اليمين غير القضائية في القانون اليمني

اليمين غير القضائية في القانون اليمني

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

اليمين القضائية: هي اليمين التي تتم تاديتها داخل المحكمة أو أمام القاضي الذي تنتدبه المحكمة لسماع الشهادة، في حين ان اليمين غير القضائية تؤدى خارج القضاء أو خارج المحكمة.

 فاليمين وسيلة من اهم وسائل الإثبات واسرعها ، فقد يؤديها الحالف أمام المحكمة اثناء نظرها للنزاع فتكون عندئذ يمين قضائية.

وقد يؤديها الحالف خارج القضاء من غير ان تكون هناك خصومة أمام القضاء فتكون يمين غير قضائية.

  ويلحق باليمين غير القضائية اليمين الدستورية واليمين القانونية التي يؤديها كبار مسئولي الدولة قبل مباشرتهم لاعمالهم ، لأن هذه اليمين تؤدى خارج مجلس القضاء ، واليمين الدستورية أو القانونية يمين غير قضائية تؤدى خارج المحكمة ، كما انها يمين على فعل أو إمتناع في المستقبل ، فليست متعلقة بنزاع قائم بشان افعال اوتصرفات قد وقعت بالفعل في الماضي قبل نشوب النزاع ، ولكن اليمين الدستورية والقانونية يمين معقودة مستقبلية على فعل طاعة وامتناع عن معصية، والمسئول عندما يؤديها فانما يؤديها على نية المستحلف وهو الشعب، وعملا باليمين الدستورية فانه يجب على المسئول رعاية مصالح الشعب والمحافظة عليها لانه حلف على ذلك ، عملا باليمين الدستورية أو القانونية التي حلف بها المسئول عل نية الشعب الذي استحلفه على ذلك، فان حنث المسئول باليمين الدستورية أو القانونية فانه اثم عند الله سبحانه وتعالى ومستحق لاشد العقوبات الاخروية ، كما يجب أن توقع عليه اشد العقوبات في الحياة الدنيا إستعظاما لليمين الدستورية والقانونية التي تعلقت بحقوق ومصالح ملايين الناس.

 ويختلف حكم اليمين سواء القضائية أو غير القضائية في الفقه الاسلامي الذي يقسم حكمها الى حكمين:الحكم الأول:حكمها ديانة أي في الدين أي عند الله سبحانه وتعالى وهو الثواب عند الله ان كان الحالف صادقًا بارا بيمنه، والاثم والعقاب الاخروي إن كان الحالف كاذبا حانثا بيمينه، والحكم الثاني: هو حكم اليمين في القضاء : هو العقوبة التعزيرية الدنيوية إن كان الحالف كاذبا أو حنث بيمينه.

ويقسم الفقه الاسلامي اليمين ديانة الى عدة انواع منها : اليمين المعقودة ويمين اللغو ويمين الغموس.ويمين التحريم ويمين الطلاق .

وبالمقابل فقد اورد الفقه الاسلامي أحكام اليمين القضائية أي التي تتم في مجلس القضاء عند نظر النزاع، فاليمين القضائية تتنوع الى أنواع شتى منها : اليمين الحاسمة واليمين المتممة ويمين الصحة ويمين الاستظهار ويمين الاستيثاق ويمين النفي ويمين الإثبات، وقد نظم قانون الاثبات اليمني أحكام اليمين كوسيلة من وسائل الإثبات ، وقرر القانون اليمين القضائية وغير القضائية فقد نصت المادة (148) من قانون الإثبات اليمني على انه: (يكون حلف اليمين امام المحكمة أو القاضي المنتدب في مجلس القضاء ولايجوز حلفها خارجه إلا فيما يتفق عليه الطرفان في الإطار الشرعي).

 بيد أن القضاء اليمني لايهدر اليمين غير القضائية إذا تمت بصورة صحيحة وتمت بموافقة الحالف والمستحلف ولو كانت خارج القضاء، حسبما قضى الحكم الصادر من الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 25/12/2012م، في الطعن رقم (53689)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه (ومن ناحية أخرى فقد ذكر الشاهد انه رجع الى المدعي الذي قال : أنه قابل بيمين المدعى عليه ولم يذكر يمين على ماذا ، فضلا عن عدم وجود الطرف الثاني مما يعني عدم الإتفاق بشان اليمين ، وفي اليوم التالي قام المدعى عليه بأداء اليمين في غير حضور المدعي ، وانما آخذها الشاهد بنفسه ، وتلك اليمين لم تتم وفقا لما. حددته المادة (148) إثبات)، و سيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: اليمين القضائية واليمين غير القضائية وفقا للمادة (148) إثبات يمني:

قضى الحكم محل تعليقنا بعدم صحة اليمين غير القضائية التي وقعت خارج المحكمة ، لان الخصوم لم يتنفقوا بشانها ،واستند الحكم محل تعليقنا في قضائه الى المادة (148) من قانون الإثبات اليمني اليمني التي نصت على ان: (يكون حلف اليمين امام المحكمة أو القاضي المنتدب في مجلس القضاء ، ولايجوز حلفها خارجه إلا فيما يتفق عليه الطرفان في الإطار الشرعي ).

فالنص القانوني السابق يصرح بان الاصل ان تؤدى اليمين امام المحكمة التي تنظر النزاع أو امام القاضي الذي تندبه المحكمة لسماع الشاهد المعذور عن الحضور أمام المحكمة ، فالأصل أن تكون الشهادة قضائية أمام القاضي، بإعتباره صاحب الولاية العامة في نظر الخصومات والفصل فيها ، وبإعتبار القضاء هو الجهة المختصة في الشرع والدستور والقانون في الفصل في الخصومات.

بيد ان النص القانوني السابق ذاته قد اجاز للخصوم خارج القضاء ان يتفقوا على حسم خلافاتهم عن طريق الصلح والتحكيم وان يتوسلوا اثناء ذلك باليمين لحسم خلافاتهم .

وعلى هذا الأساس فان قانون الاثبات اليمني قد جعل اليمين غير القضائية معتبرة اذا كان الخصوم قد اتفقوا عليها أي اتفق عليها الحالف والمستحلف، وبناء على ذلك فان اليمين التي يبذلها الخصم لخصمه خارج المحكمة لاتكون معتبرة إلا إذا صرح الخصم الاخر بانه قابل بها.

مع التنبيه على ان يمين الطلاق ويمين التحريم من الزوجة إذا نوى الحالف بهما الطلاق فان اثر هذه اليمين بالنسبة للزوجة يقع ، بيد انه لاترتب اثرها بالنسبة للخصم الاخر الذي بذلت اليمين لاجله طالما انه لم يقبل بهذه اليمين. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص131).

الوجه الثاني: اليمين التي يتم الإتفاق عليها بين الخصمين المتنازعين خارج القضاء:

نصت المادة (148) من قانون الإثبات على ان: (يكون حلف اليمين امام المحكمة أو القاضي المنتدب في مجلس القضاء، ولايجوز حلفها خارجه إلا فيما يتفق عليه الطرفان في الإطار الشرعي).

صرح النص القانوني السابق على عدم جواز اداء اليمين أو الحلف خارج القضاء إلا إذا اتفق الخصوم على ذلك أي اتفقوا على حلف اليمين خارج القضاء ، ومؤدئ ذلك انه يجوز حلف اليمين خارج القضاء إذا اتفق الخصمان المتنازعان على ذلك.

 ففي حالات كثيرة تنشب بين الخصوم خلافات، فيطلب احدهما من الآخر أن يحلف اليمين قطعاً للنزاع من غير أن يسبق ذلك رفع دعوى أمام المحكمة أو المحكم ، حيث يحتكم الخصم طالب اليمين إلى ديانة وأمانة وضمير خصمه الذي يوجه اليه اليمين، فيقوم الخصم بحلف اليمين التي طلبها خصمه، وتؤدى هذه اليمين خارج القضاء أي انها غير قضائية.

واليمين التي يحلفها الخصم خارج نطاق القضاء لحسم الخلاف بين الخصوم وبالاتفاق والتراضي بين الخصوم هي يمين معتبرة لها حجيتها حسبما ورد في النص السابق، فحين يطلب احد الخصمين من الآخر حلف اليمين لحسم القائم بينهما، فهذا الأمر يعني ان الخصمين قد اتفقا على تسوية وحسم خلافهما عن طريق حلف اليمين – أي أن حلف اليمين قد تم ضمن إتفاق أو صلح بين الخصوم لحسم الخلاف القائم بينهما من غير اللجوء إلى القضاء أو التحكيم.

ولذلك فان هذا الإتفاق بين الخصوم يكون صلحا بينهم، تنطبق عليه احكام عقد الصلح المقررة في المادة (668) مدني، وقد يكون هذا الصلح مكتوباً فيتم إثباته عن طريق الكتابة أو وثيقة الصلح المكتوبة، وقد لا يكون هذا الصلح مكتوباً فيتم إثباته عن طريق وسائل الإثبات المقررة قانوناً بما في ذلك شهادات الشهود، أما حجية اليمين في هذه الحالة فتكون لها الحجية القانونية ذاتها لليمين القضائية التي تؤدى أمام المحكمة من حيث حسمها للنزاع ولزومها.

الوجه الثالث: اليمين غير القضائية امام المحكم:

نصت المادة (148) من قانون الإثبات على ان: (يكون حلف اليمين امام المحكمة أو القاضي المنتدب في مجلس القضاء، ولايجوز حلفها خارجه إلا فيما يتفق عليه الطرفان في الإطار الشرعي).

 ومعنى هذا النص ان اليمين لاتجوز الا في حالتين :الحالة الاولى: أداء اليمين امام القاضي ، والحالة الثانية: اذا اتفق الخصوم عليها حسبما سبق بيانه، ومع ذلك فانه يجوز حلف اليمين أمام المحكم ، لان الحلف امام المحكم يتم بالتراضي والاتفاق بين الخصوم ، ولذلك فان حلف اليمين أمام المحكم يندرج ضمن الإطار الشرعي الذي اشار اليه النص القانوني السابق.

الوجه الرابع: اليمين غير القضائية في اليمين الدستورية والقانونية التي يؤديها كبار موظفي الدولة قبل مباشرتهم لاعمالهم:

اليمين الدستورية هي التي ينص عليها الدستور والتي يلزم بادائها كبار المسئولين في الدولة كالملك أو رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء و الوزراء ، وذلك بالمحافظة على اراضي الدولة ووحدة ترابها وإحترام أحكام الشرع والدستور والقانون النافذ في الدولة ، وهي قمة الالتزامات، ويقوم كبار المسئولين بادائها قبل مباشرتهم وتوليهم لاعمالهم، بينما اليمين القانونية (مثل يمين القاضي، المحامي، الموظف وغيرهم) تكون واجبة بموجب القوانين المنظمة لاعمال هولاء .

فاليمين الدستورية هي مايقوم به رئيس الجمهورية أو الملك أو رئيس الوزراء والوزراء عند توليهم لتلك الوظائف، إذ يحلف رئيس الجمهورية اوالملك أمام البرلمان، ويحلف رئيس الوزراء والوزراء أمام رئيس الجمهورية ، ومحل اليمين الدستورية هو الحلف بالله على ان يحترم الحالف دستور البلاد وأن يحافظ على استقلالها وسلامة أراضيها ووحدتها ، علماً أنه لا يجوز لرئيس الجمهورية ممارسة مهامه وصلاحياته قبل أدائه لليمين الدستورية ، وتحتسب مدة ولاية الرئيس من تاريخ أدائه لليمين الدستورية.

 ونعرض بعض ما نصت عليه بعض الدساتير العربية بشان موضوع اليمين الدستورية التي يؤديها رئيس الجمهورية امام نواب الشعب باعتبارهم وكلاء عن الشعب في رعاية حقوق الشعب ومصالحه،وذلك كما ياتي:

1- نص الدستور اليمني في المادة (109)على أن: (يؤدي رئيس الجمهورية امام مجلس النواب قبل ان يباشر مهام منصبه اليمين الدستورية).

2- نص الدستور اللبناني في المادة 50 منه: عندما يقبض رئيس الجمهورية على زمام الحكم عليه أن يحلف أمام البرلمان يمين الإخلاص للأمة والدستور بالنص التالي:«أحلف بالله العظيم أني أحترم دستور الأمة اللبنانية وقوانينها وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه»

3- نص الدستور السوري في المادة 90 منه: قبل أن يمارس رئيس الجمهورية ولايته يقسم أمام مجلس الشعب القسم الدستوري الوارد في المادة (7) من هذا الدستور، في حين نصت المادة (7) آنفة الذكر على أن يكون القسم الدستوري على الشكل التالي: أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهوري الديمقراطي الشعبي وأن أحترم الدستور والقوانين وأن أرعى مصالح الشعب وسلامة الوطن وأن أعمل وأناضل لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية).

4- نص الدستور الأردني في المادة 29 منه: يقسم الملك إثر تبوئه العرش أمام مجلس الأمة الذي يلتئم برئاسة رئيس مجلس الأعيان أن يحافظ على الدستور وأن يخلص للأمة.

5- نص الدستور المصري في المادة 79 منه: يؤدى الرئيس أمام مجلس الشعب قبل أن يباشر مهام منصبه اليمين الآتية:«أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على النظام الجمهوري، وأن احترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه».

6- نص الدستور الجزائري في المادة 75منه على أن: يؤدّي رئيس الجمهورية اليمين أمام الشعب بحضور جميع الهيئات العليا في الأمة، خلال الأسبوع الموالي لانتخابه، ويباشر مهمته فور أدائه اليمين.

ومن خلال ماتقدم يظهر ان اليمين الدستورية أو القانونية هي حلف باسم الله تعالى كما انها حلف على القيام في المستقبل بأعمال طاعة أو الامتناع عن أفعال معصية، فاليمين الدستورية يمين على طاعة وهي المحافظة على البلاد والعباد وإحترام أحكام الشرع والدستور والقانون التي تنظم وتحمي حقوق ومصالح البلاد والعباد، ولذلك فهي يمين على طاعة والامتناع عن إرتكاب معاص كالتفريط بسلامة الوطن ووحدة اراضيه، لذلك يجب على المسئول الحالف الوفاء بها وعدم الحنث أو الاخلال بها، فان حنث بها فانه اثم عند الله مستحق لاشد العقوبات لتعلق اليمين الدستورية اوالقانونية بحقوق ومصالح الملايين من افراد الشعب ،ولذلك فعقوبة الحنث باليمين الدستورية او القانونية اكبر واشد من عقوبة الحانث باليمين العادية الفردية التي تتعلق بحق فرد واحد من افراد الشعب.

وعلى هذا الاساس فان اليمين الدستورية أو القانونية من أهم ضمانات قيام المسئولين بمهامهم وواجباتهم الشرعية والدستورية والقانونية على خير مايرام .

ونخلص من هذا الوجه الى القول: ان اليمين الدستورية أو القانونية يمين غير قضائية تؤدى خارج المحكمة ، كما انها يمين على فعل أو إمتناع في المستقبل ، فليست متعلقة بنزاع قائم بشان أفعال وتصرفات قد وقعت بالفعل في الماضي قبل نشوب النزاع ، ولكن هذه اليمين يمين معقودة مستقبلية على فعل طاعة وامتناع عن معصية.

 والمسئول عندما يؤديها فانما يؤديها على نية المستحلف وهو الشعب الذي يجب عليه رعاية مصالحه والمحافظة عليها عملا باليمين الدستورية أو القانونية ، فان حنث بها المسئول فانه اثم عند الله سبحانه وتعالى ومستحق لاشد العقوبات الاخروية كما يجب أن توقع عليه اشد العقوبات في الحياة الدنيا إستعظاما لليمين الدستورية والقانونية التي تعلقت بحقوق ومصالح ملايين الناس. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في المسائل الإدارية الجزء الثاني، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2022م،ص241)، والله اعلم.

تعليقات

عدد الزوار