معنى استقر قضاء المحكمة العليا

معنى استقر قضاء المحكمة العليا

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

هناك فرق بين القاعدة القضائية (السابقة القضائية) وبين المبدا القضائي ، فالسابقة القضائية لا يشترط في الوقائع المماثلة أو المشابهة عدة احكام متماثلة ، كما لا يشترط فيها إنقضاء فترة زمنية معينة على صدورها ، في حين يشترط ذلك بالنسبة للمبدا القضائي ، ولذلك فان المبدا الفضائي أقوى من السابقة القضائية أو القاعدة القضائية.

وعلى هذا الاساس فان القول بانه : قد استقر قضاء المحكمة العليا على كذا لايطلق هذا القول إلا اذا كان قضاء المحكمة العليا قد صار مبدا قضائيا مستقرا وراسخا ومستمرا لفترة من الزمن، وقد أشار إلى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 17-1-2011م في الطعن رقم (43523)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: (فالدائرة تجد: ان الضابط لسلب ولاية القضاء اليمني ومنحها لقضاء أجنبي ما جرى به قضاء هذه الدائرة هو مدى تعلق النزاع بعقار موجود خارج اليمن من عدمه، فان قضاء الحكم المطعون فيه المؤيد للحكم الابتدائي لم يخرج عما استقر عليه قضاء المحكمة العليا في هذا الصدد)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: دلالة عبارة استقر قضاء المحكمة العليا:

تدل عبارة (استقر قضاء المحكمة العليا على كذا) تدل على أن المحكمة العليا قد رسخت في إجتهادها مبداً قانونياً معيناً في مسألة معينة أو واقعة معينة، وأن المحكمة العليا قد استقر قضاؤها على رأي ثابت ومستمر ومستقر لفترة من الزمن ، وان أحكام المحكمة العليا في مسألة أو واقعة معينة قد تماثلت أو تطابقت ،مما يجعل هذا الاجتهاد مبدا مستقرا ومستمرا ، مما يجعله أيضا معتمدا في المسائل المماثلة أو المشابهة، كما أن عبارة (استقر قضاء المحكمة العليا على كذا) تدل على أن المحكمة العليا لم تعد تسمح بالإجتهاد المخالف لهذا المبدأ.

الوجه الثاني: الفرق بين المبدأ القضائي والقاعدة القضائية والقاعدة القانونية:

يظهر الفرق بين المبدأ القضائي والقاعدة القضائية يظهر في درجة العمومية والتجريد والديمومة ، فالمبدأ القضائي هو خلاصة شاملة ومجردة يتم إستخلاصه من مجموعة أحكام جزئية (السوابق القضائية) ليصبح لاحقاً قاعدة ملزمة للقضاة.

بينما القاعدة القضائية هي مجرد حكم جزئي صادر في قضية أو واقعة معينة يعد سابقة يسترشد بها في القضايا المماثلة.

فالمبادئ بصفة عامة هي الأصول الكلية الجامعة التي تدور حولها مجموعة من الأحكام الصادرة في مسائل متماثلة أو متشابهة، والمبادئ القضائية تؤسس لإستقرار أحكام القضاء ، وتتخذها المحاكم العليا أو محاكم النقض أسسا ثابتة في قضائها.

 أما السوابق القضائية فهي احكام أحادية يمكن للقاضي أن يستأنس بها لكنه غير ملزم بها بالضرورة في الوقائع المماثلة أو المشابهة مالم تتحول إلى مبدأ مستقر.

وصفوة القول: أن القاعدة القضائية (السابقة القضائية) ليست كالمبدأ القضائي، بيد أن القاعدة القضائية أو السابقة القضائية قد تصير مبداً قضائياً إذا استقر قضاء المحكمة العليا على الاخذ بها في احكام عدة ولفترة معينة وبصفة مستمرة على النحو السابق بيانه .

كما انه من المؤكد أن المبدأ القضائي والقاعدة القضائية يختلفا عن المبدأ القانوني والقاعدة القانونية، فالمبدأ القضائي والقاعدة القضائية مصدرهما إجتهاد القاضي، في حين أن المبدأ القانوني والقاعدة القانونية مصدرهما النصوص القانونية. (الإجتهاد القضائي، د. ميشال تركيه، المؤسسة الحديثة للكتاب 2011م، صـ65).

الوجه الثالث: متى يستقر قضاء المحكمة العليا في مسألة معينة؟:

سبق القول أن معنى إستقرار قضاء المحكمة العليا أو القول : (استقر قضاء المحكمة العليا) أن معنى ذلك أن الأمر قد صار مبداً قضائياً مستقرا ثابتا راسخا دائما وليس قاعدة أو سابقة قضائية.

وعلى هذا الأساس فإن قضاء المحكمة العليا يستقر إذا كانت قد صدرت في مسألة أو وقائع معينة عدة أحكام من المحكمة العليا متماثلة أو متطابقة في فترات متباعدة وبصفة مستمرة ، وكانت هذه الاحكام متطابقة أو واحدة في تلك الوقائع أو المسائل المتشابهة، وقد سبق القول أن إستقرار القضاء يعني أن السابقة القضائية أو القاعدة القضائية قد صارت مبداً قضائياً مستقراً وراسخا ومستمرا ودائما ً.

ومع ذلك يحق للمحكمة العليا العدول عن إجتهادها وفقاً للمادة (29) من قانون السلطة القضائية اليمني التي نصت على أن: (تختص الجمعية العامة للمحكمة العليا بما يلي: -أ- النظر في الدعاوى التي تحيلها إليها إحدى دوائر المحكمة العليا إذا رأت هذه الدائرة العدول عن إجتهاد قضائي للمحكمة العليا. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، صـ189)، والله أعلم .