إثبات الربح في عقد المضاربة

إثبات الربح في عقد المضاربة

 أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

مقال: إثبات الربح في عقد المضاربة

من أهم الإشكاليات التي تترتب على عقد المضاربة هي كيفية إحتساب مصروفات المضاربة وكيفية إحتساب الربح العائد من المضاربة، وكيفية تقسيم الربح فيما بين العامل المضارب وصاحب راس المال وكيفية إثبات مقدار الربح ووقت تقاسمه، ولذلك فانه عند الخلاف بشأن وجود ربح من عدمه ومقدار هذا الربح فانه يجب على صاحب راس المال ان يثبت ذلك، لأن الأصل عدم الربح، فعلى المدعي خلاف ذلك ان يثبته ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 29/10/2014م، في الطعن رقم (55228)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار إليه (فالدائرة : تجد ان نعي الطاعن مردود ، ذلك أن المبالغ المسلمة من المضارب (العامل) الى الطاعن (رب العمل) من الأرباح كانت قبل إجراء المحاسبة بين الطرفين بخصوص الارباح ، وقد تم تسليم الطاعن تلك المبالغ بسبب إلحاح الطاعن على تسليمه تلك المبالغ بسبب مرض الم به، وقد ايد ذلك يمين العامل على عدم تحقيق ارباح، والتي مضى فيها العامل أمام المحكمة الابتدائية ، اضافة إلى ان القول بشان الربح هو قول العامل المضارب ،لأن الاصل العدم)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: مفهوم عقد المضاربة:

اختلفت تعاريف الفقهاء للمضاربة حسبما هو مبسوط في كتب الفقه الاسلامي ، وقد عرف المعيار الشرعي رقم (13) عرف المضاربة بانها: المضاربة شركة في الربح بمال من جانب (رب المال) وعمل من جانب آخر (المضارب) .

وتنعقد المضاربة بلفظ المضاربة والقراض والمعاملة، و يشترط في طرفي المضاربة أهلية التوكيل والتوكل. فلا تنعقد إلاّ بعاقدين كاملي الأهلية أو من ينوب عنهما بهذه الصفة.

والأصل أن عقد المضاربة غير لازم فيحق لأي من الطرفين فسخه إلا في حالتين لا يثبت فيهما حق الفسخ:

(أ) إذا شرع المضارب في العمل، فتصبح المضاربة لازمة إلى حين التنضيض الحقيقي أو الحكمي.

(ب) إذا اتفق الطرفان على تأقيت المضاربة، فلا يحق إنهاؤها قبل ذلك الوقت إلا باتفاق الطرفين.

و المضاربة من عقود الأمانات، فالمضارب أمين على ما في يده من مال المضاربة إلا إذا خالف شروط عقد الأمانة فتعدى على مال المضاربة، أو قصّر في إدارة أموال المضاربة، أو خالف شروط عقد المضاربة، فإذا فعل واحداً أو أكثر من ذلك فقد أصبح ضامناً لرأس المال .

والمضاربة عقد مشروع في الفقه الاسلامي من غير خلاف، وقد أباح الإسلام التعامل بالمضاربة لشدة حاجة الناس إليها، ولما يترتب عليها من منافع عديدة، فالإسلام حريص كل الحرص على استثمار المال وعدم تركه عاطلاً، وحريص أيضًا على قيام الإنسان بالعمل وابتعاده عن الكسل والتعطل، وليس كل من يملك المال لديه القدرة على العمل فيه واستثماره، ولاكل من يملك القدرة والكفاءة على العمل يتوافر لديه المال، ومن هنا كانت المضاربة الأداة التي تحقق التعاون المثمر بين المال والعمل لصالح الطرفين والمجتمع في آن واحد. وتتحقق بمشروعية هذا العقد سد حاجة الطرفين وتوسعة أبواب الرزق الذي يعود على رب المال والمضارب، بالإضافة لما فيه من نفع للمجتمع وتنمية له.

وتنقسم المضاربة إلى مطلقة ومقيدة: المضاربة المطلقة: هي التي يفوض فيها رب المال المضارب في أن يدير عمليات المضاربة دون أن يقيده بقيود، وإنما يعمل فيها بسلطات تقديرية واسعة وذلك اعتماداً على ثقته في أمانته وخبرته، ومن قبيل المضاربة المطلقة ما لو قال رب المال للمضارب: اعمل برأيك. والاطلاق مهما اتسع فهو مقيد بمراعاة مصلحة الطرفين في تحقيق مقصود المضاربة وهو الربح، وأن يتم التصرف وفقاً للأعراف الجارية في مجال النشاط الاستثماري موضوع المضاربة.

اما المضاربة المقيدة فهي: التي يقيد فيها رب المال المضارب بالمكان أوالمجال الذي يعمل فيه وبكل ما يراه مناسباً بما لا يمنع المضارب عن العمل.

الوجه الثاني: شروط صحة المضاربة:

يقسِّم الفقهاء أركان المضاربة إلى خمسة أركان هي:الصيغة، والعاقدان، ورأس المال، والربح، والعمل، ولكل ركن من هذه الأركان مجموعة من الشروط التي تعرف بشروط المضاربة، ومن المهم التفرقة بين نوعين من هذه الشروط: الشروط العامة، والشروط الخاصة لصحة المضاربة.

والشروط العامة هي الشروط اللازمة لانعقاد العقد بصفة عامة، وتتساوى فيها المضاربة مع غيرها من العقود، وهي الشروط المتعلقة بالركنين الأول والثاني، الصيغة والعاقدان، أماالشروط الخاصة فهي التي تعرف بشروط صحة المضاربة وهي التي تخص المضاربة دون غيرها،وهي المتعلقة بالأركان الأخرى: رأس المال، والربح، والعمل، وفيما يلي استعراض لأهم الشروط الخاصة بصحة المضاربة كما رآها الفقهاء:

أولاً: الشروط الخاصة برأس المال:

اشترط الفقهاء في رأس مال المضاربة أربعة شروط كي يكون العقد صحيحًا، وهي:

1- أن يكون رأس المال نقدًا وقد اجاز بعض الفقهاء ان يكون عروضا أو سلعا.

2- أن يكون رأس المال معلومًا

3- أن يكون رأس المال عينًا لا دينًا.

4- تسليم رأس المال إلى المضارب: ويعني هذا الشرط أن يمكن رب المال المضارب من التصرف في رأس مال المضاربة، وذلك بإطلاق يده في التصرف فيه، وليس المراد التسليم الفعلي حال العقد أو في مجلسه فقط، فقد أجمع الفقهاء على وجوب تمكين المضارب من التصرف في مال المضاربة، وأن أي شرط يمنع المضارب من التصرف يفسد المضاربة؛ لأنه ينافي مقتضاها ويجعلها عقدًا صوريًّا.

ثانيًا: الشروط الخاصة بالربح:

وقد اشترط الفقهاء بعض الشروط في الربح حتى يكون عقد المضاربة صحيحًا، ومن هذه الشروط:

1-أن يكون نصيب كل طرف معلومًا عند التعاقد.

2- أن يكون الربح مشتركًا بين المتعاقدين بحيث لا يختص به أحدهما دون الآخر

3- أن يكون توزيع الربح حصة شائعة لكل من المضارب ورب المال، وذلك بأن يكون نصيب كل منهما من الربح حصة شائعة منه كنصفه أو ثلثه أو أي جزء شائع يتفقان عليه، ولا يجوز أن يحدد بمبلغ معين كالف ريالا مثلاً؛ لأن العامل هنا يصبح أجيرًا، ولا يجوز أن يشترط لأحدهما مبلغًا معينًا مع حصة شائعة من الربح، أو حصة شائعة ناقصة مبلغًا معينًا، فلا يجوز التحديد على أي صورة من هذه الصور.

4- أما الخسارة فقد اتفق العلماء على أنها تكون على رب المال من رأس ماله ولا يتحمل فيها العامل شيئًا، طالما أنه لم يقصِّر أو يخالف الشروط؛ إذ يكتفي بما تحمله العامل من ضياع وقته وجهده دون عائد، ومعنى ذلك أنه في حالة الخسارة يتحمل كل طرف من جنس ما ساهم به في المضاربة، رب المال من رأس ماله والعامل من عمله.

ثالثًا: الشروط الخاصة بالعمل:

يرى الفقهاء أيضًا أن العمل – كركن من أركان المضاربة – يجب أن يتوافر فيه عدد من الشروط حتى تصبح هذه المضاربة صحيحة، بحيث يترتب على تخلفها انتقال المضاربة من الصحة إلى الفساد، وهذه الشروط هي:

1-العمل من اختصاص المضارب فقط: فقد اشترط جمهور الفقهاء أن يختص المضارب بالعمل للمضاربة، فلا يجوز أن يشترط رب المال أن يعمل معه، وذهب الجمهور إلى فساد المضاربة عند الاخلال بهذا الشرط.

بيد أن الحنابلة يجيزون هذا الاشتراط، ويرون أن المضاربة تكون صحيحة معه، فيجوز لرب المال مع هذا الشرط جميع التصرفات التي تجوز للمضارب.

2- عدم تضييق رب المال على العامل: فقد اشترط الفقهاء ألا يضيّق صاحب المال على العامل في عمله، ولو فعل ذلك فإن المضاربة فاسدة؛ وذلك لأن الربح هو الهدف فهو المقصود من عقد المضاربة، فالتضييق على المضارب بما يمنع الربح ينافي مقتضى العقد فيفسده.

الوجه الثالث: كيفية إحتساب مصروفات المضاربة في المصارف الاسلامية:

 الأصل في المصروفات الخاصة بعمليات الاستثمار في المصارف الإسلامية أن تتحمل كل عملية التكاليف اللازمة لتنفيذها .

أما المصروفات الإدارية العامة اللازمة لممارسة المصرف الإسلامي لأنشطته المختلفة فيتحملها المصرف وحده ، وذلك باعتبار إن هذه المصروفات تغطي بجزء من حصته في الربح الذي يتقاضاه كمضارب حيث يتحمل المصرف ما يجب على المضارب أن يقوم به من أعمال .

أما المصروفات عن الأعمال التي لا يجب على المضارب أن يقوم بها فتتحملها حسابات الاستثمار وفقاً لما قرره الفقهاء في أحكام المضاربة .ويرجع إلى ما يراه الخبراء عند الاشتباه في نوع المصروفات التي تتطلب أن يتحملها المضارب أو تتحملها العملية الاستثمارية وفقاً لما تقرره هيئة الرقابة الشرعية في المصرف الإسلامي ذي العلاقة .( ندوة البركة الرابعة فتوى رقم 1).

الوجه الرابع: كيفية حساب الربح في المضاربة:

سبق القول ان يد المضارب على رأس مال المضاربة يد امانة ، ولذلك فان المشتري لايضمن علاج راس المال الا بالتعدي أو التقصير أو الاهمال، ومن مقتضيات امانة المضارب انه يجب عليه ان يمسك حسابات نظامية منتظمة يقوم بكتابة وتدوين كافة مصروفات وواردات المضاربة ، ويجب ان يحتفظ المضارب بكافة المستندات والوثائق المؤيدة لصحة القيود المحاسبية الواردة في السجلات،كما يجب على المضارب ان يقوم بموافاة صاحب المال بكشوفات حساب حقيقية منتظمة من واقع الحسابات التي يمسكها المضارب.

والاصل ان تكون المضاربة مستقلة عن بقية الأعمال الاخرى للمضارب ، فلايجوز للمضارب ان يخلط راس مال المضاربة بماله أي مال المضارب أو بغيره من الأموال التي تكون بعهدة المضارب ، فلايجوز للمضارب خلط مال المضاربة الا باذن صاحب راس المال، وفي كل الأحوال يجب على المضارب وهو يحتسب مصاريف المضاربة يجب عليه ان يقتصر على المصاريف الخاصة بالمضاربة فقط فلايدرج ضمنها مصاريفه الخاصة كالقات والغداء ، وكذا لايجوز له ان يحمل مصروفات المضاربة مصروفات نشاطه العام كإيجار المحل واجور النقل والماء والكهرباء واجور العاملين معه .

ومصروفات ونفقات المضاربة مثل اجور النقل والمحل والماء والكهرباء والإنترنت والزكاة والضرائب تخصم من الربح إذا كانت هذه المصاريف خاصة بعملية المضاربة، وما زاد على ذلك يكون ربح المضاربة يتم تقسيمه فيما بين صاحب المال والمضارب بحسب الإتفاق المسبق بينهما.

وقد قرر مجمع الفقه الاسلامي في الفقرة (عاشرا) من قراره رقم (123-5/13)في ديسمبر 2001م قرر المجمع: (عاشرا:لامانع شرعا من وضع معدل متوقع الربح والنص على انه إذا زاد الربح المتحقق عن تلك النسبة يستحق المضارب جزء من تلك الزيادة ، وهذا بعد ان يتم تحديد نسبة ربح كل من الطرفين مهما كان مقدار الربح).

ويشترط في الربح أن تكون كيفية توزيعه معلومة علماً نافياً للجهالة ومانعاً للمنازعة ، وأن يكون ذلك على أساس نسبة مشاعة من الربح لا على أساس مبلغ مقطوع أو نسبة من رأس المال.

و الأصل عدم جواز الجمع بين الربح في المضاربة والأجرة، على أنه إذا اتفق الطرفان على قيام أحدهما بعمل ليس من أعمال المضاربة بأجر محدد وكان الاتفاق بعقد منفصل عن عقد المضاربة بحيث تبقى إذا تم عزله عن ذلك العمل فلا مانع من ذلك شرعا.

و يجب أن يتم الاتفاق على نسبة توزيع الربح عند التعاقد، كما يجوز باتفاق الطرفين أن يغيرا نسبة التوزيع في أي وقت مع بيان الفترة التي يسري عليها هذا الاتفاق.

وإذا سكت الطرفان عن نسبة توزيع الربح فإن كان ثمة عرف يرجع إليه في التوزيع لزم اعتماده، كما إذا كان العرف أن يوزع الربح بينهما مناصفة، وإن لم يكن هناك عرف فسدت المضاربة. ويأخذ المضارب أجر المثل فيما قام به من عمل.

وإذا شرط أحد الطرفين لنفسه مبلغاً مقطوعاً، فسدت المضاربة. ولا يشمل هذا المنع ما إذا اتفق الطرفان على أنه إذا زادت الأرباح عن نسبة معينة فإن أحد طرفي المضاربة يختص بالربح الزائد عن تلك النسبة، فإن كانت الأرباح بتلك النسبة أو دونها فتوزيع الأرباح على ما اتفقا عليه.

ولا يجوز لرب المال أن يدفع مالين للمضارب على أن يكون للمضارب ربح أحد المالين ولرب المال ربح الآخر، أو أن يكون لرب المال ربح هذه الفترة المالية من المالين وللمضارب ربح الفترة الأخرى؛ أو لأحدهما ربح الصفقة الأولى وللآخر ربح الصفقة الأخرى.

ولا ربح في المضاربة إلا بعد سلامة رأس المال، ومتى حصلت خسارة في عمليات المضاربة جبرت من أرباح العمليات الأخرى، فالخسارة السابقة يجبرها الربح اللاحق، والعبرة بجملة نتائج الأعمال عند التصفية ،فإذا كانت الخسارة عند تصفية العمليات أكثر من الربح يحسم رصيد الخسارة من رأس المال، ولا يتحمل المضارب منه شيئاً باعتباره أميناً ما لم يثبت التعدي أو التقصير، وإذا كانت المصروفات على قدر الايرادات يتسلم رب المال رأس ماله وليس للمضارب شيء. ومتى تحقق ربح فإنه يوزع بين الطرفين وفق الاتفاق بينهما.

ويستحق المضارب نصيبه من الربح بمجرد ظهوره (تحققه) في عمليات المضاربة، ولكنه ملك غير مستقر إذ يكون محبوساً وقاية لرأس المال فلا يتأكد إلاّ بالقسمة عند التنضيض الحقيقي أو الحكمي ، ويجوز تقسيم ما ظهر من ربح بين الطرفين تحت الحساب ويراجع ما دفع مقدماً تحت الحساب عند التنضيض الحقيقي أو الحكمي.

ويوزع الربح بشكل نهائي بناء على أساس الثمن الذي تم بيع الموجودات به، وهو ما يعرف بالتنضيض الحقيقي، ويجوز أن يوزع الربح على أساس التنضيض الحكمي وهو التقويم للموجودات بالقيمة العادلة ، وتقاس الذمم المدينة بالقيمة النقدية المتوقع تحصيلها، أي بعد حسم نسبة الديون المشكوك في تحصيلها. ولا يوجد في قياس الذمم المدينة القيمة الزمنية للدين (سعر الفائدة) ، ولا مبدأ الحسم على أساس القيمة الحالية (أي ما يقابل تخفيض مبلغ الدين لتعجيل سداده) .

وإذا خلط المضارب مال المضاربة بماله، فإنه يصير شريكاً بماله ومضارباً بمال الآخر ويقسم الربح الحاصل على المالين فيأخذ المضارب ربح ماله، ويقسم ربح مال المضاربة بينه وبين رب المال.

ولامانع شرعي من التزام المضارب بدفع نسبة ثابتة من رأس المال للبنك على حساب الأرباح على أن تتم التسوية والسداد لاحقاً، مع التزام البنك بتحمل الخسارة إذا وقعت .(ندوة البركة السادسة فتوى رقم 9 ).

ويجوز التفاضل في الربح بين أرباب الأموال بموجب الاختلاف بينهم في مدد الاستثمار،فيجوز ذلك حيث يكون النقص في الربح زيادة في الربح لأرباب الأموال ذوي المدد الطويلة ، ويكون تقدير ذلك بواقع نسب المشاركة في المضاربة ومدة البقاء فيها وفقاً لمعيار محاسبي إسلامي عادل وبشرط أن يكون هذا معلوماً للمضارب ولرب المال ومنصوصاً عليه في عقود المضاربة أو بموجب موافقة كتابية من العميل (رب المال) .( الروضة الندية في الفتاوى الشرعية ، مصرف فيصل البحرين).

 يجوز أن يشترط رب المال على المضارب ألا يتجر إلا في السلع التي تحقق في عرف السوق حداً معيناً من الربح ،فهذا الشرط جائز شرعا في المضاربة ويجب الوفاء به ،لأن رب المال له أن يشترط على المضارب مثل هذا الشرط في نطاق المضاربة المقيدة .( ندوة البركة الأولى فتوى رقم3).

 يجوز أن يتفق رب المال مع المضارب على أنه إذا زاد الربح عن نسبة 15% مثلاً في السنة عن رأس المال فإن الزيادة تكون من نصيب المضارب ، فهذا الشرط جائز شرعاً طالما أن الربح مقتسم نتيجة المحاسبة طبقاً للنسبة الشائعة المتفق عليها وإن رب المال يتحمل الخسارة إذا تبين وقوعها .(ندوة البركة الأولى فتوى رقم 4 ).

ويجوز للبنك إبرام اتفاقية مضاربة يتم تحديد الربح فيها لرب المال بمؤشر اللايبور،فيجوز تحديد نسبة مئوية من الربح لرب المال في المضاربة عند الاتفاق العام عليها بنسبة اللايبور عن نفس المبلغ والمدة ، وأن يكون نصيب المضارب ما زاد عن تلك النسبة ، ولكن يجب النص على أن هذا هو الربح المتوقع ، وليس تحديدا ملزماً ، ولكن عند إبرام عقد المضاربة يجب أن يحدد بنسبة مئوية معلومة شائعة لكل الطرفين ، ولا يجوز تحديد ربح المال بمبلغ مقطوع أو بنسبة محددة من رأس مال المضاربة مثلاً 3% من رأس المال ، وما زاد فهو للمضارب ، لاحتمال ألا يتحقق ربح سوى تلك النسبة فتنقطع المشاركة في الربح .( بنك المؤسسة العربية المصرفية الإسلامي).

 ويجوز في عقد المضاربة بعد تحديد نسبة ربح شائعة لكل من رب المال والمضارب أن ينص على أنه إن زاد الربح عن النسبة المتوقعة ، فللمضارب تلك الزيادة، فيجوز في عقد المضاربة أن ينص على أنه إذا زاد الربح عن النسبة المتوقعة ، فللمضارب تلك الزيادة ، شريطة أن يقترن بذلك تحديد نسبة مئوية شائعة كأساس لتوزيع الربح بين الطرفين ثم ينص على النسبة المتوقعة للربح وأنه إذا زاد الربح عن النسبة المتوقعة فالزيادة للمضارب ، ويمكن أن ينص على تقسيم الزيادة نفسها بين الطرفين بأي نسبة يتفق عليها .(بنك المؤسسة العربية المصرفية الإسلامي ).

لا مانع شرعاً من تخفيض المضارب نصيبه من الأرباح بالنسبة لبعض أصحاب الحسابات في المضاربة المشتركة ، لأنه يجوز التفاوت في نسبة الربح بين شريك وشريك ، ويعتبر هذا مما وقع عليه التراضي ، أما الخسارة فلا بد أن تكون بقدر الحصص في المساهمة المالية لكل شريك . (بنك المؤسسة العربية المصرفية الإسلامي).

وقد ذكر الاستاذ عبد الجبار السبهاني كيفية إحتساب الربح في المضاربة عن طريق النمر ، فقال السبهاني: (تلجأ المصارف والمؤسسات المالية التي تتلقى الأموال من الجمهور وتعمل فيها مضاربة إلى اعتماد ما يعرف بطريقة النقاط أو النمر، وهي طريقة حسابية بسيطة لتحديد أنصبة الربح التي يأخذها أرباب المال في المضاربة المشتركة، وتعتمد هذه الطريقة على محددين لحصة المستثمر من أرباح الوعاء الاستثماري هما: حجم رأس المال المقدم من قبله، والمدة الزمنية التي يبقى فيها رأس المال في وعاء المضاربة.

وبعد أن تخرج حصة عامل المضاربة من الربح، يقسم الباقي بين أرباب المال (بمن فيهم عامل المضاربة إذا كان قد خلط ماله بأموال الممولين الآخرين) بحسب مقدار رأس المال المقدم من قبل كل واحد منهم مضروباً في المدة التي بقي فيها رأس ماله في عهدة المصرف. وتستلزم هذه الطريقة أن يصار إلى الآتي:

تعريف أصغر وحدة من المال يعتمدها المصرف في الوعاء الاستثماري (حجم المساهمة الأدنى) لتعطى نقطة أو نمرة واحدة.

تعريف أصغر وحدة من الزمن يعتمدها المصرف في حساب مدة المشاركة في وعاء المضاربة (يوماً أو أسبوعاً أو شهراً) وتعطى نقطة أو نمرة واحدة أيضاً.

يضرب مجموع نمر المال بمجموع نمر الزمن الخاصة بكل عميل لنحصل على مجموع النمر الخاصة به.

تجمع نمر المشاركين في الوعاء الاستثماري لنحصل على المجموع الكلي للنمر.

تقسم الأرباح الكلية (بعد حسم حصة عامل المضاربة المصرف أو المؤسسة المالية)، على المجموع الكلي للنمر لنستخرج نصيب النمرة من الربح.

يضرب نصيب النمرة الواحدة بعدد النمر التي يملكها كل واحد من المشاركين لنتعرف على مقدار نصيبه من الربح.

فلو دفع أحدهم إلى المصرف ألف دينار لمدة شهر، ودفع الآخر ألفين لمدة شهرين، وكان الربح الباقي بعد إخراج حصة عامل المضاربة هو خمسمائة دينار؛ فإن الأول بموجب هذه الطريقة يستحق مائة والثاني يستحق أربعمائة، حيث تجعل الألف الواحدة من رأس المال نمرة (أصغر وحدة مال معتمدة في الوعاء الاستثماري)، والشهر الواحد من الزمن نمرة (أصغر وحدة زمن معتمدة في الوعاء الاستثماري)، فيكون مجموع نمر العميل الأول (1×1= 1 نمرة)، ويكون مجموع نمر العميل الثاني (2×2= 4 نمرة)، ثم تجمع نمر العميل الأول مع نمر العميل الثاني لنحصل على المجموع الكلي لنمر الوعاء الاستثماري: (1+4 = 5 نمرة)، ثم يقسم الربح على المجموع الكلي للنمر (500÷ 5= 100 دينار)، فتكون حصة النمرة الواحدة (100 دينار). وعند ضرب نمر العميل الأول بحصة النمرة الواحدة يتحدد نصيبه من الربح: (1×100= 100 دينار).

وكذلك الأمر بالنسبة للعميل الثاني: (4× 100= 400 دينار).

حكم اعتماد طريقة النُمَر : وقياس قول عامة الفقهاء أن طريقة النمر هذه فيها جهالة مفسدة للمضاربة المشتركة، لأن الأرباح لا يمكن أن تعزى إلى مستحقها على وجه القطع بسبب توالي عمليات السحب والإيداع وتعذر التنضيض الفعلي، كما أن المصارف غالباً ما تعتمد الشهر لتعريف نمرة الزمن وهذا يعني إهدار الأيام التي تسبق الموعد الذي يبدأ فيه احتساب النمر الزمنية للعميل.

ومع ما تقدم لاحظ المهتمون بهذه القضية إن تعذر قيام المحاسبة على أساس التنضيض الفعلي أو أي أساس عملي آخر، واتفاق أرباب الأموال على التسامح في ذلك وتوخيهم تحقيق الربح فيها بشكل منتظم ومتقارب، وجريان العرف على التعامل بطريقة النمر، كل هذا يسمح بالتغاضي عن هذه الجهالة، وعدم الاعتداد بها، مع السعي إلى ضغطها إلى حدها الأدنى قدر المستطاع بتصغير الأساس المعتمد في تعريف النمرة سواء أكانت من المال أو من الزمن حتى لا تبخس الحقوق.

وقد جاء في فتوى ندوة البركة: إن أموال المشاركين في الوعاء الاستثماري قد ساهمت كلها في تحقيق العائد حسب مقدارها ومدة بقائها في الحساب، فاستحقاقها حصة متناسبة مع المبلغ والزمن (حسب طريقة النمر) هو أعدل الطرق المحاسبية المتاحة لإيصال مستحقات تلك الحسابات من عائد الاستثمار لأصحابها، وأن دخول المستثمرين على هذا الأساس يستلزم المبارأة، وأنه يغتفر في المشاركات ما لا يغتفر في المعاوضات (ندوة البركة الحادية عشرة، فتوى رقم 11/4)، وبالمعنى ذاته جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي في جدة رقم122 في دورته الثالثة المنعقدة في الكويت حول المضاربة المشتركة في المؤسسات المالية). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المصارف والبنوك، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص285).

 الوجه الخامس: إثبات الربح في عقد المضاربة:

إثبات الربح في عقد المضاربة يعتمد أساساً على كشف حساب دقيق يقدمه المضارب ويزكيه بـ يمين شرعية أمام. القاضي في حال النزاع، ويتم الإثبات بـ تقديم مستندات (فواتير، عقود، سجلات)، و شهود، و يمين العامل المضارب.

 وهناك وسائل عدة لإثبات الربح في المضاربة ومن اهمها كشوفات الحسابات والسجلات التي اعدها المضارب مسبقا لتدوين كافة إيرادات ونفقات عملية المضاربة التي كان المضارب يقوم بقيدها أولا باول ، بالاضافة الى الفواتيرومستندات الشراء وكافة الوثائق والمستندات التي تدل على صحة القيود المحاسبية في السجلات المفصلة الخاصة بالنشاط التجاري لعملية المضاربة، إذ يجب على المضارب ان يوافي صاحب المال بها أو يطلعه على السجلات والمستندات اولا باول ، فمن خلال ذلك يستطيع صاحب راس المال ان يستدل بتلك الكشوفات والمستندات التي سبق له ان اطلع عليها، وان لم تكن لدى صاحب المال كشوف الحساب فانه يستطيع مطالبة المضارب بتقديم كشوف الحساب وتمكينه من الاطلاع على السجلات والمستندات ، واذا امتنع المضارب عن ذلك فان صاحب المال يستطيع مطالبة القضاء بتكليف محاسب لمراجعة حسابات المضارب وتحديد مقدار الأرباح ونصيب صاحب المال منها، كما يتم إثبات ربح المضاربة عن طريق أعمال الخبرة في ضوء العرف والنشاط المماثل.

كما يمكن إثبات الربح في المضاربة عن طريق مطالبة صاحب المال بيمين المضارب بصحة ماورد في كشف الحساب المقدم من قبل المضارب ، لأن القول في هذه المسألة قول المضارب مع يمينه.

كما يمكن إثبات الربح في المضاربة عن طريق شهادة الشهود الذين اطلعوا على المعاملات ونتائجها أو سمعوا إقرار المضارب بمقدار الربح.

الوجه السادس: الوقت الذي تتم فيه قسمة ارباح المضاربة:

لا يستحق الربح إلا بعد ان يسلم رأس المال إلى صاحبه، فلا يكون ربح إلا بعد كمال رأس المال وما تبقى من المال بعد إعادة رأس المال يكون ربح المضاربة فيقسمانه على الشرط الذي اتفقا عليه.

قال ابن رشد (جزء 2 ص 237): ”ولا خلاص بينهم ان المقارض انما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال وانه ان خسر ثم اتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح“.

ويقول ابن حزم في المحلى (جزء 8 ص 248): ”وما ربح ربحاه فلهما أن يتقاسماه. فإن لم يفعلا وتركا الأمر بحسبه ثم خسر في المال فلا ربح للعامل، وأما اذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له فلا يسقط ملكه عنه، لأنهما على هذا تعاملا وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح فإذا اقتسماه فهو عقدهما المتفق على جوازه، فإن لم يقتسماه فقد تطوعا بترك حقهما وذلك مباح“.

ويقول ابن قدامة (جزء 5 ص 41): ”وليس للمضارب ربح حتى يستوفى رأس المال، يعني أنه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسران وربح جبرت الوضيعة من الربح، وسواء كان الخسران والربح في مرة واحدة أو الخسران في صفقه والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى، لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال وما لم يفضل فليس بربح“.

وقد اتفق الفقهاء في كل المذاهب أن الخسارة في المال بعد تصرف العامل فيه تجبر بربح ما بعدها، إلا أن ينضض المال ويعاد ما بقى منه إلى صاحبه، فإن دفعه إلى العامل… كانت مضاربة جديدة لا يجبر ربحها خسارة السابقة. أما إذا كان التلف قد أصاب بعض المال قبل أن يتصرف العامل فيه… فإن المضاربة تفسد عند بعض الفقهاء في الجزء الذي هلك فقط، وتصح فيما سلم وبقى من رأس المال، فلا يجبر ربحه ما تلف قبل التصرف. وقال المالكية- وفي رأي عند الشافعية والإمامية- إن الربح يجبر ما تلف، إلا إذا أعاد العامل الباقي إلى رب المال فدفعه إليه رب المال مضاربة جديدة.

وقد قالت الحنابلة والزيدية والإمامية والشافعية في رأي لهم، إن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره قبل القسمة، وقالت المالكية والأحناف والشافعية في الرأي الأظهر عندهم، وفي رأي ثان عند الإمامية إن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة، وبعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، وللإمامية رأي ثالث… يقولون فيه إن العامل يملك حصته من الربح عند إنضاض المال.

ومنع الأحناف والمالكية، وفي الرأي الأظهر عند الشافعية أن يأخذ أحد المتعاقدين شيئاً من الربح قبل القسمة، قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فعمل فيه فربح، فأراد أن يأخذ حصته من الربح وصاحب المال غائب، قال: لا ينبغي له أن يأخذ منه شيئاً إلا بحضرة صاحب المال؛ وإن أخذ شيئاً… فهو له ضامن حتى يتحاسبا ويتفاصلا والمال غائب عنهما، حتى يحضر المال فيستوفي صاحب المال رأس ماله ثم يتقاسمان الربح على شرطهما. (النظرية العامة للمصرفية الاسلامية ، ا،د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2016م، ص282)، والله أعلم.