إثبات الفقر لإستحقاق الوصية الواجبة: في القانون اليمني

إثبات الفقر لإستحقاق الوصية الواجبة: في القانون اليمني

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

https://t.me/AbdmomenShjaaAldeen

اشترط قانون الأحوال الشخصية اليمني لإستحقاق الوصية الواجبة ان يكون المستحق لها فقيرا ، ويقرر الفقه الإسلامي ان وصف  الفقر اصلي وان وصف الإيسار عرضي وان الاصل العدم أي عدم المال، وتبعاً  لذلك فأن الأصل في الإنسان الفقر ، وأنه يجب على من يدعي خلاف الاصل أن يثبت ذلك، ويجب ان يكون محل الاثبات : ان المطالب بالوصية كان غنيا وقت  وفاة الجد ،لأن هذا الوقت هو وقت استحقاق الوصية الواجبة حتى لو تغيرت الحالة المالية للمطالب بعد وقت وفاة الجد.

 فالمدعي بان الانسان ليس فقيرا هو المكلف بإثبات خلاف الأصل في الانسان وهو الفقر، فالمدعي  بالإيسار هو الذي يقع على عاتقه عبء إثبات ذلك ، وبتطبيق هذا المفهوم الفقهي على الوصية الواجبة فإن المستحقين للوصية الواجبة يتحقق فيهم شرط الفقر الذي اشترطه قانون الأحوال الشخصية اليمني باعتبار الفقر هو الوصف الاصلي، فعلى من يدعي أنهم ليسوا كذلك يجب عليه أن يثبت إيسارهم أو غناهم، ومع أن هذا الأصل مقرر في الشرع والقانون إلا انهما لايمنعا المستحق للوصية الواجبة من أن يثبت أنه فقير ينطبق عليه شرط الفقر الذي اشترط القانون اليمني، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 4/7/2006م في الطعن رقم (29068)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه: (ولما كان المدعي قد استطاع إثبات حالة الفقر والعوز فإن ما قضى به الحكم الابتدائي يتفق مع الأدلة المقدمة ويتفق مع نص المادة (259) أحوال شخصية)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (وحيث أن الحكم الاستئنافي قد جاء موافقاً من حيث النتيجة لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء وقانون الأحوال الشخصية لما علل به واستند عليه في قضائه بتأييد الحكم الابتدائي)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: اشتراط قانون الأحوال الشخصية اليمني الفقر في المستحق للوصية الواجبة:

انفرد قانون الأحوال الشخصية اليمني في إشتراط  فقر اولاد الأبن لإستحقاقهم الوصية الواجبة ، في حين لم يرد هذا الشرط في القوانين العربية التي نصت على الوصية الواجبة كالقانون المصري والمغربي والجزائري والسوري والعراقي والاردني والإماراتي وغيرها، فقد نصت المــادة(259) من قانون الاحوال الشخصية اليمني على أنه( اذا توفى  اي من الجد أو الجدة عن ولده أو أولاده الوارثين وعن اولاد ابن أو أبناء الأبناء مانزلوا  وكانوا فقراء وغير وارثين لوفاة آبائهم في حياته وقد خلفوا خيرا من المال ولم يقعدهم   فيرضخ لهم مما خلفه بعد الدين كالتالي :-1—لبنات الأبن الواحدة أو أكثر مثل نصيب بنات الأبن الارثي مع بنت الصلب وهو السدس _2_ للذكور من اولاد الأبن الواحد اذا انفردوا أو مع اخواتهم بمثل نصيب ابيهم لو كان حيا بما لايزيد على الخمس. _3_ اذا تعدد  المتوفون من الابناء عن اولاد لهم بنين وبنات فلكل صنف منهم مثل نصيب ابيهم لو كان حيا بحيث لا يزيد مايرضخ لمجموع الأصناف على الثلث، وفي كل الحالات الثلاث يشترط ان لاتزيد حصة الذكر أو الأنثى الواحد من اولاد المتوفين على حصة الذكر الواحد أو البنت من اولاد الصلب والا ألغيت الزيادة  واقتصر لهم على مايتساوون به مع اولاد او بنات الصلب ويشترك المتعددون فيما تعين لهم  لكل بقدر أصله  وللذكر مثل حظ الانثيين، ويحجب كل اصل  فرعه، وتقدم الوصية الواجبة على غيرها من الوصايا التبرعية) .

ومن المعلوم أن الوصية الواجبة تكون مستحقة لمن تحققت فيه شروطها  وقت وفاة المورث الذي يعد موصيا بالوصية الواجبة ، ومؤدى ذلك انه يجب أن يكون المطالب بالوصية فقيرا وقت وفاة المورث الذي يعد الموصي بالوصية الواجبة حتى لو تغيرت حالته المالية بعد ذلك من الفقر الى الغنى ، ولذلك يجب على المطالب بالوصية الواجبة ان يثبت انه كان فقيرا وقت وفاة المورث.

الوجه الثاني: ماهية فقر المستحق للوصية الواجبة:

لم يعرف قانون الأحوال الشخصية اليمني الفقير المستحق للوصية الواجبة، ولذلك فإن المرجع في ذلك كتب الفقه الإسلامي التي عرفت الفقر والفقير بصفة عامة

 فالفقيرفي اللغة هو المحتاج وهو ضدَّ الغِنَى، والفقير: مكسور فقار الظَّهر، وهو مشتقٌّ من انفقار الظَّهر، أي انكسار فقاره، فكأنَّ الفقير مكسور الظَّهر من شدَّة حاجته، والفقير هو الَّذي يجد ما يأكل، والمسكين مَنْ لَا شيء له.

 وقد اختلف الفقهاء بشأن الفرق بين الفقير والمسكين، فقال  الماوردي ان في هذه المسألة ستة  اقوال، الاول: "أنَّ الفقير: المحتاج المتعفِّف عن المسألة، والمسكين: المحتاج السَّائل والثَّاني: أنَّ الفقير هو ذو الزَّمانة  أي المريض مرضا مزمنا كالمشلول، والمسكين: هو الصَّحيح الجسم منهم، والثَّالث: أنَّ الفقراء هم المهاجرون، والمساكين: غير المهاجرين، والرَّابع: أنَّ الفقير من المسلمين، والمسكين: من أهل الكتاب، والخامس: أنَّ الفقير الَّذي لا شيء له؛ لأنَّ الحاجة قد كسرت فقاره، والمسكين الَّذي له ما لا يكفيه لكي يسكن إليه، والسَّادس: أنَّ الفقير الَّذي له ما لا يكفيه، والمسكين: الَّذي ليس له شيء يسكن إليه" .

 ولا شكَّ أنَّ تعريف الفقر شرعًا عند الفقهاء يتوقَّف على آرائهم فـي موضـوع الصَّدقات، وتوزيعها على مستحقِّيها.

 فالفقر أوَّل صفة يستوجب المتَّصف بها الأخذ من الـصَّدقات، وقد اختلف العلماء في معنى الفقر وحدَّه الَّذي يجيز الأخذ من الصَّدقة، وحد الغنى الَّـذي لا يجوز معه الأخذ منها على عدَّة أقوال:

القَوْلُ الأَوَّلُ: ذهب الإمام أبو حنيفة وبعض الزيدية إلى أنَّ الفقر هو عدم ملك نصاب الزَّكاة؛ لأنَّ النَّبِـيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ - قد سمَّى مَنْ ملك النِّصاب غنيًّا، وذلك في قوله لمعاذ بن جبل رضي الله عنه عندما ارسله إلى اليمن: "فَإِنْ هُم أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ؛ فَأَخْبِرْهُم أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِم صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِم فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم، فَإِنْ هُم أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّـاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِم" ، ووجه استدلالهم بهذا الحديث أنَّ رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ -وصف الَّذين تؤخذ منهم الزَّكاة بالغِنَى، ومَنْ تـُدْفع إليهم الزَّكاة بالفقر، ومن المعلوم أنَّ الزَّكاة لا تجب إلَّا على مَنْ ملك النِّصاب، فإذا كان الأغنيـاء هم أهل النِّصاب؛ وجب أن يكون الفقراء ضدَّهم.

 القَوْلُ الثَّانِي: حـدَّد أصحاب هذا القول القدر الَّذي يوصف معه الغنيُّ بالغِنى، والفقيـر بالفقر عن طريق تحديد مبالغ مالية محددة، وذلك كما يأتي:

١ ذهب أحمد بن حنبل والثَّوري، وابن المبارك : بأنَّ حدَّ الفقر شرعًا ألَّا يكون للـشَّخص خمـسون درهما، أو قيمتها من الذَّهب، وحد الغنى أن يكون للمرء خمسون درهمًا، أو قيمتها مـن الـذَّهب، واستدلَّ أصحاب هذا القول بما رواه الدَّار قطني عن عبد الله بن مسعود عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ -قـال: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِرَجُلٍ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا" .

٢ ذهب الحسن البصريُّ إلى أنَّ حدَّ الفقر شرعًا ألَّا يملك الإنسان الأربعين درهما، أو قيمتها من الذَّهب، واستدلَّ الحسن البصريُّ بما رواه عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ -يقـول: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ" 

٣وقال قوم: إنَّ حدَّ الفقر شرعًا ألَّا يملك المرء عشاء ليلة، وحدَّ الغِنَى عكسه، وقـد رُوِيَ هـذا القَوْلُ عن الأمام عليٍّ - كرم اللَّهُ وجهه.

وقد احتجَّ أصحاب هذا القول بحديث الإمام عليٍّ- كرم اللَّهُ وجهه - عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ -أنَّه قال: "مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً عَنْ ظَهْرِ غِنًى اسْتَكْثَرَ بِهَا مِنْ رَضَفِ  جَهَنَّـمَ، قَالُـوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا ظَهْرُ الغِنَى؟ قَالَ: "عَشَاءُ لَيْلَةٍ" 

 القول الثَّالث: ذهب مالك، والشَّافعي -رحمها الله- إلى أنَّ حدَّ الفقر شرعًا هو ألَّا يملك الإنسان ما يكفيه من المال، وحدَّ الغني عكس ذلك، لكن أصحاب هذا الرَّأي قد اختلفـوا فـي تحديـد وبيـان الضَّابط لما يكفي الإنسان من المال ، فقال الإمام الشَّافعي: هو أقلُّ ما يمكن أن يطلق عليه اسم أنَّه مال يكفي،  وقال مالك بأنَّه ليس في ذلك حدَّ معيَّن، وإنَّما هو راجع إلى الاجتهاد،  والإمام الشَّافعي- رَحِمَهُ اللهُ - قد رأي أنَّه مَنْ كان قويًّا على الكسب والتَّحرُّف مـع قـوَّة البـدن، وحسن التَّصرُّف حتَّى يغنيه ذلك عن النَّاس؛ فالصَّدقة عليه حرام ، واحتجَّ بحديث النَّبيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ  واله وَسَلَّمَ - "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سوي".

  وهكذا فقد استدلَّ كلُّ فريق بما توفَّر بين يديه من أدلَّة شرعيَّة، والقول المناسب في العصر الحاضر هو القول  الذي يذهب الى أنَّ حدَّ الفقر  : هو عدم ملك الإنسان لما يكفيه مـن مال مع تقييد هذا الحدِّ أيضًا بعدم القدرة على الكسب، والعمل ، ليخرج بذلك المسكين الَّذي يأتيه مال لا يكفيه مع كونه يعمل.

 اما الفَقْرُ فِي اصْطِلَاحِ الاقْتِصَادِيِّينَ: فله  عدَّة معان منها: الفقر يعني العجز عن إشباع الحاجات الأساسيَّة أو الضَّروريَّة،  فالفقير هو مَنْ لا يمتلك شيئًا، والشُّعوب الفقيرة هي الشُّعوب الَّتي يكون أغلب مواطنيها من المعدمين أو الفقر: انخفاض الدَّخل عن مستوى معيَّن في السَّنة، ويذهب بعضهم الى ان الفقر : إحساس الفرد، أو الشَّعب بأنَّه يعيش عند مستوى يقلُّ عمَّا يعيش عنده أفراد، أو شعوب أخرى، ويعني ذلك أنَّ الفقر مسالة نسبيَّة،   ويذهب بعضهم الى أن الفقر هو:  انعدام الرَّفاهية، أو انخفاض مستوى المعيشة، ويذهب اخرون الى ان الفقر هو  : انعدام وسيلة الكسب وانعدام القدرة على العمل أو الكسب، ممَّا يحدِّ من قدرة الفقير على الاختيار، والاستفادة من الفرص، أو هو عجز الشخص عن توفير الموارد المالية اللازمة للوفاء بحاجته الاقتصادية.

 وخلاصة القول: ان الفقر يدور مفهومه حول "الحرمان النِّسبيِّ" لفئة معيَّنة من فئات المجتمع، فالفقير إلى الشَّيء لا يكون فقيرًا إليه إلَّا إذا كان في حاجة إليه، وهنا تظهر أهمِّيَّة البعد المادِّيِّ في تحقيق الحاجات من مأكل، وملبس، ومسكن وغيره.(الوجيز في أحكام الأسرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد صنعاء 2019م، صـ251) .

الوجه الثالث: قاعدة الأصل في الإنسان الفقر:

خاطب الله سبحانه تعالى البشرية جمعاء بأنهم فقراء ، فقال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء}، وقد ذكرنا في الوجهين السابقين أن مفهوم الفقر غير مضطرد وأنه يختلف من إنسان إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر ومن زمان إلى آخر،  بل انه يختلف في الانسان الواحد الذي تتجاذبه احوال الغنى والفقر بين وقت واخر.

 فالإنسان دوماً وإن توفرت له أشياء فأنه يفتقر إلى أشياء أخرى، فالله تبارك وتعالى وحده هو الغني ، ولذلك كان اسم (الغني) اسما لله تعالى وكان (الغنى) صفة لله تبارك وتعالى، أما الناس جميعاً فهم فقراء حتى الأغنياء بمفهومنا نحن البشر.

وعلى هذا الأساس المتين تتأسس قاعدة: الأصل في الإنسان الفقر، في الفقه الاسلامي ، ومعنى هذه القاعدة أن كل الأشخاص أو الناس فقراء ، فعلى من يدعي خلاف ذلك أن يثبت غناهم او إيسارهم.

الوجه الرابع: قاعدة الأصل العدم وتطبيقها على المستحقين للوصية الواجبة:

معنى قاعدة الأصل العدم: عدم وجود الأمور العارضة ، وأن على من يدعي وجود صفة أو أمر طارئ او عارض خلاف الأصل فأن عليه تقديم البينة لإثبات دعواه بوجود الامر العارض أو الصفة العارضة، وإلا فالقول قول من يتمسك بالأصل وهو عدم وجودها.

 فقاعدة الأصل في الأشياء العدم تقوم على التمييز بين الصفات الأصلية التي يفترض وجودها والصفات العارضة التي يفترض عدم وجودها.

فالفقر صفة أصلية والغني صفة عارضة، ولذلك تنطبق هذه القاعدة على المستحقين للوصية الواجبة ، لأنهم متمسكون بالصفة الأصلية وهي الفقر، فعلى من يدعي وجود الصفة العارضة وهي (الغنى) فعليه أن يثبت ذلك. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، صـ233)

الوجه الخامس: كيفية إثبات أن المستحقين للوصية الواجبة أغنياء:

ذكرنا فيما سبق أن الأصل في المستحقين للوصية الواجبة هو الفقر أو العدم ، ولذلك يجب على المدعي بخلاف هذا الاصل ان يثبت ان المطالبين بالوصية الواجبة اغنياء ، ويتم إثبات ذلك بطرق الإثبات المقررة في المادة (13) إثبات كالشهادة أو الإقرار أو القرائن...إلخ، ومحل الإثبات في هذا الشأن هو بيان الأموال المدعى بانها مملوكة للمستحقين للوصية الواجبة سواءً اكانت عقارات كالعمارات ام  منقولات كالسيارات والأرصدة، وغالباً ما يكون محل الإثبات في هذه الحالة التصرفات المالية الصادرة من المستحقين للوصية الواجبة  مثل البيع والشراء والهبة والسفريات والسياحة والسكن والملابس...إلخ، شريطة  ان يكون ينصرف وقت إثبات الغنى الى وقت وفاة الجد وليس مطالبة المستحقين بالوصية الواجبة ،حتى لو  تغيرت الحالة المالية بعد ذلك ، لان احوال الناس تتغير بمرور الوقت من حيث الفقر والغنى.

وأذكر أنه في عام 1995م إستطاع المحامي المحنك عبدالرحمن النزيلي أن يثبت ان المطالبين بالوصية الواجبة وقت وفاة جدهم كانوا  اغنياء ، عن طريق إثبات التصرفات المالية الصادرة  من المطالبين بالوصية حينما كانوا طلابا في المدرسة التي درسوا فيها.

الوجه السادس: قيام المستحقين للوصية الواجبة بإثبات فقرهم عند إدعائهم بذلك:

في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان المستحقون للوصية الواجبة قد قاموا برفع دعواهم مطالبين بالوصية الواجبة على أساس أنهم فقراء، وان شرط الفقر متحقق فيهم، ولذلك فقد قاموا بإثبات فقرهم وعوزهم وقت وفاة جدهم حسبما ورد في أسباب الحكم محل تعليقنا.

وهناك وسائل إثبات عدة يستعملها المستحقون للوصية الواجبة في إثبات فقرهم عند وفاة جدهم ، ومن أهمها: الشهادة على أنه ليس لهم دخل او لهم دخل لا يكفيهم أو أنه لا مال لديهم ، وكذا يتم إثبات الفقر عن طريق المحررات مثل كشوفات الراتب التي تدل على ان الراتب لا يكفي أو إفادات جهات العمل أو شهادات الدائن للمستحقين للوصية الواجبة . (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، صـ117).  

الوجه السابع : غرض المقنن اليمني من إشتراط  الفقر لاستحقاق الوصية الواجبة:

ذكر شيخنا المرحوم القاضي العلامة محمد بن يحيى المطهر في منزل ابنه زيد عام ١٩٩١م بصفته من اعضاء اللجنة التي قامت  بصياغة قانون الاحوال الشخصية منذ ١٩٧٦م و١٩٩١م  ذكر شيخنا: أن القانون اشترط هذا الشرط، لأن اولاد الأبن المستحقين للوصية الواجبة غير وارثين اصلا، لأنهم محجوبون  بأعمامهم، فقد يكون الأعمام وهم من الورثة فقراء، في حين يكون ابناء الابن اغنياء، لان الله سبحانه وتعالى لم يكتب الوصية الواجبة الا اذا ترك الجد خيرا، فإذا لم يكن ابن الأبن فقيرا انتفت الحكمة من تشريع الوصية الواجبة له ، فليس من المقبول أن يرضخ من إرث الأعمام الفقراء الوارثين كوصية إلى ابناء الأبن الأغنياء وهم غير ورثة، لأن الحكمة في تشريع الوصية الواجبة لأبناء الأبن معالجة فقرهم حتى لا يؤرث ذلك في قلوبهم الحقد والضغينة على أعمامهم خاصة أن والدهم ربما كان له دور في تنمية تركة أبيه.  

الوجه الثامن: التلازم بين شرط الفقر وشرط : ان ترك الجد خيرا لإستحقاق الوصية الواجبة:

كان قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ...}[سورة البقرة آية (180)] هو الدليل القوي لدى الفقهاء الذين ذهبوا إلى تقرير الوصية الواجبة، وهذه الآية الكريمة كانت أيضاً الدليل الذي استندت إليه غالبية قوانين الدول العربية التي فرضت الوصية الواجبة في قوانينها، ومن هذه الآية الكريمة استفاد الفقهاء شرط: ان ترك الجد المال الكثير حتى يستحق اولاد الأبن الوصية الواجبة.

 وقد ذهب الفقهاء إلى أن المقصود من قوله تعالى: (أن ترك خيراً) هو: أن لا يتجاوز بالوصية الثلث وأن لا يوصي للأغنياء ويترك الفقراء أو يوصي للقريب ويترك الأقرب مع أنه أشد فقراً ومسكنة، وقال الفقيه يوسف بن أحمد بن عثمان صاحب الكتاب القيم: الثمرات اليانعة الجزء الأول ص ٣٦٠، قال الفقيه  يوسف : ( أن العلماء اختلفوا في قدر (خيراً) المذكور في الآية الكريمة السابق ذكرها على أقوال: فقال: قتادة ألف درهم، وقال النخعي من خمسمائة إلى ألف درهم، وقال: بن عباس: ثمانمائة، وقال الأمام علي كرم الله وجهه: أربعة آلاف درهم، وقالت عائشة: أربعمائة، وقيل أنه على قدر حال الرجل وقدر عوّله وصححه القاضي، لأن شخصاً قد يوصف بأنه غني بقدر من المال ولا يوصف به آخر لكثرة الانفاق، وقال الحسن وعمرو بن عبيد: يكون للأقرب إليه وإن كان غنياً، وقال ابن مسعود وواصل بن عطاء: يكون للأحوج).

 ومن خلال ما تقدم يظهر لنا التلازم فيما بين الشرطين: أن تكون تركة الجد زائدة وان يكون اولاد الابن فقراء – وهذا الأمر يتفاوت من تركة إلى تركة ومن اولاد ابن إلى أولاد ابن اخرين ، فالفقر يقاس على قدر التركة الزائدة، ولذلك فإن القضاء في اليمن يرضخ لاولاد الأبن الوصية الواجبة  على أساس أن الفقر شرط نسبي وان الأصل ان جميع اولاد الأبن فقراء إلا  إذا كان غنى اولاد الأبن ظاهرا وثابتا أمام القضاء يزيد كثيرا على تركة جدهم ، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م ، ص٢٠٦) ، والله اعلم.

تعليقات

عدد الزوار