مكونات إطمئنان القاضي لتقرير الخبير

مكونات إطمئنان القاضي لتقرير الخبير

 أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

مكونات إطمئنان القاضي لتقرير الخبير

 نصت المادة (175) من قانون الإثبات اليمني على انه: (تعتبر النتيجة التي توصل إليها الخبير أو الخبراء وتطمئن إليها المحكمة دليلا كاملا في المسائل التي يعينون فيها).

فهذا النص يصرح بان تقرير الخبير العدل يكون دليلا كاملا متى اطمئن اليه القاضي ، ولاريب أن إطمئنان القاضي: شعور نفسي يتولد في نفس القاضي نتيجة دراسته لتقرير الخبير في ضوء اوراق القضية.

وشعور القاضي بالاطمئنان لما ورد في تقرير الخبير، امر باطني لايدركه الا الله تعالى ثم القاضي نفسه المطمئن للتقرير ، في حين ان القضاء عماده الظاهر وليس الباطن ، ولذلك يجب على القاضي أن يفصح عن الاسباب والموجبات التي ولدت لديه الاطمئنان بماورد في التقرير.

ولاشك ان هناك مكونات خارجية ملموسة يبنى عليها القاضي إطمئنانه بالتقرير،مما يحتم عليه الافصاح عنها إذا ما اطمئن لتقرير الخبير حتى يقتنع الخصوم بسلامة هذا الاطمئنان وحتى تتمكن محكمة الطعن من بسط رقابتها على سلامة إستناد محكمة الموضوع الى تقرير الخبير واعتباره دليلا كاملا في القضية ، ولذلك فانه من المهم للغاية معرفة مكونات إطمئنان المحكمة لتقرير الخبير وإعتباره دليلا كاملا ، وقد اشار الى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 7/9/2014م، في الطعن رقم (55315) ،فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (اما قول الطاعن بان تقرير الخبير المحاسبي يعتبر من أدلة الإثبات فانه لاخلاف على ذلك إلا ان القانون قد ربط ذلك بإطمئنان المحكمة الى ذلك التقرير فالمادة (175). إثبات قد نصت على انه) تعتبر النتيجة التي توصل اليها الخبير أو الخبراء وتطمئن اليها المحكمة دليلا كاملا في المسائل التي بعينون فيها) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: معنى إطمئنان القاضي لتقرير الخبير العدل:

معنى ذلك إقتناع القاضي التام بصحة الراي أو النتيجة التي توصل اليها الخبير العدل لسلامة الاسس الفنية والواقعية والقانونية التي استند اليها الراي أو النتيجة وحيادية التقرير ووضوحه ومنطقيته مما جعل القاضي يقتنع بما ورد في التقرير ويطمئن اليه.

وإطمئنان القاضي لتقرير الخبير عبارة عن شعور نفسي داخلي يتولد في نفس القاضي نتيجة دراسة القاضي لتقرير الخبير واوراق القضية ، فهذا الشعور النفسي يخالج القاضي، فلا يستطيع الغير الوقوف عليه أو تلمسه.

الوجه الثاني: إطمئنان القاضي للتقرير يحول تقرير الخبير من مجرد قرينة الى دليل كامل في القضية!!!:

الاصل في الفقه الاسلامي والقانون ان تقرير الخبير العدل مجرد قرينة في الإثبات فلايكون هذا التقرير دليلا كاملا ، فلمحكمة سلطة تقديرية مطلقة في تقدير تقرير الخبير، فهي ليست مُقيدة به، ولها أن تأخذ به أو ترفضه أو تأخذ ببعضه وتطرح الباقي، مع وجوب ذكر الأسباب إذا لم تأخذ به إذا لم يختلف تقرير اخر.

 فالمحكمة ليست مُلزمة بالتقرير ، فلها السلطة التقديرية في ذلك ، حيث يمكنها قبول التقرير كله أو جزء منه، أو رفضه مع بيان أسباب عدم أخذها به، خاصة إذا لم يكن مُقنعاً، أو كان هناك اتفاق بين الخصوم على عدم الأخذ به، وفي هذا المعنى نصت المادة (173) من قانون الاثبات اليمني على انه: (للمحكمة أن تأخذ بتقدير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن إليه مع بيان الأسباب إذا خالف التقرير الذي أخذت به تقريرا آخر، ولها أن تستمع إلى مناقشات الخصوم في شأن التقارير المقدمة وملاحظاتهم عليها وأن تكلف الخبير أو الخبراء مرة أخرى لاستكمالها أو تصحيحها إذا لزم الأمر أو ترفض طلبات الخصوم).

فإطمئنان المحكمة لتقرير الخبير يجعل القاضي يستند ويعتمد على ماورد في تقرير الخبير العدل كدليل كامل يقيم حكمه عليه، ومؤدئ ذلك أن هذا الاطمئنان يؤدي الى تحويل التقرير من مجرد قرينة الى دليل كامل وفي هذا الشان نصت المادة(175) من قانون الإثبات اليمني على انه: (تعتبر النتيجة التي توصل إليها الخبير أو الخبراء وتطمئن إليها المحكمة دليلا كاملا في المسائل التي يعينون فيها. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الاول، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2023م،ص85).

الوجه الثالث: مكونات إطمئنان القاضي لتقرير الخبير العدل:

يمكن تلخيص هذه المكونات كما ياتي:

اولا: إلتزام الخبير بنطاق مهمته وحدودها وضوابطها المحددة بقرار المحكمة تعيين الخبير: فالمحكمة حينما تقوم بالاستعانة بالخبير فان دور الخبير يقتصر على بيان الراي في المسألة الفنية الغامضة أو الدقيقة التي يدق على القاضي فهمها، ولذلك فان القاضي هو الذي يحدد المسالة الفنية التي يكلف الخبير ببيان الراي فيها حتى يكشف تقرير الخبير غموض المسالة الفنية ، ولذلك الزم القانون القاضي ان يبين في قرار تعيين الخبير نطاق مهمته، فقد نصت المادة (165) في منتصفها على انه: (ويجب على المحكمة أن تذكر في قرارها بيانا دقيقا لمأمورية الخبير والأجل المضروب لإيداع تقريره فيه ويكلف الخبير بتقديم تقرير بما أدت إليه أبحاثه في الموعد المحدد)، ولذلك فان التزام الخبير بقرار تعيينه وادائه لمهمته على النحو المحدد في قرار تعيينه من اهم مكونات إطمئنان القاضي للتقرير.

ثانيا: إشتمال التقرير على الاسس والاسانيد الفنية والواقعية والقانونية واصول وقواعد المهنة التي استندت اليها نتائج التقرير أو الراي الفني الذي خلص اليه الخبير، وكذا إشتمال التقرير على مايفيد ان الخبير قد قام بمهمته بمعرفة الخصوم ، وان الخبير قد مكن الخصوم من تقديم مستنداتهم اللازمة للمهمة وأن الخبير قد أستمع لاقوال الخصوم ووجهات نظرهم فيما قدمه خصومهم اثناء قيام الخبير بالمهمة.

 ثالثا: إطلاع الخصوم على ماورد في التقرير النهائي وإبداء ملاحظاتهم على ماورد في التقرير النهائي ، وقيام الخبير بالرد على تلك الملاحظات وإعادة الخبير صياغة التقرير في ضوء ذلك، لان الاستعانة بالخبراء وان كانت جوازية وان كان أخذ المحكمة بالتقرير جوازيا إلا ان إطلاع الخصوم على التقرير وجوبي ، ولذلك فان القاضي لايطمئن للتقرير الا اذا كان الخصوم قد اطلعوا على التقرير وابدوا ملاحظاتهم بشانه وقام الخبير بالايضاح بشان تلك الملاحظات.

رابعا: موافقة الخصوم على ماورد في التقرير أو عدم إعتراضهم عليه.

خامسا: موافقة ماورد في التقرير لما ورد في الادلة الأخرى، فإتفاق التقرير مع الأدلة الأخرى كشهادة الشاهد أو اعترافات الخصوم يولد الاطمئنان والقناعة لدى المحكمة بسلامة ماورد في التقرير.

سادسا:عدم وجود ما يناقض ماورد في التقرير، فإذا لم يقدم الخصوم اية اعتراضات أو ملاحظات جوهرية أو أدلة كافية تنال من صحة التقرير، فإن المحكمة تطمئن للأخذ به.

الوجه الرابع: بيان المحكمة لأوجه إطمئنانها بتقريرالخبير:

سبق القول ان إطمئنان المحكمة لما ورد في تقرير الخبير عبارة عن شعور نفسي داخلي يتولد في عقيدة القاضي وقناعته، ولذلك فان هذا الاطمئنان لايطلع عليه إلا الله تعالى الذي يعلم خائنة الاعين وماتخفى الصدور، في حين أن القضاء يعتمد على الظاهر، فلابد ان يقف الخصوم على الاسباب والموجبات التي جعلت القاضي يطمئن لتقرير الخبير ، وكذا يجب أن تقف محكمة الطعن على تلك الاسباب والموجبات حتى تبسط رقابتها وحتى تتاكد من سلامة الحكم المطعون فيه.

ولذلك يتحتم على القاضي حينما يطمئن لتقرير الخبير ان يبين في أسباب حكمه الاسباب والموجبات التي جعلته يطمئن لتقرير الخبير. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثاني، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص328)، والله اعلم.