الرقابة على تطبيق المحاكم الموحد للقانون

الرقابة على تطبيق المحاكم الموحد للقانون

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

https://t.me/AbdmomenShjaaAldeen

من خصائص النصوص القانونية انها عامة ومجردة ومرنة يتم تطبيقها على ملايين الاشخاص والوقائع، ومبدا الفصل بين السلطات يقتضي ان يقتصر عمل القاضي عند الفصل  في الخصومات على تطبيق النص القانوني الذي سنته السلطة التشريعية ، ولاريب أن تطبيق النصوص القانونية على القضايا والوقائع المتماثلة يحقق العدل والانصاف ويمنع القضاء من الكيل بمكيالين، ويحقق الامن القانوني والاستقرار الفضائي.

ولا يعني هذا الامر مصادرة إجتهاد القاضي ، اذ  لازال القاضي يجتهد في تطبيق النصوص القانونية العامة والمجردة على الوقائع المختلفة ، بيد انه يتحتم على القاضي تطبيق النصوص القانونية بصورة واحدة عندما تكون الوقائع متماثلة كي يثق افراد الشعب بعدالة أحكام القضاء وان عمادها المساواة والعدالة.

وعند صياغة القاضي لاسباب الحكم تظهر مهارة القاضي في التطبيق الصحيح للنصوص القانونية على وقائع وادلة القضية، ولذلك تتضمن أسباب الحكم الاسباب القانونية والاسباب الواقعية، فالأسباب الواقعية  تناقش الوقائع والأدلة التي قدمها الخصوم أثناء سير إجراءات المحاكمة، في حين تتضمن الأسباب القانونية تطبيق النصوص القانونية على الوقائع والأدلة المقدمة من الخصوم، ولذلك تتداخل الأسباب الواقعية للحكم بالأسباب القانونية، ومن خصائص  التسبيب الجيد للحكم ان تكون أسباب الحكم واضحة ومفصلة ومرتبة ومتسقة وسائغة لها اصل في أوراق القضية.

فإذا كانت أسباب الحكم على هذا النحو فان  المحكمة العليا تستطيع  ان تضطلع بوظيفتها في الرقابة على تطبيق المحاكم الموحد للقانون ، بيد أن قانون السلطة القضائية اليمني كان خجولا في هذه المسالة فلم يسند إلى المحكمة العليا صراحة وظيفة الرقابة على التطبيق الموحد للقانون واكتفى بان  اسند للمحكمة العليا وظيفة السهر على سلامة تطبيق محاكم الموضوع لنصوص القانون والحرص على توحيد المبادئ القضائية.

وايا كان الامر  فان المحكمة العليا تراقب تسبيب أحكام محاكم الموضوع للتحقق من سلامة تطبيق احكامها للقانون بإعتبار المحكمة العليا محكمة قانون، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 16-1-2014م في الطعن رقم (53688)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث أن الحكم المطعون فيه قد شابه القصور في التسبيب، لأن الغرض من وجوب تسبيب الأحكام هو تمكين الخصوم وغيرهم من مراقبة حسن سير العدالة وحمل القضاة على بذل الجهد في تمحيص القضايا والحكم فيها على وجه يدعو إلى الاطمئنان بأنهم قد قاموا بواجبهم من التحري والتمحيص، والحكم بمقتضى القانون، وحتى تستطيع المحكمة العليا مراقبة المحاكم الأدنى في كيفية فهمها لمضمون القاعدة القانونية، فلا تستطيع المحكمة العليا مراقبة توحيد فهم المحاكم للقانون إذا لم يكن الحكم مسبباً، مما يعني قبول الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: مرافعات الخصوم وأدلتهم وإحتجاجهم بالنصوص القانونية مصدر أسباب الحكم:

خلال سير إجراءات المحاكمة يقدم الخصوم مرافعاتهم الكتابية والشفوية التي يتم إثباتها في محاضر جلسات المحاكمة ويتم إرفاقها ضمن ملف القضية، كما يقدم الخصوم أدلتهم المختلفة كالشهادة والإقرار والقرائن...إلخ، كما يستدل الخصوم أثناء ذلك بالنصوص الشرعية والقانونية على صحة دعاويهم وطلباتهم وادلتهم أو تفنيدهم ودحضهم لطلبات خصومهم .

وعندما يستدل الخصوم بالنصوص القانونية فإن بعض الخصوم يفسر القانون بالطريقة التي يراها لصالحه سيما أن النصوص القانونية عامة ومجردة ومجملة.

ومع ذلك فإن القاضي بعد حجز القضية للحكم فيها يقوم بدراسة (كل أوراق القضية) ومنها مرافعات الخصوم والوقوف على مدى سلامة إستدلالهم بالنصوص القانونية، ومن خلال ذلك يقوم القاضي بصياغة أسباب الحكم، لأن أسباب الحكم يجب أن يكون لها أصل في أوراق القضية، ولذلك جاءت خاصية من خصائص تسبيب الحكم وهي أن  يكون لاسباب الحكم اصل في الأوراق. (مسالك تسبيب الأحكام القضائية، د. علي محمد الغامدي، الجمعية العلمية القضائية السعودية 2025م، صـ72).

الوجه الثاني: المقصود بتطبيق نصوص القانون في الحكم:

من أهم وأقدس واجبات القاضي أن يتولى بنفسه تطبيق النصوص القانونية على الوقائع والأدلة المقدمة إليه من الخصوم، عن طريق قيامه في البداية بالاحاطة والفهم الدقيق بالواقعة المراد تطبيق النص عليها ثم قيام القاضي بتكييف تلك الواقعة والتكييف يعني البحث في القانون عن الوصف القانوني الصحيح للواقعة أو الدليل والبحث في المراجع والمصادر عن التفسير الصحيح والمعتمد للنص القانوني، وفي هذا المعنى صدر حكم حديث عن محكمة النقض المصرية في الطعن رقم (9542) لسنة 91 قضائية الصادر بتاريخ 16/3/2022م قضى بأنه: (يتعين على قاضي الموضوع إستظهار حكم القانون الصحيح المنطبق على الواقعة المطروحة عليه، والقاضي في ذلك لا يحتاج إلى طلب الخصوم بل هو واجبه الذي عليه ومن تلقاء نفسه أن يبحث عن الحكم القانوني المنطبق على الوقائع المطروحة عليه وأن ينزل عليها هذا الحكم أياً ما كانت الحجج القانونية التي استند إليها الخصوم في طلباتهم ودفاعهم).

فتطبيق القانون على الوقائع والأدلة يعني معرفة التسمية والوصف القانوني الصحيح للواقعة ثم تطبيق النصوص القانونية التي نظمتها.

وتطبيق النصوص القانونية على الوقائع بشكل صحيح يتطلب اولا الاحاطة والفهم التام للواقعة المطلوب تطبيق النص عليها ثم فهم النص القانوني المراد تطبيقه على الواقعة ، واستخدام المنهجية السليمة في تفسير النصوص القانونية ومراعاة سياق النص القانوني ضمن النصوص الاخرى في القانون ذاته  والقوانين الاخرى. (مهارات الصياغة القانونية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2015م، صـ132).

الوجه الثالث: معنى توحيد تطبيق القانون:

توحيد تطبيق القانون يعني أن يتم تطبيق النص القانوني أو القاعدة القانونية على جميع الوقائع المماثلة أو المشابهة داخل الدولة بطريقة واحدة على جميع المكلفين أو المتقاضين أو  الوقائع والتصرفات المتماثلة المنظورة امام القضاء بما يضمن مساواة الجميع أمام القانون دون تمييز أو مفاضلة مما يحقق وحدة فهم القضاة وتفسيرهم لنصوص القوانين وتطبيقها وتنفيذها بشكل أسهل واكثر عدالة وفاعلية.

الوجه الرابع: رقابة المحكمة العليا على توحيد تطبيق القانون:

من أهم المهام الملقاة على عاتق محاكم النقض أو التمييز أو التعقيب أو المحاكم العليا هو السهر على توحيد تطبيق القانون في محاكم الدولة، لأن  توحيد فهم القضاة وتطبيقهم للقانون هو جوهر العدالة. (تعدد المحاكم واثره في توحيد تطبيق القانون، د. هند شهاب حمد خليفة الهولي، جامعة الشارقة ٢٠١٥ م، ص٦٢).

وتتمثل رقابة المحكمة العليا على التطبيق الموحد للقانون ومنع التباين في تفسير النصوص القانونية بين المحاكم المختلفة في الدولة، إذ تقوم المحكمة العليا بهذا الواجب المقدس من خلال مراقبة صحة تطبيق المحاكم الدنيا للقوانين سواءً كانت قوانين موضوعية أو إجرائية وذلك عن طريق النظر والفصل في الطعون المرفوعة إليها، كذلك تقوم المحكمة العليا بهذا الواجب عن طريق نشر المبادئ القضائية التي استقر عليها قضاء المحكمة العليا مما يساهم في تحقيق الأمن القانوني والإستقرار القضائي، وكذا تساهم المحكمة العليا في توحيد القانون عن طريق القضاء الإرشادي الذي يرد في أحكام المحكمة العليا لإرشاد المشرع لمعالجة بعض النصوص القانونية.

كما أن المبادئ القضائية المستقرة قد تتحول إلى نصوص قانونية يصدرها المشرع.

وفي حكم حديث لمحكمة النقض المصرية في جلسة 4/1/2023م، في الطعن رقم (5239) لسنة 66 ق –قضت محكمة النقض المصرية بأن: (وظيفة محكمة النقض هي مراقبة قضاء الموضوع وتقويمه وتوحيد فهم النصوص القانونية).

ومن عيوب قانون السلطة القضائية اليمني أنه صرح بدور المحكمة العليا  في توحيد الإجتهاد القضائي حينما اناط بالجمعية العمومية للمحكمة العليا ذلك، بيد أنه لم يصرح بدور المحكمة العليا في توحيد تطبيق محاكم الموضوع للقانون أو توحيد فهم القضاة للقانون. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، صـ111).

الوجه الخامس: أسباب حكم محكمة الموضوع وعلاقته بواجب المحكمة العليا في مراقبة توحيد القانون:

ذكرنا فيما سبق أن تطبيق القانون يعني تطبيق النصوص القانونية على الوقائع والأدلة المطروحة على القاضي، وذكرنا أيضاً أن محكمة الموضوع تقوم بهذا العمل وهي بصدد تسبيب الحكم.

ولذلك فإن المحكمة العليا لا تستطيع النهوض بواجبها في مراقبة توحيد فهم القانون أو الفهم الموحد للقانون إلا إذا كانت أسباب حكم محكمة الموضوع سائغة وواضحة ومتسقة ومرتبة وكافية وقادرة على حمل الحكم وأن تكون أسباب الحكم الواقعية مع الأسباب القانونية متسقة ، للتدليل على أن القاضي قد قام بتطبيق النصوص القانونية على الوقائع بصورة صحيحة وسليمة. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، ص١١٢)، والله أعلم.