إثبات الإتفاق أو العقد الشفهي

 إثبات الإتفاق أو العقد الشفهي

الكتابة من أهم وسائل إثبات العقود والتصرفات في العصر الحاضر لسهولة وفاعلية الإثبات بها،، ولكن الكتابة ليست ركناً أو شركاً في العقود والتصرفات،.

 وأن كانت الكتابة هي وسيلة الإثبات الغالبة في العصر الحاضر غير أنه يحق لمن يدعي وجود عقد او إتفاق شفهي فيما بينه وبين غيره يحق له أن يقوم بإثبات العقد الشفهي بأية وسيلة من وسائل الإثبات المقررة في المادة (13) من قانون الإثبات اليمني فان عجز عن ذلك خسر دعواه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 18/12/2010م في الطعن رقم (43370)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث ان الطاعن قد تمسك أمام محكمة الاستئناف بوجود إتفاق شفهي مع الورثة على ان يسلموا له نسبة 90% من قيمة ترميم وإصلاح العين المؤجرة منه، وبسؤال وكيل الطاعن أمام المحكمة الاستئنافية عن ذلك الاتفاق أفاد بان ذلك تم أمام المحكمة الابتدائية، وقد اتاحت له هيئة الحكم في الشعبة الاستئنافية إثبات ذلك الاتفاق إلا أنه قدم للمحكمة محضر جلسة المحكمة الابتدائية ، وليس في ذلك المحضر ما يؤيد وجود الاتفاق الشفهي المدعى به، فلا يعمل بذلك الاتفاق إلا ببينة تثبت قيامه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: ماهية العقد الشفهي أو اللفظي ومدى صحته:

في الحياة اليومية، تتم كثير من التعاملات تتم بطريقة شفهية من دون كتابة عقد ، سواء في بيع سلعة أو تقديم خدمة أو تنفيذ اتفاق بسيط. لكن السؤال المهم الذي يواجه الأفراد والشركات هو: هل العقد الشفهي يملك نفس القوة القانونية مثل العقد المكتوب؟

فالعقد الشفهي : يتم عن طريق تلفظ المتعاقدين بصيغة الإيجاب والقبول، وتتحقق فيه كافة أركان وشروط العقد المعتبرة في الشرع والقانون ، غير أنه لا تتم كتابة هذا العقد.

فالعقد الشفهي اتفاق يتم بين طرفين أو أكثر دون أن يتم تدوينه في محرر مكتوب، بل يكتفى المتعاقدون فيه بالتعبير عن إرادتهم شفاهة .

 يقوم هذا النوع من العقود على مبدأ “الرضائية”، وهو المبدا الأساسي للتعاقد في الشريعة الاسلامية والقانون المدني اليمني.

إذ يتم العقد بمجرد تلاقي الإيجاب والقبول بين طرفين ذوي أهلية، بغض النظر عن الشكل الذي تم به هذا التعبير عن الإرادة، ما لم ينص القانون على شكل معين.

فاذا توفرت في العقد الشفهي اركان العقد المقررة في الشرع والقانون ، وتوفرت فيه الأهلية والرضا والمحل والسبب، فانه يكون عقدا صحيحا منتجا لجميع الالتزامات التي تنتجها العقود المكتوبة.

وهذا يعني أن العقد الشفهي صحيح ومنتج لآثاره القانونية، ما لم يكن العقد من العقود التي اشترط القانون لإتمامها شكلًا معينًا كالكتابة مثل عقد الرهن العقاري والزواج.

فالقانون المدني اليمني لا يمنع هذا النوع من العقود، بل يعترف به طالما تحققت أركان العقد وهي: التراضي، والمحل والسبب، فإذا اتفق الطرفان على التزامات محددة وكان الاتفاق جادا وله غرض مشروع، فالعقد يعتبر صحيحا قائمًا قانونيًا حتى لو لم يُكتب، وفي هذا المعنى نصت المادة (١٣٨) من القانون المدني اليمني على أن : ( العقد إيجاب من احد المتعاقدين يتعلق به قبول من الاخر أو مايدل على عليهما على وجه يترتب اثره في المعقود عليه (المحل)، ويترتب على العقد إلتزام كل من المتعاقدين بما وجب به للاخر ، ولايشترط التقيد بصيغة معينة بل المعتبر مايدل على التراضي).

وفي هذا الشان نصت المادة (92) من القانون المدني القطري على أنه: “ينعقد العقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتهما متطابقتين، دون إخلال بما يقرره القانون من أوضاع معينة لانعقاد العقد.”

الوجه الثاني: صعوبة إثبات العقد الشفهي:

بما ان العقد الشفهي صحيح من الناحية الشرعية والقانونية حسبما سبق بيانه فانه من الممكن إثبات العقد الشفهي عند الخلاف بشان وجوده مثلما المح الحكم محل تعليقنا .

بيد ان إثبات وجود العقد الشفهي وتفاصيله أمر بالغ الصعوبة عندما ينكر أحد الاطراف وجود العقد أو يدعي شروطًا مختلفة عن المتفق عليها، مما يؤدي إلى نزاعات قضائية معقدة، فعندئذ يجب على المدعي بوجود العقد او وجود شرط فيه يجب عليه ان يثبت ذلك ، وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا من المدعي ومن المحكمة التي تتولى دراسة الادلة البديلة لكتابة العقد بموجب السلطة التقديرية للمحكمة.

فعند إثبات العقد الشفهي بغير الكتابة تظهر صعوبات عدة تتعلق بالذاكرة البشرية التي قد تكون قصيرة أو عرضة للتحريف، أو تضارب أقوال الشهود. كما أن بعض المبالغ المالية الكبيرة أو الالتزامات المعقدة يصعب إثباتها شفويًا ، مما يستدعي توثيقها كتابيًا لتجنب هذه الإشكاليات، فكل هذه العوامل تجعل التعاملات الشفهية محفوفة بالمخاطر وتستدعي الحذر الشديد.

الوجه الثالث: النصاب القيمي في إثبات بعض المعاملات التجارية والمدنية بالكتابة:

نظرا لإشكاليات إثبات العقود والمعاملات التجارية والمدنية الشفهية ، فقد قرر القانون المدني المصري وقانون الإثبات المصري قواعد صارمة للإثبات، سيما فيما يتعلق بالمعاملات التجارية والمدنية التي تتجاوز قيمة معينة، فقد نصت المادة (٦٠) من قانون الإثبات المصري على أنه لا يجوز الإثبات بالشهادة في العقود التي تزيد قيمتها على ألف جنيه مصري، أو في الحالات التي يكون فيها العقد غير محدد القيمة ، وهذايعني أن أي عقد شفهي تتجاوز قيمته هذا الحد، لا يمكن إثباته بشهادة الشهود فقط.

ومع ذلك، توجد استثناءات لهذه القاعدة. يمكن الإثبات بالشهادة في حال وجود مانع مادي أو أدبي حال دون الحصول على دليل كتابي، أو إذا فُقد السند الكتابي بسبب قوة قاهرة. كما يجوز الإثبات بالشهادة في حال وجود “مبدأ ثبوت بالكتابة”، وهو أي ورقة أو مستند مكتوب صادر عن الخصم من شأنه أن يجعل وجود العقد المدعى به قريب الاحتمال، حتى لو لم يكن دليلًا كاملًا.

وكذلك الحال في القانون المدني القطري الذي وضع حدا لإثبات العقود الشفهية من حيث القيمة المالية، فلا يجوز إثبات عقد تتجاوز قيمته خمسمائة ريال قطري إلا بالكتابة أو بإقرار الطرف الآخر، ومن ثم إذا كان الاتفاق التجاري أو المدني ذا قيمة كبيرة، فإن الاعتماد على الشفاهة فقط يُضعف الموقف القانوني للطرفين.

وفي هذا المعنى نصت المادة (174) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية القطري: “لا يجوز الإثبات بشهادة الشهود فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي.” .

وهذا يعني أن الشهادة وحدها لا تكفي لإثبات عقد إذا لم يكن مكتوبا، خاصة في المعاملات المالية الكبيرة.

اما القانون اليمني فلم ينص على النصاب القيمي في الإثبات.

الوجه الرابع : إثبات العقد الشفهي بالشهادة :

تعتبر شهادة الشهود إحدى طرق إثبات العقد الشفهي، وعند الإثبات بالشهادة يجب أن تتحقق في الشاهد والشهادة الشروط المعتبرة في قانون الاثبات اليمني، وقد تكون الشهادة على واقعة العقد الشفهي كما قد تكون الشهادة على واقعة إقرار المتعاقد بوجود العقد أو الشرط محل الخلاف، ونصاب الشهود في هذه الحالة اثنان ، واذا كان الشاهد واحدا فيمكن اتمام شهادته بيمين المدعي أو القرائن.

وعند وجود شهود العقد فان ذلك يكون من أقوى وسائل الإثبات في العقود الشفهية، خاصة إذا كان الشهود حياديين وشاهدوا لحظة الاتفاق، لكن شهادة الشهود ليست بديلا عن التوثيق، لأنها تخضع لتقدير القاضي ،فقد يرفضها القاضي إذا كان فيها تناقض أو مصلحة شخصية.،الخ.

وفي هذا الشان نصت المادة (176) من قانون الإثبات القطري: “يجوز الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مانع مادي أو أدبي حال دون الحصول على دليل كتابي.” بمعنى أن القانون يفتح باب الاستثناءات، لكن يفضل دائمًا أن تكون العقود مكتوبة لتجنّب الخلافات.

الوجه الخامس: إثبات العقد الشفهي بالقرائن:

القرائن، هي علامات يستخلص منها القاضي وجود العقد أو بعض تفاصيله، وقد تكون القرائن قانونية (بمعنى أن القانون يفترضها) أو قضائية (يستخلصها القاضي من ظروف الدعوى). من أمثلة القرائن القضائية: بدء تنفيذ أحد أطراف العقد لالتزاماته الشفهية، أو وجود مراسلات لاحقة تشير إلى وجود اتفاق مسبق، أو وجود فواتير أو إيصالات متعلقة بموضوع العقد.

من أهم القرائن لإثبات العقد الشفوي هي وجود دليل على “بدء التنفيذ” من أحد الطرفين. على سبيل المثال، إذا كان العقد الشفوي يتضمن بناء أو تسليم بضائع، فإن إثبات دفع دفعة مقدمة أو بدء العمل في الموقع، أو شراء مواد البناء، أو حتى إرسال رسائل تفيد التجهيز لبدء العمل، كل هذه تُعد قرائن قوية تدل على وجود الاتفاق المبرم شفويًا ، فهذه القرائن يجب تقديمها في شكل وثائق أو شهادات تثبت التزام المدعي بالعقد قبل النزاع. (كيفية إثبات العقد الشفوي في الدعاوى القضائية، الدكتور مينا فاروق، الموقع الإلكتروني د. مينا فاروق، ص٧).

الوجه السابع: إثبات العقد الشفهي بالإقرار:

الإقرار هو اعتراف الخصم بصحة الواقعة المدعى بها ، فإذا أقر الطرف الآخر بوجود العقد الشفهي أو شرط من شروطه، فإن هذا الإقرار امام المحكمة يعتبر حجة قاطعة ، قد يكون الإقرار صريحًا أو ضمنيًا.

الإقرار القضائي الذي يتم أمام المحكمة هو أقوى أنواع الإقرار، ويلزم القاضي به ولا يجوز الرجوع عنه.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإقرار، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص٤٥).

الوجه الثامن: إثبات العقد الشفهي باليمين الحاسمة أو المتممة:

اليمين الحاسمة هي وسيلة إثبات يلجأ إليها أحد الخصوم عندما لا يكون لديه دليل كاف لإثبات العقد الشفهي، فيطلب من خصمه حلف اليمين أمام المحكمة بأن واقعة العقد الشفهي المدعى بها غير صحيحة.

 فإذا حلف الخصم اليمين خسر المدعي دعواه بوجود العقد او الشرط الشفهي، وإذا نكل الخصم المدعى عليه عن حلف اليمين أو ردها على المدعي وحلفها المدعي، ثبت الحق للمدعي.

و اليمين الحاسمة لا يجوز توجيهها إلا في وقائع شخصية للخصم، وليست في وقائع عامة.

أما اليمين المكملة، فهي التي توجهها المحكمة من تلقاء نفسها لأي من الخصمين لاستكمال الأدلة الناقصة في الدعوى، وهي لا تُوجه إلا إذا توافر في الدعوى دليل غير كامل. .(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١١٧).

الوجه التاسع: إثبات العقد الشفهي بمستندات أخرى غير العقد:

إذا لم يكن هناك عقد مكتوب، ولكن توجد مستندات أو مراسلات لاحقة تدل على وجود العقد الشفهي، ففي هذه الحالة يأتي دور “مبدأ ثبوت بالكتابة”. وهو أي محرر مكتوب صادر عن الخصم أو خلفه العام، يجعل وجود العقد الشفهي المدعى به قريب الاحتمال، وهذا المستند لا يكون دليلًا كاملًا، ولكنه يسمح للمدعي بإكمال إثباته بالشهادة أو القرائن، حتى لو كانت قيمة العقد تتجاوز القيمة المسموح به للإثبات بالشهادة المحدد في القانون المصري.

 ومن أمثلة المستندات التي يتم الإستدلال بها على وجود العقد الشفهي: رسائل البريد إلكتروني، والرسائل النصية القصيرة (SMS)، محادثات على تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل الواتس والتيليغرام، وفواتير غير رسمية، أو مذكرات شخصية.

ويجب أن تكون هذه المستندات صادرة عن الطرف الآخر أو موجهة إليه ، وتتضمن إشارة واضحة إلى وجود العقد أو الالتزام، حتى وإن كانت غير موقعة رسميًا. . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٤٧).

الوجه العاشر: إثبات العقد الشفهي عن طريق الأفعال التنفيذية للعقد الشفهي:

تعتبر الأفعال التنفيذية للعقد من أقوى القرائن القضائية على وجود العقد ، فإذا قام أحد الطرفين أو كلاهما بتنفيذ جزء من التزاماته بموجب العقد الشفهي، فإن هذا التنفيذ يعد دليلًا قويًا على وجود الاتفاق عائلتي.

 فعلى سبيل المثال: إذا قام المشتري بدفع دفعة أولى من ثمن بضاعة تم الاتفاق عليها شفويًا، أو قام البائع بتسليم جزء من البضاعة، فإن هذه الأفعال تشكل دليلًا على وجود العقد الشفهي.

ويتم إثبات الأعمال التنفيذية للعقد عن طريق تقديم إيصالات الدفع، أو إثبات عملية التسليم، أو أي مراسلات بين الطرفين تشير إلى هذه الإجراءات التنفيذية، فكلما كانت الأفعال التنفيذية أكثر وضوحًا وتفصيلًا، زادت قوتها الثبوتية أمام المحكمة في إثبات وجود العقد الشفهي وتفاصيله.

الوجه الحادي عشر: إثبات العقد الشفهي عن طريق التسجيل المرئي والتسجيل الصوتي:

يمكن أن تكون التسجيلات الصوتية أو المرئية دليلًا قويًا على وجود العقد الشفهي. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى الضوابط القانونية لاستخدام هذه التسجيلات في الإثبات. ، فالتسجيل الصوتي أو المرئي يتطلب موافقة جميع الأطراف المشاركة في المحادثة ليكون مقبولًا كدليل في المحكمة، فالتسجيل بدون إذن قد يعرض صاحبه للمساءلة القانونية بتهمة انتهاك الخصوصية.

فإذا تم الحصول على التسجيل بموافقة جميع الأطراف، فإنه يصبح دليلًا قويًا يمكن تقديمه للمحكمة لاثبات العقد الشفهي.

و يجب أن يكون التسجيل واضحًا وكاملًا وغير منقوص ليعكس الحقيقة كاملة.

الوجه الثاني عشر: إثبات العقد الشفهي عن طريق الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني :

في العصر الحاضر وهو العصر الرقمي الحالي، أصبحت الرسائل النصية والبريد الإلكتروني ومحادثات تطبيقات التواصل الاجتماعي كالواتس أو التيليغرام دلائل قوية يمكن استخدامها في إثبات العقود الشفهية.،فهذه الرسائل وإن لم تكن عقودًا مكتوبة، إلا أنها تمثل “مبدا ثبوت بالكتابة” في كثير من الحالات، خاصة إذا كانت تحتوي على تفاصيل الاتفاق أو إشارة واضحة إليه.

لذلك يجب الاحتفاظ بهذه الرسائل والمحادثات بشكل منظم، مع توثيق تواريخها وأوقاتها والأطراف المشاركة فويمكن طباعتها وتقديمها كدليل للمحكمة، أو طلب من المحكمة الاستعانة بخبراء فنيين للتأكد من صحة هذه الأدلة الرقمية حتى يزيد ذلك من فرص إثبات العقد الشفهي بشكل كبير، وتوفر هذه الادلة الرقمية بدائل فاعلة عند غياب العقود المكتوبة.

الوجه الثالث عشر: إثبات العقد الشفهي عن طريق اعمال الخبرة:

في حالات كثيرة تلجأ المحكمة إلى الاستعانة بخبير (عادة خبير حسابي أو فني) لتحليل الأدلة المعروضة وكشف غموضها،سيما عند وجود أدلة فنية مثل المراسلات الإلكترونية أو بيانات الحسابات المصرفية، فيقوم الخبير العدل بتقديم تقارير واضحة ومبسطة للمحكمة تربط بين القرائن المادية وبين وجود العقد الشفوي. فالخبير يؤدي دوراً حاسماً في تفسيرالوقائع الفنية الغامضة وجعلها أدلة قانونية مقبولة وواضحة، تمكن القضاء من الاحاطة بالنزاع بشان العقد الشفهي ، مما يساهم في حسم النزاع.

الوجه الرابع عشر: إستدراك عيوب العقد الشفهي:

اشرنا في الاوجه السابقة الى عيوب ومخاطر العقد الشفهي ، ولذلك فانه ينبغي بعد إبرام العقد الشفهي إستدراك عيوبه، فمن الضروري متابعة تنفيذ الالتزامات وتوثيق أية إجراءات أو دفعات تتم بموجب هذا العقد، ويشمل ذلك الاحتفاظ بنسخ من الإيصالات، أو كشوف الحسابات البنكية التي تظهر تحويلات مالية، أو أي فواتير متعلقة بالخدمات أو السلع المتفق عليها، فيجب الاحتفاظ حتى بالمراسلات البسيطة التي تذكر تقدم العمل أو تنفيذ جزء من الاتفاق، فكل هذه المستندات تكون مفيدة.

فتوثيق هذه الإجراءات بشكل دوري ومنتظم يوجد دليلًا ملموسًا على أن هناك اتفاق شفهي قائم بين الطرفين، فجمع وتوثيق هذه الاجراءات يقلل من فرص إنكار أحد الأطراف للاتفاق، إضافة الى أن هذه الطريقة توفر أدلة إضافية قوية تؤيد الدعوى القضائية في حال نشوب نزاع، وتساعد المحكمة على تكوين صورة واضحة عن طبيعة العلاقة التعاقدية الشفهية.

الوجه الخامس عشر: الفرق بين العقد الشفهي والمكتوب:

 هناكخزايا للعقد المكتوب تميزه عن العقد الشفهي ، من اهمها ماياتي:

1- من حيث وضوح البنود ومسؤولية الأطراف:

العقد المكتوب يوفّر حماية أكبر ، لأنه يحدّد الالتزامات بدقة ويمنع التأويل، بينما العقد الشفهي يترك لتقدير المحكمة بناءً على الأدلة، مما يجعل الموقف القانوني هشا، فعلى سبيل المثال : إذا حدث نزاع بشان مدة تنفيذ العقد أو طريقة الدفع، فالعقد المكتوب يتم الرجوع إليه مباشرة وبسهولة، بينما العقد الشفهي يعتمد على الشهود أو القرائن، مما قد يطيل امد النزاع.

2- من حيث ضمانات التنفيذ والتوثيق:

العقود المكتوبة يمكن توثيقها رسميًا لدى قلم التوثيق، مما يمنحها حجية ثبوتية مطلقة في مواجهة الكافة أمام المحكمة، بينما العقد الشفهي لا ينفذ إلا بعد إثباته.

الوجه السادس عشر: العقود التي يفضل كتابتها ولوكان القانون يجيز ان تكون شفهية:

حتى لو كان القانون يجيز العقود الشفهية، فإن الكتابة والتوثيق تظل الخيار الأكثر أمانًا، سيما في الحالات الاتية:

1- عندما تكون قيمة العقد مرتفعة أو تتعلق بممتلكات أو خدمات طويلة الأجل.

2- إذا كان هناك احتمال لاختلاف التفسير بين الأطراف.

3- عندما يتطلب القانون شكلاً محددًا لانعقاد العقد مثل عقود الزواج والتصرفات العقارية كالبيع العقاري أو الرهن أو الإيجار طويل الأجل.

الوجه السابع عشر: إشتراط القانون كتابة بعض العقود:

مع ان القانون قد اجاز ان تكون العقود شفهية إلا انه قد استثنى بعض العقود من ذلك، إذ اشترط ان تكون مكتوبة ، ومن ذلك العقود الاتية:

1. عقود بيع العقارات

 فقد اشترط قانون التوثيق اليمني وقانون السجل العقاري اليمني ان تكون البيوع والتصرفات العقارية التي يكون محلها العقار اشترط ان تكون مكتوبة .

كذلك الحال اشترط القانون المدني القطري أن تتم عقود بيع العقارات كتابةً وتوثيقًا رسميًا أمام الجهات المختصة، لان العقارات أصول عالية القيمة، والكتابة تضمن وضوح الملكية وتمنع النزاعات على الحدود أو الملكية المشتركة.

2. عقد الرهن العقاري:

فلا يعتد بالرهن العقاري إلا إذا تم تحريره رسميًا، لان الرهن يترتب عليه حقوق للغير (كالمصارف أو الدائنين)، وبالتالي يحتاج إلى إثبات يحمي جميع الأطراف.

3. عقد الزواج:

فقد اشترط قانون الاحوال الشخصية كتابة عقد الزواج وتوثيقه لدى قلم التوثيق خلال ثلاثين يوما .

4. الكفالات والضمانات المصرفية:

الكفالات المالية لا تصح شفهيًا، إذ يجب أن تكون مكتوبة لتحديد نطاق الضمان، ومدته، والمبلغ فالبنوك والمؤسسات المالية تعتمد بشكل أساسي على الكتابة لتفادي أي التباس.

الوجه الثامن عشر: المخاطر العملية للعقود الشفهية:

لاريب ان هناك مخاطر جمة للعقود الشفهية يمكن تلخيصها فيما ياتي :

1. صعوبة الإثبات أمام القضاء:

رغم أن العقد الشفهي صحيح، إلا أن المحكمة تحتاج إلى أدلة قوية لإثباته ،لان غياب المستندات يجعل الطرف المظلوم في موقف ضعيف حتى لو كان على حق.

2. إنكار أحد الأطراف:

من أخطر المخاطر أن يقوم أحد الأطراف بإنكار وجود الاتفاق أصلًا، خاصة إذا لم يكن هناك شهود أو أي مراسلات تثبت التعاقد.

3. عدم وضوح البنود:

الاتفاق الشفهي غالبًا ما يكون عامًا، بدون تحديد دقيق للمدة أو طريقة الدفع أو الجزاءات في حال الإخلال ،وهذا الغموض يؤدي إلى نزاعات طويلة ومعقدة.

4. طول أمد النزاع القضائي:

لأن العقد الشفهي يعتمد على الشهود والقرائن، وغالبًا ما تتأخر المحاكم في الفصل في قضايا العقود الشفهية لعدم وجود مستندات حاسمة،وهذا الامر يسبب خسائر مادية وزمنية للطرفين، ويرهق القضاء والعدالة. (هل العقد الشفهي له قوة قانونية مثل المكتوب، الوجبة للمحاماة، الموقع الالكتروني للوجبة للمحاماة، ص٤)، والله أعلم.

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.