢)من المادة (٣٤)من قانون الشركات اليمني فقد استقر الرأي فقهاً وقضاء على مسؤولية الشريك الذي ينضم إلى الشركة بعد تكوينها مسؤولية شخصية وتضامنية عن كافة ديون الشركة حتى ما كان منها سابقاً من حيث نشوئه على انضمامه، لأن مسؤولية الشريك عن ديون الشركة لا يعدو أن يكون حكم ملازما لصفة الشريك، دون الوضع في الاعتبار ما إذا كان هذا الشريك مؤسس للشركة أم منضم إليها.
وخلافاً لما سبق، فلا يوجد ثمة ما يمنع من أن يشترط الشريك عند انضمامه للشركة أن تقتصر مسئوليته عن الديون التي ستنشأ لاحقة لانضمامه دون أن يكون مسئولاً عن تلك الديون التي تكون قبل لحظة انضمامه للشركة. وهذا الشرط يكون له أثره في مواجهة الشركاء، بل وحتى في مواجهة الغير.
والعلة في سريان مثل هذا الشرط في مواجهة الغير ممن تعاملوا مع الشركة أن هؤلاء عندما تقدموا بمنح ائتمانهم للشركة لم يعولوا على وجود هذا الشريك لذا يكون له الحق في تقرير عدم مسئوليته في مواجهتهم عن الديون السابقة على انضمامه إلى الشركة.
الوجه السادس: مسؤولية الشريك المنسحب من الشركة العرفية:
من المسلم به أنه في حالة إنسحاب الشريك فان مسؤولية الشريك الشخصية والتضامنية تبقى قائمة عن الديون التي ترتبت في ذمة الشركة قبل وقوع هذا الانسحاب. أما بالنسبة لديون الشركة والتزاماتها التي نشأت بعد انسحابه، فلا يكون الشريك المنسحب مسؤولا عنها، لنشوئها بعد سقوط صفة الشريك عنه.
ويظل الشريك في شركة التضامن مسئولاً عن كافة ديونها – مع غيره من الشركاء – طوال فترة انضمامه للشركة، وفقا لما ورد في الفقرة (٢) من المادة (٣٥) من قانون الشركات اليمني.
الوجه السابع: مسؤولية الشريك المتنازل عن حصته في الشركة العرفية :
قد يتنازل الشريك في الشركة العرفية عن حصته لآخر بيد انه لايستطيع شهرهذا التنازل وفقا لقواعد الشهر المنصوص عليها في قانون الشركات لان الشركة العرفية غير مسجلة كشركة مع انها قد تكون مسجلة كمؤسسة فردية، ففي هذه الحالة يتم تطبيق الفقرة (٢) من المادة (٣٥)من قانون الشركات اليمني التي نصت على انه: ( يبقى الشريك المنسحب أو المتنازل مسؤولا عن الديون والالتزامات التي تحملتها الشركة قبل انسحابه أمام الغير مالم يوجد اتفاق بينه وبين الشركاء الباقين في الشركة والشريك المنظم حديثا وبين الدائنين على إبرائه من هذه الديون والالتزامات).
وعندئذ لا يسأل هذا الشريك عن الديون اللاحقة على تنازله وإنما يسأل عنها المتنازل له أي الشريك الجديد.
و يرى بعض الفقه القانوني أن التنازل عن الحصة لا يفيد حوالة الديون، وإنما يعني أن المتنازل له يحل محل المتنازل، في حقوقه والتزاماته، فتبرأ ذمة هذا الأخير من ديون الشركة دون ما حاجة إلى رضاء من جانب دائنيها.
ويذهب آخرون إلى تقرير مسؤولية المتنازل الشخصية والتضامنية عن هذه الديون حتى ولو كان قد اشترط على المتنازل إليه صراحة أن يحل محله في هذه الديون.
ومبرر ذلك أن التنازل ينطوي على حوالة للدين، ولا تسري هذه الحوالة على الدائن إلا إذا أقرها.
فإن حصل مثل هذا الإقرار برئت ذمة المتنازل عن الديون السابقة عن وقت تنازله وانتقل الالتزام بها إلى المتنازل له، وإن لم يقع هذا الإقرار ظلت ذمة المتنازل مشغولة بهذه الديون .
وعليه فإن أحكام حوالة الدين المنصوص عليها في القانون المدني في المواد هي التي تحكم أثر تنازل أحد الشركاء عن حصته تجاه دائني الشركة، وبالتالي لا تكون هذه الحوالة نافذة في حق الدائن إلا إذا أقرها فإذا لم يقع هذا الإقرار ظلت ذمة المتنازل مشغولة بهذه الديون.
كما يضمن المتنازل يسار المتنازل له وقت إقرار الدائن للحوالة، ما لم يتفق على غير ذلك .
فاللشريك الحق في أن يتنازل عن حصته للغير – إلا أن ذلك مقيد بضوابط وشروط معينة – ويكون لهذا التنازل أثره المتمثل في تقرير عدم مسئوليته عن كافة ديون الشركة، حيث يكون المسؤول في هذه الحالة هو المتنازل إليه.
إلا أن إعمال هذا الأثر منوط بعدم اعتراض دائني الشركة على مثل هذا التنازل خلال مدة أقصاها ثلاثين يوماً من تاريخ إبلاغهم بالتنازل، بحيث أنه إذا اعترض الدائنين على التنازل فإن ذلك سيؤدي إلى تقرير مسؤولية كل من المتنازل والمتنازل إليه عن كافة ديون الشركة وذلك بالتضامن بينهم.
ومرجع ذلك إلى أن تنازل الشريك عن حصته إلى الغير لا يعدو أن يكون حوالة دين، وحوالة الدين لا تسري في مواجهة الدائن إلا إذا أقرها، أما إذا رفضها فلا تكون سارية في مواجهته.) مسؤولية الشركاء في شركة التضامن في النظام السعودي، الاستاذ/ أحمد منصور ، منشور في موقع حماة الحق للمحاماة).
الوجه الثامن: إجراءات تصفية الشركة العرفية:
حدد قانون الشركات اليمني إجراءات تصفية كل نوع من الشركات النظامية أو القانونية السابق ذكرها كشركات المسئولية المحدودة والمساهمة والتضامنية...إلخ، ومن المعلوم أن الشركة العرفية شركة غير نظامية، ولذلك لم يتعرض القانون لإجراءات تصفيتها، وتبعاً لذلك فإن الشركاء في الشركة العرفية غير مقيدين بإتباع إجراءات معينة عند تصفية الشركة العرفية، ولا يخضعوا لرقابة وزارة الاقتصاد في هذا، إلا أن إجراءات تصفية الشركة العرفية تكاد لا تختلف عن إجراءات تصفية الشركات الأخرى، وتتلخص هذه الإجراءات في حصر وتحديد أصول أو أموال الشركة العرفية التي تحت يدها بالإضافة إلى حقوقها وديونها لدى الغير وحصر وتحديد الحقوق والالتزامات المقررة للغير بذمة الشركة العرفية وإستيفاء الديون المستحقة للشركة لدى الغير والوفاء بالحقوق والالتزامات المستحقة للغير بذمة الشركة، وفي ضوء ذلك يتم تحديد ناتج التصفية ، فإذا اسفرت هذه نتيجة التصفية عن وجود فائض أموال للشركة العرفية فأنه بعد تصفيتها يتم تقاسمها بين الشركاء بحسب حصة كل شريك في رأس المال، وكذلك الحال إذا اسفر ناتج التصفية عن وجود ديون متبقية للغير بذمة الشركة العرفية بعد تصفية الشركة العرفية فإن الشركاء في هذه الشركة يتحملوها بحسب حصة كل شريك في الشركة.
الوجه التاسع: تحمل الشركاء في الشركة العرفية لديونها الناتجة عن التصفية:
ذكرنا فيما سبق أن الشركة العرفية ليست شركة نظامية، فلم يتم إنشاؤها وفقاً لأشكال الشركات النظامية المحددة في قانون الشركات، وذكرنا أيضاً أن القانون التجاري اليمني قد صرح بأن الشركات التي لا تتخذ أي شكل من أشكال الشركات المحددة في القانون يكون مؤسسوها أو الشركاء فيها مسئولين عنها مسئولية تضامنية في أموالهم الخاصة، ومقتضى ذلك أنه إذا اسفرت نتيجة تصفية الشركة العرفية عن تبقي ديون بذمة الشركة العرفية فإن الشركاء فيها ملزمون بالوفاء بها من أموالهم الخاصة، فالشركة العرفية ليست شركة محدودة تكون مسئولة بحدود رأس مالها او بحدود أسهم أو حصص كل شريك، وإنما يكون الشركاء في الشركة العرفية مثل الشركاء في الشركات النظامية حيث تكون أموالهم الخاصة ضامنة لديون وحقوق الغير بذمة الشركة العرفية، وهذه هي خطورة الشركة العرفية. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١١١) والله اعلم.
.png)