تفويض المدين للدائن ببيع ماله سداداً للدين: في القانون اليمني
تفويض المدين للدائن ببيع ماله سداداً للدين
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
https://t.me/AbdmomenShjaaAldeen
التفويض في هذا الشأن يعني منح الشخص المفوض سلطة واسعة تستمر حتى بعد وفاة الأصيل الذي قام بالتفويض،ولذلك فان التفويض اوسع نطاقا من التوكيل بالبيع
والتفويض بالبيع يثير إشكاليات عدة سيما التفويض المسبق (التسليط) من حيث مدى مناسبة ثمن المبيع وحرص المفوض على مصلحة المدين الذي قام بتفويضه من حيث مدى مناسبة ثمن المبيع وجهالة الثمن في المستقبل ومدى الخلاف بشأن بعض مفردات المديونية في المستقبل، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٨/١/٢٠١١م في الطعن رقم (42536)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فإن الدائرة تجد: أن نعي الطاعن في السبب الأول من أسباب الطعن غير صحيح، فقد ناقش الحكم الإستئنافي قيام البنك الدائن ببيع الالة المملوكة للمدين الطاعن بموجب التفويض الصادر من الطاعن للبنك المطعون ضده بموجب المحرر بتاريخ.....، وقد سبق للطاعن الإحتجاج بهذا المحرر وبفاتورة بيع البنك للآلة لـ..... وإحتساب ثمن الآلة من حال المديونية التي بذمة الطاعن للبنك)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: الفرق بين الرهن والتفويض ببيع مال المدين:
الرهن العقاري يتم بموجب عقد نموذجي يتم تسجيله في السجل العقاري حتى يكون الرهن حجة في مواجهة الكافة، وتنفيذ الدائن على العقار المرهون إذا اختلف الراهن والمرتهن يستدعي قيام الدائن المرتهن برفع دعواه أمام القضاء للمطالبة بالدين والتنفيذ على العقار المرهون لإقتضاء الدين بنظر القضاء ، ولذلك لا يستطيع المرتهن في هذه الحالة أن يقوم بنفسه ببيع العقار المرهون وإقتضاء الدين من ثمن وفقا للقانون اليمني خلافا لما هو مقرر في بعض القوانين العربية كالأردن وسوريا ولبنان وفلسطين.
أما رهن المنقول كالذهب والسيارات والمعدات والسلاح الأبيض (الجنبية) والسلاح الناري فأنه رهن حيازي ،لأن المنقول المرهون يكون بحوزة الدائن المرتهن، ومع ذلك فإن المرتهن يفضل عند الخلاف مع المدين المرتهن أن يرفع دعواه أمام القضاء للمطالبة بالدين وبيع المنقولات بنظر المحكمة حتى لا يطعن الراهن في صحة ثمن المال المرهون إذا تم بيعه بنظر المرتهن من تلقاء نفسه سيما إذا كانت بعض تفاصيل المديونية محل خلاف بين الطرفين.
ونخلص من هذا الوجه إلى القول: أن بيع المال المرهون عند الخلاف فيما بين الدائن المرتهن والمدين الراهن يتم بنظر القضاء.
أما تفويض المدين الراهن للدائن المرتهن ببيع المال فأنه عبارة عن سلطة يمنحها المدين مالك المال يمنحها للدائن ، وهذه السلطة تخول الدائن الحق في بيع مال المدين محل التفويض وإقتضاء الدين مباشرة من قيمة المال بعد بيعه، وقد يكون المال محل التفويض مرهوناً أو غير مرهون، وقد يصدر التفويض من المدين للدائن وقت نشوء الدين وقد يصدر وقت حلول أجل سداد الدين، و قد يكون مال المدين محل التفويض بقبضة الدائن وقد لايكون كذلك. (النظرية العامة للمصرفية الاسلامية أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٦م، ص٤٣٢).
الوجه الثاني: سبب تفويض المدين للدائن ببيع المال وإقتضاء الدين منه مباشرة:
سبب ذلك أن الدائن يسعى جاهداً لتحصيل دينه بيسر وسهولة، ويشعرالدائن أن المدين ربما لن يسدد الدين في الميعاد المتفق عليه وعندئذ لن يكون المدين جاداً أو مهتماً ببيع ماله وسداد الدين من قيمته، ومن أسباب ذلك أن الدائن يخشى من تدهور الحالة المالية للمدين وتعثره في الوفاء بالدين ومزاحمة الدائنين الاخرين فيطلب الدائمة المدين تفويضه بالبيع.
الوجه الثالث: صدور التفويض من المدين في وقت حلول اجل سداد الدين دليل على رضاء المدين بذلك:
إذا صدر التفويض من المدين عند حلول الأجل المحدد لسداد الدين فإن ذلك يدل على موافقة ورضاء المدين بأن يقوم الدائن بنفسه ببيع المال وإقتضاء الدين من قيمة المال،والتفويض في هذه الحالة لايثير اية إشكالية لانه قد صدر وقت حلول اجل السداد ،فالمديونية في هذا الوقت تكون معلومة للطرفين كما ان قيمة المال محل التفويض تكون معلومة في هذا الوقت.
الوجه الرابع: تفويض المدين المسبق للدائن بالبيع:
المقصود بالتفويض المسبق: أن المدين عند إبرام عقد القرض يقوم بتفويض الدائن ببيع مال المدين إذا لم يقم المدين بالوفاء بالدين في الميعاد المتفق عليه.
وفي هذه الحالة قد يكون التفويض بنداً من بنود عقد الرهن كما هو الحال في بعض الدول كالأردن وسوريا وفلسطين ولبنان، وقد يكون التفويض بنداً من ضمن بنود عقد القرض ذاته.
و تفويض المدين المسبق للدائن يثير بعض الإشكاليات الشرعية والقانونية، ففي الجانب الشرعي يذهب فريق من الفقهاء إلى ان شرط التفويض بالبيع إذا ورد ضمن عقد القرض فإن ذلك داخل في النهي النبوي الشريف عن عقد وشرط،لان التفويض شرط في العقد، ولأن هذا الشرط تعتريه الجهالة فيفضي إلى النزاع فيما بين الدائن والمدين في المستقبل، فالجهالة تعتري هذا الشرط، لان ثمن المال في المستقبل غير معلوم عند إبرام العقد فضلا عن جهالة المديونية في المستقبل لان المدين قد يسدد قسما منها في المستقبل.
كذلك يثير التفويض المسبق إشكاليات بالنسبة للجانب القانوني عند الخلاف بين الدائن والمدين ، فيقوم الدائن نفسه ببيع مال المدين ، ولذلك فإن الدائن المفوض لا يقوم بالبيع بنفسه وإنما يفضل اللجوء إلى القضاء تجنباً لأية خلافات قد تنشأ فيما بينه وبين المدين في المستقبل بشان مدى مناسبة الثمن الذي تم بيع المال به.
ولذلك فقد لاحظنا في الحكم محل تعليقنا أن المدين الطاعن كان يجادل في عملية بيع الآلة التي قام البنك المطعون ضده ببيعها بناءً على تفويض المدين الطاعن.
الوجه الخامس: الفرق بين التفويض والتوكيل:
التفويض أعم وأوسع من التوكيل، فالتفويض هو منح المفوض سلطة عامة في حدود عبارة التفويض ، حيث تكون للشخص المفوض السلطة الأصلية كسلطة الأصيل حيث يتصرف في المال محل التفويض من تلقاء نفسه من غير رجوع إلى الأصيل الذي قام بتفويضه.
أما التوكيل فيكون محدوداً بحدود القيام مقام الأصيل في أمر معين، كما يختلف التفويض عن التوكيل من حيث تأثير وفاة الأصيل على الوكيل أو المفوض ، فالوكالة تنتهي بالوفاة بخلاف التفويض، ولذلك يحرص الدائن على الحصول على التفويض وليس التوكيل. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل البنوك والمصارف ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، ص١٩٨)، والله اعلم.