لا يكاشف القاضي الخصوم بالقرينة القضائية
لا يكاشف القاضي الخصوم بالقرينة القضائية
القرينة القضائية هي إستنباط امر مجهول من امر معلوم ، وبناء على ذلك فان القاضي يستنبط القرينة القضائية من وقائع القضية وظروفها وملابساتها الثابتة في اوراق القضية ، وتتم عملية استخلاص القاضي للقرينة القضائية بعد حجزه القضية للحكم وتحديد معالم القضية ، واثناء دراسة القاضي لاوراق القضية واثناء صياغته لأسباب الحكم.
ولذلك لا يجوز للقاضي ان يكاشف الخصوم بالقرائن القضائية التي يستنبطها، ولكن يحق للخصم ان يدحض هذه القرائن بعد صدور الحكم وعند الطعن فيه ، لان القرينة القضائية التي يستلخصها تكون ضمن أسباب الحكم.
وقد اوجب قانون المرافعات على القاضي عند تسبيب حكمه أن تكون أسانيد الحكم لها أصل ثابت في أوراق القضية، أي أن تكون الوقائع والظروف التي يستنبط منها القاضي مطروحة امام القاضي أثناء إجراءات نظر القضية، فبعد صدور الحكم الذي ترد القرينة القضائية ضمن أسبابه ، عندئذٍ يطلع الخصم على القرينة القضائية ، وله عندئذ أن يدحضها ، اما قبل صدور الحكم فلايجوز للقاضي ان يكشف للخصوم القرائن القضائية التي استنبطها ،لان ذلك يخل بحياد القاضي، فضلاً عن ان ذلك إفصاح من القاضي عن قناعته بشأن أدلة القضية، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 10/12/2011م في الطعن رقم (46209)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (أما قول الطاعن في نهاية السبب الأول من أسباب طعنه: أنه كان على القاضي إعلام الخصم بالقرينة القضائية التي ينوي الإعتماد عليها في حكمه حتى تتم مناقشتها، فالدائرة: تجد أن هذا القول لا سند له من القانون، لأنه سيكون بمثابة الإفصاح عن رأي مسبق للقاضي ، فقول الطاعن يخالف القانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: تعريف القرينة القضائية:
عرف قانون الإثبات اليمني القرينة بصفة عامة في المادة (154) بانها: (القرينة هي الإمارات التي تدل على إثبات ما خفي من الوقائع, ودلائل الحال المصاحبة للواقعة المراد إثباتها وهي على ثلاثة أنواع).
كما عرف قانون الاثبات اليمني القرائن القضائية في الفقرة ( ب ) من المادة (155) بانها : (ما تستنبطه المحكمة من الأمور الواقعية أو المعاينة التي تدل على صور الحال في القضية, كخروج شخص من داره في يده سكين تقطر دما أو سلاح ناري عليه أثر الاستعمال مع وجود قتيل في تلك الدار وليس بها غيره، والنكول عن اليمين ممن وجبت عليه).
فالقرينة القضائية استنباط امر مجهول من امر معلوم ، فالقرائن القضائية تستنبطها المحكمة من وقائع الدعوى وظروفها، فهي تختلف عن القرائن القانونية التي ينص عليها القانون بشكل مباشر.
والقرينة القضائية نتيجة يستنبطها القاضي من وقائع وملابسات الدعوى المطروحة أمامه الثابتة فعلا في اوراق القضية لمعرفة واقعة أخرى متنازع عليها.
فالقرائن القضائية لا ينص عليها القانون و انما يستنبطها ويستلخصها قاضي الموضوع من وقائع وظروف الدعوى المنظورة امامه.
والقرائن القضائية عبارة عن استنباط القاضي الامور المجهولة لديه في الدعوى من الامور المعلومة في اوراق القضية، فالقاضي يستنبط القرينة القضائية من ظروف ووقائع الدعوى وموضوعها ، ويقال عن القرينة القضائية بأنها استنباط القاضي امر غير ثابت من امر ثابت لديه في وقائع الدعوى المنظورة امامه .
وإستنباط القاضي للقرائن القضائية يتوقف على خبرته و مدى قدرته على فهم الوقائع والاحاطة بها.
كما ان القرائن القضائية لا حصر لها فهي كثيرة ومتعددة يستنتجها القاضي من موضوع كل دعوى و ملابسات ظروفها وما يتسنى له من الوسائل العلمية و العملية
ان القرائن القضائية أمارات يستخلصها القاضي من الوقائع المطروحة امامه وملابساتها ، فإستخلاصها مرهون بفطنة القاضي و ذكائه و شدة ملاحظته، وربطه للأمور بعضها مع بعض حتى يتمكن من إستخلاص القرينة .
والقرائن القضائية ليست متناهية فهي تتجدد بتجدد الحوادث و القضايا المعروضة ،فلكل واقعة اماراتها و علاماتها و بالتالي قرائنها الخاصة بها.
ومن الأمثلة على القرينة القضائية، استنباط القاضي من واقعة القرض أن المقترض كان بحاجة الى المال عندما اقترض المال، وكذلك أيضا استنباط القاضي من صلة القرابة قرينة على صورية التصرف محل الدعوى. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في القرائن، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص ١١٩).
الوجه الثاني: خصائص القرائن القضائية:
للقرائن القضائية خصائص عدة من اهمها :
١-القرائن القضائية ليست محددة على سبيل الحصر، والعلة في ذلك أنها سلطة من سلطات وصلاحية من صلاحيات القاضي، لذلك فهي تختلف من دعوى الى أخرى.
٢- تعتبر القرائن القضائية حجة متعدية، أي تكون حجة ثابتة في مواجهة الكافة (الخصوم والغير).
٣- لا تتمتع القرائن القضائية بطابع العموم والشمول في أغلب الأحوال ،لأنها تتغير وتتبدل، ولكن في حال تواتر القضاء على الأخذ بها تكتسب بذلك طابع إلزامي لتتحول نتيجة ذلك الى قاعدة قضائية كما قد تتحول الى قرينة قانونية.
٤- القرائن القضائية من الأدلة المقيدة في الإثبات، حيث لا يجوز الإثبات فيها إلا في الأحوال التي يجوز الإثبات فيها بالشهادة، والعلة في ذلك من أجل الحد من الأخطاء التي قد تقع نتيجة خطأ القاضي في الاستنباط، وحتى لايسرف القاضي في استباط ادلة للخصوم ، فيخل ذلك بحياد القاضي.
٥- القرينة القضائية دليل عقلي فهي نتاج عملية ذهنية يقوم بها القاضي لاستنباط الواقعة المجهولة من خلال دراسته للوقائع المعلومة ، الأمر الذي يزيد من خطورتها كون القاضي نفسه هو الذي يقوم باستنباطها و هو معرض للخطأ .
٦- قوة القرينة القضائية الثبوتية غير مطلقة ، أي تعدّ وسيلة إثبات محدودة أو مقيدة، متروك أمر تقديرها للقاضي ، الذي له الأخذ بها أو طرحها ، أو الاكتفاء بقرينة واحدة ونبذ القرائن الأخرى التي لم تولد قناعته ، بينما تتمتّع القرينة القانونية بقوة ثبوتية مطلقة تلزم القاضي بالأخذ بها دون أي تغيير .
٧-- ليس للقرائن القضائية طابع إلزامي كونها من مسائل الواقع التي يعود لقاضي الموضوع تقديرها ، ولارقابة على قرارته بهذا الشأن خلاف القرينة القانونية .
٨- مما لا شك فيه أنّ القاضي وإن كان تقديره مطلقاً في عملية استنباط القرائن القضائية إلا ان القاضي يكون ملزماً بتعليل إستباطه للقرينة وبيان كيفية إستنباطه والادلة على سلامة هذا الاستنباط، بمعنى أن القاضي ملزم بتبيان الأسباب التي دفعته إلى هذا الاستنتاج ، إضافة إلى وجوب إظهار القاضي للترابط والتلازم بين الواقعة المستنبطة من موضوع الدعوى والواقعة الثابتة بالفعل، كما يجب على القاضي في هذه الحالة التدليل على أن إستنباطه للقرينة القضائية له اصل في اوراق القضية، حتى تتمكن محكمة الطعن من الرقابة على سلامة إستنباطه للقرينة نظرا لخطورتها.
بينما يقتصر دور القاضي في القرينة القانونية على التحقق من مدى تطابق القرينة القانونية مع واقعة الدعوى ، ليقوم عندها بتطبيق القرينة القانونية دون ظهور أي شكل من أشكال سلطته التقديرية .
٩- القرينة القضائية تتكون من عنصرين : هما العنصر المادي : وهو عبارة عن الواقعة الثابتة المعلومة التي يرتكز عليها القاضي ويختارها من وقائع وظروف الدعوى والتي يعتمد عليها القاضي في إستنباط الواقعة غير المعلومة، والعنصر الآخر للقرينة القضائية: هو العنصر المعنوي الذي يشكل ركيزة قناعة القاضي الشخصية وهو عبارة عن عملية الاستنتاج والاستنباط للقرينة القضائية التي يقوم بها القاضي عملاً بسلطته التقديرية لإثبات الواقعة غير المعروفة ، والتي لا يمكن اثباتها أو عجز من ادعى بها عن اثباتها (مثل تخلّف المدعى عليه عن حضور الجلسات).
فالقرائن القضائية تقوم على ركنين أساسيين هما الركن المادي الذي يتكون من الوقائع الثابتة الدلالة التي عبر عنها قانون الاثبات اليمني في المادة (١٥٥)ب ( الأمور الواقعية) ، فالقرينة القضائية لا تتقرر إلا إذا استخلصها القاضي من واقعة ثابتة الدليل على واقعة مجهولة، والركن الثاني للقرائن القضائية هو الركن المعنوي، الذي يتمثل بعملية استنباط دليل الإثبات من الركن المادي، ويستخدم القاضي في عملية الاستنباط عقله وقواعد المنطق ليصل الى الواقعة المجهولة المراد إثباتها، حيث يعتبر ذلك من أعمال القاضي، ويتطلب منه بذل مجهود ذهني كبير لتكوين اعتقاده من أجل أن يستخلص هذه القرينة من الواقعة الثابتة المعلومة للوصول الى الواقعة المجهولة. (القرائن القضائية، د.عبد الرضا أحمد عياش، المرجع الإلكتروني للمعلوماتية، ص١٩).
الوجه الثالث:حجية القرائن القضائية في الإثبات:
نصت المادة (157) من قانون الإثبات اليمني على أنه: (للمحكمة أن تأخذ بالقرينة القاطعة التي يمكن استنباطها من وقائع الحال ، وأن تعتبرها دليلاً كاملاً على الواقعة المراد إثباتها في الأحوال التي يجوز فيها ذلك وهو الأموال والحقوق ، ويجوز للخصم أن يثبت أنها غير صحيحة بالبينة القانونية).
والقرائن القضائية كما القانونية تعد من وسائل الإثبات غير المباشرة كونها لا ترد على الواقعة المراد اثباتها مباشرة ، إنّما ترد على الواقعة الثابتة المرتبطة بالأولى عبر رابطة سببية يمكن الاستنتاج منها إضافة إلى امكانية اثبات عكس القرينة القضائية بشتى وسائل الإثبات ، وهي القاعدة التي تسري على أغلب وسائل الإثبات إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك .
ويتمتع القاضي بسلطة واسعة في استنباط كل قرينة لم يقررها القانون، وسلطته في هذا الاستنباط مطلقة ، حيث يترك لتقديره حرية اختيار أية واقعة من الوقائع الثابتة أمامه لكي يستنبط منها القرينة، كما أن له سلطة واسعة في استنباط ما تحتمله الوقائع من دلالة، ثم بعد ذلك هو حر في تكوين عقيدته، فقد تقنعه قرينة واحدة قوية الدلالة، وقد لا يقتنع بقرائن متعددة ضعيفة الدلالة،ولايخضع القاضي في تقديره هذا لرقابة محكمة النقض إلا إذا لم يكن للقرينة المستنبطة اصل في اوراق القضية.
وتقوم القرائن القضائية بدور عملي كبير في الإثبات، نظرا لتعذر وصعوبة الإثبات المباشر، الذي ينصب على الواقعة ذاتها المطلوب إثباتها في كثير من الأحيان، فيلجأ المدعي إلى إثبات وقائع مجاورة او ملازمة للواقعة المتنازع عليها، بحيث يستنتج منها القاضي ثبوت الواقعة المتنازع عليها.
على ان القرائن القضائية يمكن اثبات عكسها بكافة وسائل الاثبات حتى بقرينة قضائية اخرى، ولذلك فأنها دون القرينة القانونية في الحجية، و لهذا يجوز الاثبات بالقرائن في الاحوال التي يجوز الاثبات فيها بشهادة الشهود لان هذه القرائن تعتبر ادلة غير مباشرة حيث انها تعتبر من الأدلة الاستثنائية ، لانها مبنية على استنتاجات القاضي ، فهو انسان كسائر البشر قد يخطئ في استنتاجاته او يصيب.
فالقرينة القضائية دليل غير قاطع قابل لأثبات العكس لأنها اضعف الادلة ، لانه يجوز إثبات عكسها في معظم الأحوال , لكن من حق محكمة الموضوع التقدير والاخذ بالقرائن والادلة التي تتفق مع قناعتها القضائية.
فالقرائن القضائية دليل إثبات غير قاطع، لانه يمكن للخصم إثبات ما يخالفها بمثلها وبما هو أقوى منها، فالقرينة القضائية من أدلة الإثبات غير المباشرة، كونها لا تنصب على الواقعة القانونية مصدر الحق المدعى به الثابتة وإنما على واقعة أخرى قريبة منها ومتصلة ومتعلقة بها. (الإثبات في المواد المدنية و التجارية - دراسة في لبنان و مصر ، د. محمد يحي مطر ، الدار الجامعية ، بيروت 1987 ، ص 143).
وباستقراء نص المادة (١٣) من قانون الاثبات اليمني وتعديلاته يتضح أن القرائن القضائية تقع في مرتبة أدنى من الكتابة والإقرار واليمين،ومع ذلك فان القرينة تكون بمنزلة الشهادة من حيث انه يجوز الاستدلال و الإثبات بالقرينة القضائية في كافة المسائل التي يجوز فيها الاثبات بشهادة الشهود وذلك في مسائل الأموال والحقوق ، بيد انه لايجوز الإثبات بها في مسائل الحدود والقصاص وفقا لاحكام لشريعة الاسلامية والقانون اليمني.
كما ان القرينة القضائية ذات حجية متعدية وغير ملزمة، فهي تقبل إثبات العكس بكافة طرق الإثبات، وتأخذ حكم الشهادة لأنها تقوم على الظن والترجيح.
وفي هذا الشان نصت المادة (102) من قانون الاثبات العراقي على انه : (وللقاضي استنباط كل قرينة لم يقررها القانون وذلك في نطاق ما يجوز اثباته بالشهادة).
وتتميز القرائن القضائية بأهمية كبيرة لما للقاضي من سلطة واسعة في استنباطها من وقائع الدعوى وظروفها بمختلف الوسائل والطرق، وللقرائن القضائية أهمية فيما يخص عبء الاثبات، فهي تعد من الوسائل التي يستعين بها القاضي للقيام بنقل عبء الاثبات بين الخصوم وللتخفيف من قاعدة (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) حتى لا يقع عبء الاثبات على كاهل احد الخصمين دون الآخر عن طريق الاكتفاء بما يجعل الأمر المدعى قريب التصديق، والزام المدعى عليه، نفي هذا الأمر، ثم يقوم القاضي بتكوين قناعته من مجموع ما يدلي به الخصمان . ويستهدي القاضي بالقرائن القضائية في الكشف عن ارادة المتعاقدين واستظهار قصدهما، لان للمحكمة سلطة تقديرية واسعة في استنباطها من الوقائع الثابتة او المعلومة المتوفرة في الدعوى او من ظروف الدعوى ، فمثلا تستتر الوصية تحت اسم البيع لغرض يقصده الموصي، فللمحكمة ان تستظهر ارادة الموصي ولها ان تستعين بالقرائن القضائية في ذلك، ومن هذه القرائن، استمرار وضع البائع اليد على العقار واستغلاله الى حين وفاته، وعدم تسجيل العقد واستمرار قيام البائع بدفع الديون العقارية المطلوبة، وفقر المشتري وعدم قدرته على دفع الثمن، المسمى في العقد، سيما اذا اقترن ذلك باشتراك البائع عدم تصرف المشتري في الرقبة طوال حياته ، وللقاضي ان يستخلص من عدم استجابة الخصم لطلبات المحكمة واستيضاحاتها دون عذر مقبول، او من مماطلته ولجوئه الى أمور من شأنها ان تؤدي الى تأخير حسم الدعوى دون مبرر قانوني قرينة تساعد على حسم الدعوى (-نقض مصري في 16/12/1943، مجموعة القواعد القانونية (مجموعة محمود أحمد عمر) ج4 رقم 83 ص231.).
الوجه الرابع: الفرق بين القرائن القضائية والقرائن القانونية:
هناك أوجه شبه بين القرائن القضائية والقرائن القانونية: إذ تقوم كل من القرائن القانونية والقرائن القضائية على إستنباط واستخلاص واقعة مجهولة وغير ثابتة من واقعة معلومة وثابتة ، وذلك على أساس ما هو راجح الوقوع، كما يجب في كليهما إثبات هذه الواقعة المعلومة.
فالقرينة القانونية والقرينة القضائية تقومان على فكرة واحدة هي فكرة ما هو راجح الوقوع وهما من طبيعة واحدة من حيث التكيف، لأن كل منهما ينطوي على اثبات غير مباشر، ومقتضى ذلك أن ينتقل محل الإثبات من الواقعة المتنازع فيها الى واقعة اخرى متصلة أو مجاورة أو ملازمة يسهل اثبتها، بحيث اذا ثبتت اعتبر ثبوتها دليلا على صحة الواقعة الأولى، أي الواقعة المتنازع فيها، وهذا يتم وفقا لفكرة تحول الإثبات التي يستند إليها الإثبات غير المباشر, ( القرائن القضائية، المرجع الإلكتروني للمعلوماتية، د.عبد الرضا أحمد عياش، ص٢٢).
ومع ذلك فان هناك فروق جوهرية بين القرائن القضائية والقرائن القانونية يمكن تلخيصها كما ياتي:
1- مصدر كل منهما يختلف عن الآخر، فالقرائن القانونية مصدرها القانون ،فهي من صنع المقنن، أما القرائن القضائية فمصدرها هو القضاء وهي من عمل القاضي، فالقرينة القانونية مصدرها القانون ( نص تشريعي ) وقد وردت على سبيل الحصر, فلا يجوز التوسع في النص القانوني المنشئ للقرينة القانونية أو القياس عليها, أما القرينة القضائية فهي من عمل القاضي يستخلصها من ظروف الدعوى ويعود له أمر الاقتناع, ويترك له استنباطها وإقامة الحكم متى اقتنع بدلالتها.
2- -القرائن القانونية تمتاز بأن لها صفة التجريد لكونها تتقرر مقدما، أما القرائن القضائية فلا تتقرر إلا بمناسبة دعوى مطروحة أمام القضاء، فلا تتقرر مقدما كما هو الحال في القرائن القانونية.
3- القرائن القانونية تتمتع بصفة الالزام، لانها نص قرره المشرع فتكون ملزمة للقاضي ويقتصر دوره في حال وجودها وتوافرها على التحقق من مدى انطباق هذه القرينة على واقعة الدعوى وليس له سلطة تقديرية فيها، أما القرائن القضائية فلا تتمتع بهذه الصفة، كونها خاضعة للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، فهو فقط من يستقل بتقديرها ولارقابة عليه في ذلك مادام ان إستنباطه لها له اصل ثابت في أوراق القضية، فالقرينة القانونية القاطعة ملزمة للقاضي ودور القاضي ينحصر في مدى التحقق من انطباق القرينة القانونية على واقعة الدعوى, وليس له فيها أي سلطة تقديرية ، لأن المشرع هو الذي يقرر القرينة القانونية, أما القرينة القضائية فهي ليست ملزمة للقاضي ، لأنها تقديرية وذات طابع فردي تختلف من دعوى الى أخرى,ولارقابة لمحكمة النقض عليها.
4- تختلف كل منهما من حيث حجية الإثبات، فالقرائن القانونية البسيطة يجوز نقضها بالدليل العكسي بخلاف القرينة القانونية التي لايجوز إثبات عكسها ، في حين ان القرائن القضائية تقبل دائما إثبات العكس ويجوز نقضها بكافة طرق الإثبات، وهي مقيدة بما يجوز إثباته بالشهود فقط.
5- القرائن القضائية لا يمكن حصرها على خلاف القرائن القانونية المحددة والمحصورة في نصوص قانونية لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها.
6- القرينة القانونية القاطعة تعفي من تقررت لمصلحته من الإثبات حتى لو كان الامر مما يوجب قانونا إثباته بالكتابة, أما القرينة القضائية فنطاق الإثبات مقصور على ما يجوز إثباته بالشهادة وتعتبر دليلا إيجابيا في الإثبات, وإن كان غير مباشر فيلزم الخصم المكلف بالإثبات جمع المؤشرات أو الأمارات أو الدلائل من وقائع الدعوى وتقديمها للقاضي, للاستدلال بها على الواقعة المطلوب إثباتها معتبرا إياها قرينة قضائية.
7- القرينة القانونية تتصل بموضوع الحق اتصالا وثيقا وهي ليس لها أثر رجعي إلا بنص قانوني, أما القرينة القضائية فهي من عمل القاضي ولا يتقيد بأي قيد في تطبيقها متى اقتنع بدلالتها. ( الإثبات في المواد المدنية والتجارية ، نبيل إبراهيم سعد، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، بيروت 1995 ، ص 185 – 186).
الوجه الخامس: تحول القرينة القضائية الى قاعدة قضائية او قرينة قانونية:
يلاحظ أن القرائن القضائية قد تتحول إلى قاعدة إذا استقرت أحكام القضاء عليها ، كما ان القرائن القضائية قد تنتهي إلى أن تصبح قرائن قانونية ، من ذلك ما جرت عليه أحكام القضاء المصري من استخلاص بيئة الإيفاء من احتفاظ البائع لنفسه بحيازة العين والانتفاع بها مدى حياته، فقد جعل التقنين المدني المدني من هذه القرينة القضائية قرينة قانونية ونص على أنه : "إذا تصرف شخص لأحد ورثته واحتفظ بأية طريقة كانت بحيازة العين التي تصرف بها ، وبحقه في الانتفاع بها مدى حياته ، اعتبر التصرّف مضافاً إلى ما بعد الموت و تسري عليه أحكام الوصية ما لم يقم دليل يخالف ذلك " (المادة 917 من التقنين المدني المصري) . كذلك فقد جرى القضاء المصري على اعتبار الوفاء بقسط من الأجرة قرينة قضائية على الوفاء بالأقساط السابقة على هذا القسط ، وجاء التقنين المدني المدني ليقرر أن : الوفاء بقسط من الأجرة قرينة على الوفاء بالأقساط السابقة على هذا القسط حتى يقوم الدليل على عكس ذلك " ، وكذلك جرت أحكام القضاء المصري على اعتبار مجرد تهدم البناء قرينة على خطأ حارس البناء ، و قد جعل التقنين المدني المدني من هذه القرينة القضائية قرينة قانونية و نص على أن : حارس البناء ، و لو لم يكن مالكاً له ، مسؤول عما يحدثه انهدام البناء من ضرر و لو كان انهداماً جزئياً ، ما لم يثبت أن الحادث لا يرجع إلى إهمال الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه . (موسوعة أصول المحاكمات المدنية والاثبات والتنفيذ ، د. أدوارد عيد، بيروت 1991 ، الجزء 17 ، الصفحة 516).
الوجه السادس: وقت إستخلاص القاضي القرائن القضائية:
من خلال ما تم عرضه في الأوجه السابقة يظهر أن القاضي يقوم بإستخلاص القرائن القضائية بعد حجز القضية للحكم، إذ يقوم القاضي بدراسة كافة أوراق القضية المتضمنة ظروف القضية ووقائعها وعلاماتها وأدلتها.
وعلى هذا الأساس فإن إستخلاص القاضي للقرائن القضائية يتم عند صياغة القاضي لأسباب الحكم، فلا يكون إستخلاص القرائن القضائية أثناء المحاكمة وإنما عند دراسة أوراق القضية وصياغة أسباب الحكم.
الوجه السابع: وقت قيام الخصم بإثبات خلاف القرينة القضائية:
نصت المادة (157) إثبات على أنه: (يجوز للخصم أن يثبت أن القرينة غير صحيحة بالبينة القانونية) ومعنى ذلك أن الخصم يملك ذلك الحق عند قيامه بالطعن في الحكم امام محكمة الطعن بعد صدور الحكم.
فبعد صدور الحكم الذي يتضمن القرينة القضائية ضمن أسبابه فعندئذٍ يطلع الخصم على القرينة القضائية ، وله عندئذ أن يدحضها في عريضة طعنه في الحكم،
اما قبل صدور الحكم فلا يجوز للقاضي ان يكشف للخصوم القرائن القضائية التي استنبطها ،لان ذلك يخل بحياد القاضي، فضلاً عن ان ذلك إفصاح من القاضي عن قناعته بشأن أدلة القضية، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في القرائن، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص ١٢٢) ، والله اعلم.

تعليقات
إرسال تعليق