الرهق الخاص التابع للأرض في القانون اليمني
الرهق الخاص التابع للأرض في القانون اليمني
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
الرهق الخاص التابع للارض المملوكة ملكية خاصة: هو عرض غير مزروعة تتبع الأرض المملوكة ملكية خاصة ،والرهق الخاص لا تتم منفعة الأرض الاصلية إلا به :مثل الأراضي التي يصب أو يسيل منها الماء إلى الأرض الزراعية والطرق المؤدية إليها والمساقي أو السواقي المخصصة لسقيها.
والرهق الخاص يختلف عن المراهق العامة التي حددها قانون أراضي وعقارات الدولة، فالرهق الخاص يتبع الأرض المملوكة ملكية خاصة والمراهق العامة مملوكة للدولة ويحق الأفراد المجتمع الإنتفاع المشترك بها كالرعي والاحتطاب وغيره.
فالرهق الخاص هو حق تابع للحق الأصيل أي للارض المملوكة ملكية خاصة، والرهق الخاص يختلف بحسب إختلاف وجه الإنتفاع بالأرض فإذا كانت الأرض زراعية فإن رهقها يختلف عن الأرض المخصصة للبناء عليها التي يقتصر رهقها على الطرق المؤدية إليها والحمى أو المفاسح التي تسمح بوصول الضوء والهواء اليها.
وتتداخل عوامل عدة في تحديد مساحة الرهق الخاص؛ منها: عرف المنطقة وطبيعة إستعمال الأرض ومدى إتصالها بالرهق، ويثير الرهق في اليمن إشكاليات عدة مثل تقاسم الرهق المشترك بين أراضي عدة وتقسيم الرهق بين الورثة وإستصلاح الرهق وضمه إلى أصل الأرض وانواع الرهق الخاص كرهق القبيلة أو المنطقة ورهق الملكية ورهق الانتفاع والرهق الخاص باحد الملاك والرهق المشترك بين عدة ملاك ، وكذا التصرف بالرهق إستقلالاً عن الأرض التابع لها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 2-9-2015م في الطعن رقم (56909)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث أن الأصل في القانون أن المراهق هي من الحقوق التابعة للأملاك ولا تختص محررات شرعية خاصة بها بل أنها تتبع الملك ذكرت في سند الملكية أو لم تذكر، ولذلك فقد كان ما أورده الطاعنون في عريضة طعنهم من أن هيئة الأراضي لم تقدم أي دليل على وجود رهق يتبع أملاكها عنتا في التقاضي يتنافى مع حسن النية)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: معنى الرهق الخاص التابع للأرض المملوكة ملكية خاصة في القانون المدني اليمني:
الرهق الخاص التابع للأرض هو الأراضي التي ينتفع بها مالك الأرض الارض الاصلية سواءً في الدخول والخروج منها لحرثها اوحصد محاصيلها وصيانتها وتعميرها ، وكذا المساقي والمنحدرات التي ينحدر منها الماء إلى الأرض الزراعية الاصلية، وكذا الارض التي يصرف إليها مالك الأرض شوائب الأرض الزراعية التي تقدر بمتر (ضربة المحر).
والرهق يكون عبارة عن أراضي غير مزروعة يستعملها مالك الأرض للمرور إليها أو سقيها إذا كانت الأرض زراعية أما إذا كانت الأرض مخصصة للبناء (عرصة) فإن الرهق التابع لها هو الطريق المؤدية إليها ومنافسها المعتادة لدخول الضوء والهواء وهي متر من جوانب البناء بحسب ما هو مقرر في القانون المدني اليمني.
وإذا كانت الأرض زراعية ملاصقة للمراهق العامة كالجبال والمنحدرات والاكام فيكون للأرض الزراعية رهقاً خاصاً بها هو 0,20% من درجة الإرتفاع حسبما هو مقرر في قانون أراضي وعقارات الدولة اليمني.
وقد نظم القانون المدني الرهق الخاص التابع في عدة نصوص ، فقد نصت المادة: (516) مدني على أن: (يدخل في المبيع ما يندرج تحت اسمه عرفا وما كان متصلا به اتصال قرار تبعا بلا ذكر ولا يقابله شيء من الثمن كفناء الدار وما يوجد بالأرض من احجار. وكل ما لا يتناوله اسم المبيع عرفا وليس متصلا به اتصال قرار لا يدخل في المبيع الا بذكره ان كان من حقوق المبيع ومرافقه).
وكذا أشارت إلى بعض أحكام الرهق الخاص التابع للأرض المبيعة المادة (518) مدني التي نصت على أن (يدخل في بيع الأرض الماء من سيل أو غيل مالم يكن مستخرجاً بيد عاملة أو بعرف قاض بعدم الدخول وتدخل السواقي والمساقي والجدران والطرق المعتادة كما يدخل الشجر النابت فيها مما يراد به البقاء لا ما يراد به ذلك من غصن أو ورق أو ثمر أو زرع فأنها لا تدخل إلا بالنص عليها).
وكذا اشارت المادة (1364) مدني إلى( الصبابة ) كرهق خاص وتابع للأرض الزراعية، فقد وردت هذه المادة في القانون المدني ضمن الأحكام الخاصة بحق الشرب، فقد نصت هذه المادة على أنه (لا يمنع ذو الصبابة من حقه وهو ما فضل من الماء عن كفاية المتقدم في الإحياء والعبرة بالكفاية وقت الإحياء وإذا لم يعرف، فالعبرة بوقت السقي)، فهذه المادة تقرر حق صاحب الأرض الملاصقة للمنحدرات في الصبابة في السيل النازل من الصبابة، وفي الوقت ذاته تقرر هذه المادة حق صاحب المزرعة الذي يلي صاحب المزرعة الملاصقة للصبابة في سقي ارضه من الماء الفائض المنحدر من الصبابة، وهو مايسمى في بعض المناطق اليمنية (حق الشرب موجا).
وكذا نصت المادة (1157) مدني على أن (لمالك الشيء كل فوائده الأصلية والفرعية وملحقاته وتوابعه شرعاً وعرفاً مالم يوجد نص أو إتفاق على خلاف ذلك).
كما نصت المادة (1363) مدني على أن: (حق الشرب يورث ويوصى بالانتفاع به، ولا يباع الا تبعا للأرض ولا يوهب ولا يؤجر الا لعرف)، ومن خلال عرض هذه النصوص يظهر أن الرهق التابع للأرض الزراعية هو ماكان ملحقا بالارض الأصلية شرعا أو عرفا ، فيكون تابعا لها ولازما لها ،فلا ينفك عنها.
الوجه الثاني: تبعية الرهق للأرض المملوكة ملكية خاصة:
وفقا لنصوص القانون المدني اليمني السابق ذكرها في الوجه الاول يظهر أن الرهق الخاص حق تبعي يتبع الأصل ، ومعنى ذلك أنه لا يجوز التصرف في الرهق إستقلالاً عن الأرض التي يتبعها، فحق الملكية يقع على الأرض ويتبعها في ذلك الرهق الذي تنتفع به الأرض، فعندما يتصرف مالك الأرض بالأرض فإن الأرض تنتقل إلى المتصرف إليه مع توابعها بما في ذلك الرهق الخاص التابع لها.
بيد أنه لايجوز التصرف في الرهق استقلالا عن أصل المال، وفي هذا الشأن صرحت المادة (1363) مدني السابق ذكرها : ان الحق التابع للأرض لا يباع إلا تبعاً للأرض ويسري هذا الحكم على الرهق التابع، حيث نصت المادة السابق ذكرها على أن: (حق الشرب يورث ويوصى بالإنتفاع به ولا يباع إلا تبعاً للأرض)، غير أنه اذا تحولت الأرض الزراعية إلى عرصات للبناء فيجوز عندئذ بيع الرهق التابع لها بصفة مستقلة عن الأرض التي كان يتبعها، غير انه يجوز لمالك الارض الاصلية أن يقوم بإستصلاح الرهق الخاص بارضه المخصص لمنفعتها دون غيرها.
الوجه الثالث: مصدر الرهق الخاص التابع للأرض المملوكة ملكية خاصة:
الرهق التابع للأرض الخاصة سبق أن ذكرنا أنه عبارة عن أرض أو أراضي غير مزروعة يستخدمها مالك الأرض كطريق في المرور إلى الأرض وكذا المساقي ومصبات الماء التي يسيل ماؤها إلى الأرض، وعلى هذا الأساس فإن مصدر الرهق الخاص رهق الملكية أي الذي يكون مملوك للشخص تبعا لملكيته للارض الاصلية مصدر هذا الرهق هو : المراهق العامة كالجبال والمنحدرات والصحاري والسوائل العظمى والأراضي غير المملوكة لأحد، ومع ذلك فقد يكون مصدر رهق الملكية إذن مالك آخر ، اما تم شراء الرهق فانه لايعد رهقا بل مالا اصليا.
اما رهق الانتفاع الذي لايتملكه مالك الأرض الاصلية وانما يقتصر على الانتفاع كالمرور في ارض الغير فان مصدره اذن المالك أو العرف، ففي رهق الانتفاع لايكون الرهق مملوكا لمالك الارض الأصلية، وانما يقتصر حقه على الإنتفاع بها فقط كالطريق والحصول على فائض الماء.
الوجه الرابع: مساحة الرهق الخاص التابع للأرض الاصلية:
الرهق الخاص حق تابع للأرض أو الأصل، وبناءً على ذلك فإن قدر الرهق أو مساحته تكون بالقدر الكافي لإنتفاع الأرض الأصلية، فالمساقي ومصبات الماء تكون بالقدر الذي يكفي للسقي المعتاد للأرض، والطريق تكون بالقدر الذي يسمح لمالك الأرض بالمرور أو الدخول إلى الأرض والخروج منها، وقد صدرت أحكام عدة من المحكمة العليا في اليمن قضت بعدم جواز التوسع في الرهق عن القدر اللازم لإنتفاع الأرض الأصل. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الرهق، ا.د.عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١١٩).
الوجه الخامس: العوامل المؤثرة في مساحة الرهق الخاص:
ذكرنا في الاوجه السابقة أن الرهق الخاص عبارة عن اراض أخرى ينتفع بها مالك الارض الاصلية، وذكرنا أن الرهق الخاص يتحدد بحسب إحتياج الأرض الأصل، بيد أن هناك عوامل عدة تتدخل في تحديد مساحة الرهق الخاص، وبيان هذه العوامل كما يأتي:
العامل الأول: حاجة الأرض الأصلية إلى الرهق:
فحاجة الأرض الاصلية من أهم العوامل المؤثرة في تحديد مساحة الرهق الخاص بها، فكلما ازدادت حاجة الأرض للمنفعة من الرهق زادت حصة الأرض من الرهق، فالطريق إلى الأرض الواسعة المنبسطة التي تحتاج إلى دخول الات ومعدات كالحراثات والحاصدات غير طريق المشاة التي تحتاجها المدرجات الزراعية الصغيرة.
العامل الثاني: عرف المنطقة:
فعرف المنطقة من أهم العوامل التي تساهم في تحديد مساحة الرهق الخاص التابع، فهناك أعراف مختلفة تختلف بإختلاف المناطق، فهناك أعراف تجعل الرهق حكراً على الأراضي الملاصقة للرهق مباشرة، في حين أن هناك أعراف أخرى تقرر أن نصيب صاحب الأرض الملاصق يكون نصف الرهق في حين يكون نصيب الأرض التالية له الربع والذي يليه الربع، وهناك أعراف أخرى تقرر أن نصيب الأرض الملاصقة للرهق ثلثا الرهق في حين يكون الثلث الأخير مناصفة بين مالك الأرض الثانية والثالثة، وهناك أعراف أخرى تقرر أن حصة كل مالك للأرض من الرهق بحسب مساحة أرضه وهناك اعراف أخرى تقرر ان لكل مالك مايقابله من الرهق بصرف النظر عن مساحة الارض التي يملكها.
العامل الثالث: قانون أراضي وعقارات الدولة الذي يحدد مساحة الرهق التابع للأرض الزراعية الملاصقة للمراهق العامة:
فقد حدد قانون أراضي وعقارات الدولة حصة الأرض الزراعية الملاصقة للمراهق العامة وذلك بـ0,20% من درجة الإنحدار بغض النظر عن حاجة الأرض وبغض النظر عن العرف السائد في المنطقة، وهناك توجه لتعديل القانون لزيادة حصة صاحب الأرض الزراعية الملاصقة للرهق إلى نسبة 50% من المراهق العامة كي تكون لصاحب الأرض و50% للدولة.
وقد نظم القانون المدني اليمني الرهق الخاص على النحو السابق بيانه ، وفي سياق هذا التنظيم صرح القانون المدني بانه يجب العمل باي نص قانوني قد يقيد الرهق الخاص ، وفي هذا الشأن نصت المادة (1157) مدني على أن (لمالك الشيء كل فوائده الأصلية والفرعية وملحقاته وتوابعه شرعاً وعرفاً مالم يوجد نص أو إتفاق على خلاف ذلك).
ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر ان رهق الأرض داخل في معنى التوابع المذكورة في النص السابق ، وقد قيد هذا النص الرهق الخاص والتوابع بعدم وجود نص اخر يحدد قدر الرهق، وهناك نص اخر حدد قدر الرهق الملاصق للأراضي الزراعية حيث ورد في قانون أراضي وعقارات الدولة المادة (41) التي نصت على أن (تعتبر كافة المراهق العامة مملوكة بالكامل ملكية عامة للدولة)، في حين تضمنت المادة (42) من القانون ذاته الاستثناء من ملكية الدولة لكافة المراهق العامة، فقد نصت هذه المادة على أنه (إستثناء من أحكام المادة السابقة تعد من ملحقات الأراضي الزراعية المراهق الملاصقة لها إذا كان معدل إرتفاع الرهق لا تزيد نسبة إنحداره على ٠٫٢٠٪ درجة أو في حدود هذه النسبة إذا زاد معدل إرتفاع الرهق عن ذلك، ويبدأ إحتساب نسبة الإنحدار من الحد الفاصل بين الرهق والأرض الزراعية الملاصقة له)، واجازت المادة (44) من قانون أراضي وعقارات الدولة اجازت الإنتفاع المشترك لكافة الأفراد بنصيب الدولة من المراهق العامة كالمحاطب والمراعي والسوائل والمنحدرات ، فقد نصت هذه المادة على أنه (يظل الحق في الإنتفاع بالمراهق العامة أو القدر المستحق منه للدولة مقرراً للكافة سواء بالرعي أو بالإحتطاب أو غيره، ولا يجوز للدولة الإخلال بهذه الحقوق إلا لإعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة).
وقد عرفت المادة (2) من قانون أراضي وعقارات الدولة عرفت المراهق العامة بأنها (المراهق العامة: الجبال والاكام والمنحدرات التي تتلقى مياه الأمطار وتصريفها وتعتبر في حكم المراهق العامة السوائل العظمى التي تمر عبرها مياه السيول المتجمعة من سوائل فرعية).
وبناءً على هذا التعريف فإن الصبابات اوالمنحدرات والجبال والتلال والسوائل والغابات تندرج ضمن المراهق العامة إذا لم تتعلق بها ملكية أو حق لأحد الأفراد اي لم يتم ذكرها في مستند الملكية بأنها ملك خاص لأحد الأفراد ، وقد صرحت المادة (6) من قانون أراضي وعقارات الدولة بأن: المراهق العامة بمفهومها السابق من الأراضي العامة التي تخضع لقانون أراضي وعقارات الدولة فقد نصت المادة (6) من قانون أراضي وعقارات الدولة على أن (يعد من أراضي وعقارات الدولة الخاضعة لأحكام هذا القانون ما يلي: -و- المراهق العامة).
العامل الرابع: طبيعة الأرض التي يتبعها الرهق الخاص:
فطبيعة الأرض عامل مؤثر في مساحة الرهق التابع لها، فالأرض الواسعة يكون نصيبها من الرهق أكثر من الأرض الاصغر مساحة، كما ان الأرض التي تزرع بالغروس المعمرة كالبن والفواكه تختلف حصتها من الرهق عن الأرض التي تزرع بالحبوب الموسمية كالذرة الرفيعة والذرة الشامية، وكذا الأرض التي تتم حراثتها وحصادها بالآلات تختلف عن المدرجات الزراعية التي تتم زراعتها بالدواب.
الوجه السادس: تحديد مساحة الرهق في الفصل أو البصيرة:
في بعض الحالات يتم ذكر الرهق التابع للأرض الزراعية في بصيرة شرائها أو في الفصل الخاص بالوراث، فيتم ذكر الرهق التابع للأرض عن طريق ذكر قدر مساحة الرهق في البصيرة أو الفصل بالإضافة إلى تحديد مساحة الرهق التابع لها ، وفي بعض الحالات يتم تحديد مساحة الرهق عن طريق ذكر حدود الرهق التابع للأرض مثل (ويلحق بها الصبابات أو المنحدر أو الرهق حتى حيد كذا أو ضاحة أو قوز أو جبل أو تلة أو تبة شمالاً وجنوباً السائلة العظمى..إلخ .)، وفي بعض الحالات يتم دمج مساحة الرهق بمساحة الأرض الزراعية كأن يذكر المساحة الإجمالية للأرض الزراعية مع الرهق التابع لها فيذكر حدود الأرض المبيعة كاملة مع الرهق.
الوجه السابع: عدم جواز منازعة المالك إذا تضمنت وثيقة ملكيته مساحة الرهق أو حدود الرهق التابع لارضه الزراعية :
وعدم الجواز في هذه الحالة يستند إلى اسانيد واعتبارات عدة منها: أن إرادة البائع والمشتري قد انصرفت إلى تحديد مساحة الرهق التابع وكان لذلك إعتبار في تحديد ثمن الأرض المبيعة، وكذلك الحال عند تحديد مساحة الرهق التابع وحدوده في الفصول، لأن إرادة المتقاسمين قد اتجهت إلى ذلك لإعتبارات تمت مراعاتها حين إجراء القسمة وتحديد الأنصبة ، كما أن تضمين وثيقة الملكية مساحة الرهق وحدودها قد يرجع تقديره إلى إرادة الأطراف وتقديرهم في ان الإنتفاع الغالب من الرهق المذكور في الوثيقة لمالك الأرض المذكورة في الوثيقة، وكذا قد يرجع ذلك إلى إرادة الأطراف في حسم النزاع مستقبلاً بين الجيران في الأرض الزراعية على الرهق المجاور، ولهذه الإعتبارات نلاحظ بكثرة أن بعض الأراضي يكون الرهق التابع لها أكثر من الرهق التابع للأرض المجاورة لها .
الوجه الثامن: انواع الرهق الخاص :
يتنوع الرهق الخاص على انواع عدة منها الاتي:
النوع الأول: الرهق المملوك ملكية خاصة تبعا لملكية الأرض التي يتبعها:
في بعض الصور يكون الرهق الخاص بالأرض وإن كان حق تابع إلا أنه مملوك ملكية خاصة تبعية لملكية صاحب الأرض الاصلية، وذلك عندما يكون المالك هو المنتفع الحصري بالرهق الخاص ، ويترتب على هذا الوضع أن مالك الأرض وحده ينتفع بالرهق الخاص التابع لأرضه إذا كان الرهق خاصاً به وحده.
ومن هذه الناحية فإن الرهق الخاص يختلف على الرهق العام الذي يحق للأفراد الإنتفاع به بصفة مشتركة من غير أن يحول إنتفاع الفرد دون إنتفاع الافراد الاخرين ، كما ان الرهق الخاص التابع يختلف عن الرهق العام من حيث قابلته للتصرف، فالرهق الخاص قابل للتصرف الناقل للملكية كالبيع والهبة والوقف تبعاً للتصرف في أصل الأرض، في حين أن الرهق العام لا يجوز التصرف فيه بأي من التصرفات الناقلة للملكية.
النوع الثاني : الرهق الخاص الشائع بين عدة اشخاص أو الرهق المشترك:
وهو الرهق التابع للأرض الزراعية الواحدة المشتركة بين عدة ملاك كالورثة او الشركاء في ملكية الأرض الزراعية التي يتبعها الرهق الشائع ، أو الرهق الذي ينتفع به ملاك عدة اراضي مستقلة عن بعضها لكن جميعها تنتفع بهذا الرهق.
والرهق المشترك بين عدة اشخاص قد يتم النص عليه في وثائق ملكية الارض الاصلية ، وقد لايتم النص عليه خاص في وثائق ملكية الأرض (مثل وثائق الشراء والفصول والاجارات)، وغالباً ما يكون الرهق الخاص الشائع عبارة عن طريق او صبابات يصب منها ماء المطر إلى الأرض الزراعية المشتركة او الاراضي المجاورة لبعضها.
والرهق الخاص المشترك تابع للأراضي التي تنتفع به، فهو ملحق بها بموجب أحكام القانون المدني السابق بيانها، وبما ان الرهق الخاص تابع للأرض الزراعية فهو متعلق بالأرض وملحق بها وليس بالأشخاص فهو تابع للأرض وليس الاشخاص.
فعند تقسيم الأرض الزراعية الواحدة بين عدة ورثة او شركاء فان الرهق الخاص يكون لكل مقاسم بالقدر الذي آل اليه في الارض التي يتبعها الرهق فاذا كان نصيبه في الأرض الزراعية عشرين لبنة أي ما يعادل نصف الأرض الزراعية التي يتبعها الرهق فيكون نصف الرهق الخاص الشائع تابع للنصف الذي آل اليه، ويتم تحديد مايخص كل مالك من الرهق الشائع في بعض الأعراف على أساس ان يكون لكل مالك من الرهق مايقابل ملكه بصرف النظر عن المساحة التي آلت إلى الوارث اوالشريك ،وفي حالات كثيرة يحدد القسام مقدار ما يخص كل وارث او شريك من الرهق التابع للأرض التي يتم تعيينها له منعاً للخلاف على الرهق الشائع بين الورثة في المستقبل.
النوع الثالث: رهق الملك :
رهق الملك هو الذي يكون تابعا مباشرة لأصل المال سواء ال الى الشخص عن طريق البيع ام عن طريق الارث او الهبة او غيره, وهو الذي يقوم مالك المال الاصلي بالانتفاع به خاصة دون غيره.
فرهق الملك وان كان حقا تابعا للمال الاصلي إلا ان حكمه حكم اصل المال ،إذ يحق لمالك المال الاصلي ان يتصرف في رهقه الخاص باي وجه من وجوه التصرف إذا كان قابلا للتصرف كالاراضي الملاصقة ،لان هذا الرهق قابل للتصرف ، وهو ملك مالك المال الأصلي ، فيحق له احياء الموات من الرهق ويحق له بيعه او وقفه او غير ذلك، لان هذا الرهق ملكه ؛وللمالك ان يتصرف في ملكه كيفما يشاء ووقت ما يشاء, بل ان رهق الملك داخل ضمن اصل المال, وفي هذا المعنى نصت المادة (516) مدني على انه: (يدخل في المبيع ما يندرج تحت اسمه عرفا وما كان متصلا به اتصال قرار تبعا بلا ذكر ولا يقابله شيء من الثمن كفناء الدار وما يوجد بالأرض من احجار وكل ما لايتناوله اسم المبيع عرفا وليس متصلا به اتصال قرار لا يدخل في المبيع الا بذكره ان كان من حقوق المبيع ومرافقه) .
وفي هذا السياق نصت المادة (517) مدني على ان (يدخل في بيع الدار والمنزل والحانوت ونحوها طرقها وكل ما لصق بها مما ينتفع به في مكانه دون نقل) ، وكذا نصت المادة (518) مدني على انه: (يدخل في بيع الارض الماء من سيل او غيل مالم يكن مستخرجا بيد عاملة او بعرف قاض بعدم الدخول وتدخل السواقي و المساقي والجدران والطرق المعتادة كما يدخل الشجر الثابت فيها مما يراد به البقاء لا ما لا يريد به ذلك من غصن او ورق او ثمر او زرع فأنها لا تدخل الا بالنص عليها) كما نصت المادة (519) مدني على ان (لا يدخل في بيع الارض ما كان مدفونا فيها فللمشتري الخيار ان جهل المدفون وكان في القلع ضرر) كما نصت المادة (520) على انه (لا يدخل في بيع الارض ما فيها من معدن مائع او جامد ويتبع في شأنه ما جاء في قانون المناجم) وفي السياق ذاته تنص المادة (1156) مدني على ان ( ملكية الارض تشمل ما فوقها وما تحتها الى الحد المفيد في التمتع بها علوا او عمقا ويجوز الاتفاق على ان تكون ملكية سطح الارض منفصلة عن ملكية ما فوقها او ما تحتها وبما لا يتعارض مع ما ينظمه القانون) ،وكذا تنص المادة (1157) مدني على انه ؛(لمالك الشيء كل فوائده الاصلية والفرعية وملحقاته وتوابعه شرعا وعرفا مالم يوجد نص او اتفاق على خلاف ذلك) .
كما بينت المادة (1158) مدني الفوائد الاصلية والفرعية للملك حيث نصت على ان (الفوائد الاصلية هي ما تولد عن الشيء نفسه والفوائد الفرعية هي ما نتج عن استعمال الشيء واستغلاله والتصرف في منافعه).
النوع الرابع: رهق الانتفاع :
اشار القانون المدني الى رهق الانتفاع وحدد المقصود به، فقد نصت المادة (1340) مدني على ان (الارتفاق منفعة مقررة على عقار تحد من انتفاع مالكه به لمصلحة عامة او خاصة) في حين بينت المادة (1341) منشا رهق الانتفاع ومصدره، فقد نصت هذه المادة على ان (يكتسب الارتفاق باذن المالك او بالتصرف الشرعي او بالميراث او بالعرف ويجوز ان يترتب على مال عام ان كان لا يتعارض مع الاستعمال المخصص لهذا المال) .
ومن خلال استقراء النصين السابقين نجد ان رهق الانتفاع من اسمه لا يخول مالك المال الاصلي إلا حق الانتفاع بالرهق فقط دون تملكه ، في حين ان ملكية رقبة الرهق قد تكون لمالك اخر مثل حق الطريق وحق المسيل، فهذه الحقوق من حقوق الانتفاع بالرهق فقط دون ملكية الرقبة.
ويندرج ضمن رهق الانتفاع (ضربة المحر)، التي تعني ان لمالك الأرض ان يزيل قشرة تراب ارضه الى عريم الارض المجاورة أو الارض الاسفل منه شريطة أن لاتزيد المساحة التي يضع عليها قشرة التراب أو (الحرة) على مساحة المحر وهي حوالي متر تقريبا، ولذلك يطلق على جدار الارض (الحرة).
النوع الخامس: الرهق الخاص والرهق العام :
الرهق الخاص هو الرهق ااذي يقع في مال خاص ويكون تابعا لاموال خاصة او مقررا لمنفعتها سواء اكان رهق ملك تابع للمال الاصلي او رهق انتفاع في مال خاص, وقد اجاز القانون المدني ان يكون للمال الخاص رهق انتفاع في المال العام والعكس صحيح حسبما ورد في المادتين (1340و1341) مدني, السابق ذكرهما.
وجواز ان يكون المال العام رهقا لانتفاع المال الخاص مسألة غاية في الخطورة اذا تم تركها من غير ضوابط ، اذ سيترتب على ذلك التوسل بالانتفاع للاستيلاء على الاموال العامة وقد شاهدنا وعرفنا اشخاص يمتلكون سبع لبن ادعوا بان الجبال العالية الواسعة المطلة على تلك الاراضي: هي رهق خاص تابع لتك اللبن المعدودات !!! ، ولذلك لا بد من وضع ضوابط صارمة لمعالجة هذه المسألة , والا سوف تجد الدولة نفسها في وقت قريب لا تملك شيئا، وقد تدخل قانون وعقارات الدولة حيث حدد الحد المسموح به لرهق الاموال الخاصة الملاصقة للمراهق العامة ، فقد حاول ذلك القانون معالجة هذه المسألة، فقد نصت المادة (2) من هذا القانون على ان (المراهق العامة هي الجبال والاكام والمنحدرات التي تتلقى مياه الامطار وتصريفها ويعتبر في حكم المراهق العامة السوائل العظمى التي تمر عبرها مياه السيول المتجمعة من سوائل فرعية) وقررت المادة (41) من القانون ذاته ان (تعتبر كافة المراهق العامة مملوكة بالكامل ملكية عامة للدولة) ويستثنى من ملكية الدولة للمراهق العامة تلك الملاصقة للأراضي الزراعية للأفراد. حيث نصت المادة (42) من القانون ذاته؛( على انه يستثنى من ملكية الدولة للمراهق العامة المراهق الملاصقة للأراضي الزراعية اذا كان معدل ارتفاع الرهق لا تزيد نسبة انحداره على ٠٫٢٠٪ درجة او في حدود هذه النسبة اذا زاد معدل ارتفاع الرهق على ذلك ويبدأ احتساب نسبة الانحدار من الحد الفاصل بين الرهق والارض الزراعية الملاصقة له) ، وفي هذه الحالة تكون النسبة المشار اليها ملك لصاحب الارض الزراعية وليس حق انتفاع حسبما صرحت المادة (43) من قانون الاراضي) اما بقية المراهق العامة فان ملكيتها تظل للدولة وليس للأفراد إلا حق الانتفاع المشترك بها من ان يحول إنتفاع الفرد بها دون إنتفاع الآخرين بها حسبما ورد في المادة (44) من قانون الاراضي.
النوع السادس: رهق القرية أو البلدة أو القبيلة أو المنطقة:
رهق القبيلة او الحي او الجماعة او القرية او البلد هو الحمى العام الذي تنتفع به القبيلة او القرية او غيرها ولا تستطيع تصريف اعمالها المعتادة الا عن طريق الانتفاع بهذا الحمى, ومن امثلة هذا الحمى اماكن الرعي والاحتطاب , ولذلك تقرر المادة (44) من قانون الاراضي على انه (يظل الحق في الانتفاع بالمراهق العامة مقررا للكافة سواء بالرعي او الاحتطاب او غيره ولا يجوز للدولة الاخلال بهذه الحقوق الا لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة).
ولكن هذا الانتفاع لا يخول اهل القرية او الحي او غيره ملكية هذه المرافق او الحمى حيث ان ملكية الرقبة ثابتة للدولة, إلا ان حق اهل القرية او القبيلة في الانتفاع المشترك بالمراهق العامة التي تكون حمى لقريتهم ، فلايحق لغيرهم مزاحمتهم فيه ، ولا يحق للدولة ان تمنعهم من ذلك. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الرهق، ا.د.عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٢٠).
الوجه التاسع: تقسيم الرهق المشترك عند عدم ذكره في البصيرة اوالفصل:
المعلوم أن الرهق في الغالب يتم تقسيمه إذا لم يتم تحديد نصيب كل أرض من الرهق في البصيرة أو الفصل، ففي هذه الحالة يتم تقسيم الرهق المشترك بين ملاك الأرض الزراعية الواحدة على قدرنصيب كل وارث في الارض الاصلية.
واذا كان الرهق مشتركا بين عدة اراض كالصبابات فانه يتم تقسيمه بحسب نصيب كل ارض من تلك الاراضي التي تنتفع به أو بحسب ماهو مقرر في العرف.
ولا تظهر الحاجة لتقسيم الرهق المشترك بمعزل عن الاراضي التي كان يتبعها الا اذا تغيرت وظيفة الاراضي من اراضي زراعية الى أراضي بناء ، فيتم في بعض الحالات تقسيم الرهق المشترك على أساس ان لكل مالك ما يقابله أو يحيط به من الرهق، أو بحسب العرف الجاري في المنطقة.
الوجه العاشر: اشكالية إحياء الرهق الخاص المضاف إلى الأرض الأصلية :
ذكرنا فيما سبق ان الرهق الخاص بالارض الاصلية المخصص لمنفعة الارض الاصلية ذكرنا انه يجوز لمالك الارض الاصلية الإحياء فيه أو إستصلاحه وتحويله الى ارض زراعية وضمه إلى الارض الاصلية.
إذ يحق لمالك الأرض الأصلية الزراعية الاحياء في المراهق الملاصقة للأرض الأصلية أي تحويل الرهق البور إلى أراضي زراعية حيث تزيد مساحة الأرض الزراعية الاصلية عما كانت عليه عن طريق الإحياء في مراهقها وضمها الى الارض الاصلية ، كما قد يتم إستحداث مدرجات أو مواضع زراعية جديدة في الرهق الخاص بالارض الاصلية.
وتكمن الاشكالية في ذلك :ان هذه المساحات الاضافية ليس لها وجود في وثائق الملكية الأصلية التي اقتصرت على ذكر مساحة الأرض الأصلية المنتقلة إلى المالك عن طريق الأرث أو الشراء أو غير ذلك.
وعلى هذا الأساس لا تكون لدى المالك وثائق ملكية مكتوبة تثبت ملكيته للاراضي التي قام باحيائها التي بحيازته، ولذلك تحدث النزاعات بشأن الأرض التي تم احياؤها في الرهق حيث يعمد البائعون السابقون للأرض الأصلية إلى الادعاء بأن تلك الأرض المستحدثة ليست ملكاً تابعاً للمالك الأصلي للأرض وإنما هي عبارة عن اعتداء على املاكهم وانه ليس للمالك الأصلي الا ما في بصيرته أي وثيقة الملكية أي المساحة المذكورة في بصيرته أو فصله سيما وقد ضاعت معالم الرهق الذي كان ملاصقاً للأرض الأصلية وتابعا لها، ولذلك يتمسك المالك بوثيقة ملكية للأرض الأصلية كما يتمسك أيضا بواقعة الإحياء للرهق التابع للأرض الزراعية الاصلية ،ومن هذا المنطلق تظهر أهمية إثبات واقعة إحياء الرهق أو إستصلاحه ، كما ان المالك يتمسك في هذه الحالة بثبوته أو حيازته للأرض التي قام بإحيائها، ولذلك يتم اثبات حيازة الملك للارث على النحو السابق بيانه عند تعليقنا على حكم بعنوان اثبات حيازة الملك وحيازة الانتفاع.
الوجه الحادي عشر: مصير رهق الانتفاع بعد تحول الأرض الزراعية إلى عرصة او ارض للبناء:
يذهب مفتي الجمهورية اليمنية السابق المرحوم فضيلة القاضي العلامة محمد بن أحمد الجرافي رحمه الله إلى ان رهق الانتفاع الذي كان مقرراً لمصلحة الأرض الزراعية يعود إلى أصله وهو الاباحة اذا تحولت الأرض الزراعية أو صارت عرصة او ارض للبناء، لان عرصة البناء لا تكون لها مراهق للشرب مثلاً، وبناءً على ذلك فأن رهق الأرض الزراعية ينتهي اذا تحولت إلى أرض بناء أو عرصة فيعود ذلك الرهق إلى أصله وهو الاباحة فيجوز للافراد الاحياء في ذلك الرهق أو الثبوت عليه،الا إذا كان الرهق خاصا بالارض الأصلية وتابعا لها ومخصصا لمنفعتها دون غيرها.
الوجه الثاني عشر: الفرق بين الرهق والاراضي الزراعية المهجورة (الصالبة):
لاسباب عدة يترك ملاك بعض الاراضي زراعتها ، فتصير صالبة أي غير مزروعة في بعض لهجات اليمن ، وهذه الاراضي تظل مملوكة لاصحابها ، فلايجوز التعامل معها أو النظر اليها كالمراهق العامة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الرهق، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٢٢)، والله اعلم.