الجمع بين العقود في وثيقة واحدة

الجمع بين العقود في وثيقة واحدة

من الأخطاء الخطرة في صياغة العقود أن يقوم كاتب العقود (المحامي/ الأمين الشرعي) أن يقوم بالجمع بين العقود في وثيقة واحدة، لأن ذلك يفضي إلى النزاع بين المتعاقدين فضلاً عن أن هذه الطريقة تقلص خيارات المتعاقد في التصرف بمحل العقد، بل أنها في الأحوال قد تؤدي إلى تعطيل العقود ذاتها، والأهم من هذا وذاك أن بعض صور الجمع بين العقود تكون مخالفة للشريعة الاسلامية إذا ترتب على الجمع مخالفة لحكم شرعي كالجمع بين عقد البيع وعقد القرض الذي يتوتب عليه شبهة الربا ، لنهى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن (عقدين في عقد) أوعن (بيعتين في بيعة واحدة) أو عن (صفقتين في صفقة واحدة) أوعن (بيع وسلف) أوعن (بيع وقرض) حسب الروايات المختلفة للحديث الصحيح، كما يقرر كثير من الفقهاء ان الجمع بين عقود داخل في النهي سواء ترتب على ذلك مخالفة لحكم شرعي ام لا.

 ولذلك فإن االمهم تجنب الجمع بين العقود في وثيقة واحدة حتى ولو لم يترتب على ذلك مخالفة لحكم شرعي ، وقد أشار إلى هذه المسألة المهمة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 23/5/2011م في الطعن رقم (44407)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد توصلت الدائرة إلى أن نعي الطاعنة في غير محله، لأن الحكم الابتدائي الذي أيده الحكم الاستئنافي المطعون فيه قد استند إلى أن الإتفاقية المبرمة بين الطاعنة والمطعون ضدها بعنوان – إتفاقية إستثمار – قد تضمنت هذه الاتفاقية عقدين؛ الأول: شراكة المطعون ضدها مع الطاعنة وذلك بشراء المطعون ضدها لمجموعة أسهم في الشركة المطعون ضدها، والعقد الثاني: قيام المطعون ضدها بإقراض الطاعنة مبلغ....، فقد ورد في الإتفاقية المشار إليها موافقة الطرفين على أن تدفع المطعون ضدها مبلغ..... قرضاً للطاعنة، ولما سلف بيانه فما ذهبت إليه الشعبة التجارية في حكمها المؤيد للحكم الابتدائي بإلزام الطاعنة بدفع مبلغ القرض للمطعون ضدها مبني على أدلة سليمة وواضحة الدلالة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: صور الجمع بين العقود في وثيقة واحدة:

كانت القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا إتفاقية مكتوبة واحدة اسمها (إتفاقية إستثمار)، وقد تضمنت هذه الاتفاقية عقدين :عقد شراكة بين الطاعنة والمطعون ضدها وكذا عقد قرض مقدم من المطعون ضدها للطاعنة، وقد تم التوقيع على الاتفاقية في وقت واحد وفي وثيقة واحدة.

والحكم الشرعي في الجمع بين العقود يختلف بإختلاف صور الجمع بين العقود وما اذا الجمع يؤدي الى مخالفة حكم شرعي كالربا والجهالة وبيع الانسان مالم يقبضه...الخ.

ولذلك يمكن الإشارة الى بعض صور الجمع بين العقود في وثيقة واحدة؛ ومن أهم هذه الصور:

الصورة الأولى: أن يتم إبرام عدة عقود بصيغ متفرقة مستقلة عن بعضها، وليس بصيغة واحدة ،ثم يتم كتابة هذه الصيغ في وثيقة واحدة ، لإثبات هذه العقود والتصرفات ، مثل أن يقوم (س) عندالساعة السادسة صباحا بشراء أرض من (ص) بإيجاب وقبول مستقل ويتم قبض الثمن في الحال ويتم تسليم المبيع المشتري ، وبعد ذلك يقوم (س) نفسه عند الساعة السادسة مساء بشراء هاتف جوال من (ص) بصيغة إيجاب وقبول مستقلة ويتم تسليم الثمن والمبيع في الحال، ولإثبات البيعتين أو العقدين فيتم كتابتهما في وثيقة واحدة، وهذه الصورة لاينطبق عليها النهي النبوي عن بيعتين في بيعة أو النهي عن عقدين في عقد ، وان كان يترتب على كتابة العقدين في وثيقة واحدة إشكاليات أخرى غير الاشكالية الشرعية، من حيث تقليص حرية المشتري في التصرف المبيعين لوجودهما في وثيقة ، فمثلا قد يريد المشتري رهن الارضية وحدها أو بيع الهاتف وحده.

الصورة الثانية: أن يقوم (س) بشراء سيارة من (ص) وكذا شراء الجوال وذلك بصيغة إيجاب وقبول واحدة ، ويتم دفع الثمن واستلام المبيع ، ويتم إثبات هذه البيوع وكتابتها في وثيقة واحدة، وهذه الصورة عند كثير من الفقهاء ينطبق عليها النهي النبوي عن بيع وشرط أو النهي عن عقدين في عقد، وكذا تترتب على هذه الصورة إشكاليات أخرى وهي تقليص حرية المشتري في التصرف ببعض المال.

الصورة الثالثة: أن يقوم (س) بشراء الأرض من (ص) بثمن معلوم وبصيغة إيجاب وقبول مستقلة ويتم دفع الثمن واستلام المبيع، وبعد ذلك يقوم (ص) بشراء الناقلة من (س) وذلك بصيغة إيجاب وقبول مستقلة ، ويتم إثبات البيعين في وثيقة واحدة. وهذه الصورة أيضا لاينطبق عليها النهي النبوي عن بيعتين في بيعة أو النهي عن عقدين في عقد، ولكن تترتب على هذه الصورة إشكاليات أخرى غير الاشكالية الشرعية.

الصورة الرابعة: أن يقوم (س) بشراء الأرض من (ص) بثمن معلوم وبصيغة إيجاب وقبول مستقلة ويتم استلام المبيع وتحديد الثمن على أن يكون الثمن موجلا، وبعد ذلك يقوم (ص) بشراء الناقلة من (س) وذلك بصيغة إيجاب وقبول مستقلة ويتم دفع ثمن الناقلة، ويتم إثبات البيعين في وثيقة واحدة. وهذه الصورة أيضا لاينطبق عليها النهي النبوي عن بيعتين في بيعة أو النهي عن عقدين في عقد طالما انه ليس هناك اية علاقة بين العقدين، ولكن تترتب على هذه الصورة إشكاليات أخرى غير الاشكالية الشرعية.

الصورة الخامسة : أن يقوم (س) بشراء الأرض من (ص) بثمن معلوم وبصيغة إيجاب وقبول واحدة وفي الوقت ذاته يقوم (ص) بشراء الناقلة من (س) وذلك بصيغة إيجاب وقبول واحدة ويتم دفع الثمن ويتم في الموقف قبض الثمن واستلام المبيع في الصفقتين ، وبعد ذلك يتم إثبات البيعين في وثيقة واحدة. وهذه الصورة ينطبق عليها النهي النبوي عن بيع وشرط عند غالبية الفقهاء في بيعة أو النهي ، وكذا تترتب على هذه الصورة إشكاليات أخرى غير الإشكالية الشرعية.

الصورة السادسة : أن يقوم (س) بشراء الناقلة من (ص) شريطة أن يقوم (ص) بقرض (س) ويتم إبرام هذا التصرف في إيجاب وقبول واحد ويتم إثبات هذا التصرف في وثيقة واحدة، وهذه الصورة ينطبق عليها النهي النبوي عن بيع وشرط ،كما سنرى.

الصورة السابعة : أن يقوم (س) بشراء الناقلة من (ص) شريطة أن يقوم (ص) ببيعه ارضه ويتم إبرام هذا التصرف في إيجاب وقبول واحد ويتم إثبات هذا التصرف في وثيقة واحدة، وهذه الصورة ينطبق عليها النهي النبوي عن بيع وشرط كما سنرى.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل البنوك والمصارف ، ا. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص٢٠٦).

الوجه الثاني: الإشكاليات المترتبة على كتابة تصرفات عدة في وثيقة واحدة:

من خلال ما سبق يظهر أن هناك إشكاليات شرعية وقانونية للجمع بين التصرفات في صيغة واحدة أو وثيقة واحدة ، لإختلاف أحكام وآثار وإجراءات هذه التصرفات عن بعضها، إضافة إلى أنه يترتب على جمع التصرفات في وثيقة واحدة التضييق على المتصرف له وتقليص خياراته في المستقبل ، مثل المشتري الذي يجمع الكاتب شراءه لعدة مبيعات في وثيقة واحدة ، فإن ذلك يضيق من حريته في التصرف في الأموال التي اشتراها عندما يريد التصرف ببعض المبيعات المذكورة فيها.

 صحيح أنه يتم التغلب على هذه الصعوبات عن طريق ما يطلق عليه في اليمن (بالتعطيل/ أو التنكيت) على ظهر الوثيقة الأصلية الواحدة المتضمنة المال الذي يتم التصرف فيه، ومع ذلك فمازال البيع بموجب الفصل أو الفرز يثير عدة إشكاليات.

ولذلك فقد أوجب دليل الأمناء الموثقين الصادر مؤخراً عن مجلس القضاء ووزارة العدل اوجب أن يتم إفراد كل تصرف بوثيقة مستقلة عدا الفصول ووثيقة الوصية. (مهارات الصياغة القانونية -مهارات صباغة العقود- أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٥م، ص٤٢).

الوجه الثالث: الجمع بين العقود في المصارف الاسلامية:

 إقتضت صيغ التمويل الاسلامي المعمول بها في المصارف الاسلامية الجمع بين بعض العقود ، وقد درس الفقهاء إمكانية الجمع بين بعض العقود وفقا لشروط شرعية معينة ؛ إذ غالباً ما يكون ذلك على سبيل الربط بين عقدين فأكثر ، فقد نظر الفقهاء إلى العقود على اساس أن الشارع في الكتاب والسنة والآثار قد اشترط التراضي في عقود المعاوضات، فلم يشترط الشرع لفظ مخصوص لانعقادها ،فالعقود تصح بكل ما دل على مقصدها من قول أو فعل حسبما تدل عليه أصول الشريعة، فصيغ عقود البيع والإجارة والهبة .. ونحوها؛ لم يحدد الشارع لها صيغة معينة في الكتاب أو السنة، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عيّن للعقود صفة معينة الألفاظ، أو قال ما يدل على ذلك من أنها لا تنعقد إلا بالصيغ الخاصة، بل قيل إن هذا القول مما يخالف الإجماع القديم.

وإذا كان الامر كذلك فإن الشرع لا يمنع من حيث المبدأ الجمع بين العقود لتلبي الاحتياجات الاقتصادية، لأن الأصل في المعاملات الحل، لكنه يمنع من تركيب العقود وجمعها على نحو يناقض ضوابط الشريعة وأصولها، وهذا هو معنى نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة، فقد يكون كلا العقدين مشروعاً على حدة، فإذا تم تركيبهما على نحو معين فقد تكون النتيجة غير مقبولة شرعاً، فجاء الحديث الشريف ليبين أن الحكم الشرعي لا يقتصر على الأجزاء، بل لابد مع ذلك من النظر للمجموع. ولذلك قال العلماء: (حكم الجمع يخالف حكم التفريق).

والنهي عن بيعتين في بيعة لا يعني تحريم تركيب العقود مطلقاً، بل يختص بما إذا كانت العقود المجتمعة متناقضة ومتنافرة، وما كان كذلك فهو ممنوع شرعاً باتفاق الفقهاء، والعقود لا تكون كذلك إلا إذا كانت نتيجتها النهائية غير مقبولة شرعاً، وهذا التنافر هو الذي يجعل هذه المنتجات مرتفعة الكلفة من الناحية التطبيقية، وتثير الثير من الإشكالات من الناحية الشرعية.

ومن أوضح الأمثلة لذلك الجمع بين البيع والقرض. فقد اتفق الفقهاء من حيث الجملة على عدم جواز اشتراط القرض في عقد البيع، سواء أكان الشرط تعليقياً كقوله: بعتك داري إن أقرضتني مبلغاً من المال، أو اقترانياً مثل: بعتك داري على شرط أن تقرضني كذا. قال ابن رشد: «اتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة»، وقال الباجي: «وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك»، وذكر صاحب المغني معلقاً على هذه المسألة: وهذا مذهب مالك والشافعي ولا أعلم فيه خلافاً، وقال الحطاب: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف».

ومستند الإجماع: الحديث المروي بروايات متعددة، منها: رواية عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه واله سلم قال: «لا يحل سلف وبيع»، قال الإمام مالك: وتفسير ذلك أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا وكذا، على أن تسلفني كذا وكذا، فإن عقدا بيعهما على هذا فهو غير جائز وسئل الإمام أحمد ما معنى «نهى عن سلف وبيع»؟ قال: أن يقرضه قرضاً ثم يبايعه عليه، ويحتمل أن يكون بمعنى أن يسلفه شيء فيقول إذا لم يتهيأ عندك فهو بيع عليك.

وفي معرض بيان الاحتجاج بهذا الحديث قال الباجي: إن تلقي الأمة له بالقبول يدل على صحة معناه، وذلك يقوم مقام الإسناد ، وعلة النهي: أن اقتران السلف بالبيع صار ذريعة إلى أن يقرضه ألفاً ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفاً وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا معنى الربا).

وواضح من الحديث الشريف والإجماع أن الشرع المطهر لا يقصر النظر على العقود الجزئية، بل ينظر مع ذلك للنتيجة النهائية لاجتماع هذه العقود، فالبيع على حدة مشروع، والقرض الحسن على حدة مشروع، لكن اجتماعهما على النحو السابق يؤدي إلى محذور وهو الربا، ولهذا جاء النهي عنه وانعقد الإجماع على ذلك.

ولو كانت العقود المجتمعة متكاملة محققة لمعنى البيع ومقصوده، لم يكن في اجتماعها ضرر، بل يمكن في هذه الحالة دمج عقدين أو أكثر للتوصل إلى عقد جديد وصيغة مبتكرة.

وقد عرف الفقه الإسلامي ذلك من القديم، فالاستصناع مثلاً صيغة مركبة من عقدي السَّلَم وإجارة العمل لكنه عقد مستقل يتميز عنهما بما يجعله عقداً جديداً مفيداً للتبادل الاقتصادي.

وبناء على ذلك فالأصل في الجمع بين العقود الحِلّ في المصارف الاسلامية وغيرها بشرط التأكد من أمرين:

الأمر الأول: انتفاء التناقض والتنافر بين العقود المجتمعة ، وتحقق هذا الشرط يعني أن العقود المجتمعة أصبحت متكاملة ومنسجمة بما يسمح بإنشاء عقد جديد متميز عن العقود التي نتج عنها.

الامر الثاني: سلامة المحصلة النهائية والمجموع الكلي للعقود، ولا يكفي مشروعية كل من العقود المفردة على حدة، بل يجب أن يؤدي جمع العقدين الى محظور شرعي ، وتحقق هذا الشرط يضمن اندراج حزمة العقود أو العقد الجديد ضمن مقاصد التشريع من المبادلات.

فقد اتفق الفقهاء على أنَّه لا يجوز اشتراط عقد البيع في عقد القرض، لقول النبي -صلى الله عليه واله وسلم-: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِى بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، واللفظ لأبي داود، وصححه الألباني.

والحديث يدل بعمومه على تحريم اشتراط عقد البيع في عقد القرض، واشتراط عقد القرض في عقد البيع صراحة أو ضمنًا.

وسبب التحريم: أنَّ ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرض؛ لأنَّه قد تحصل محاباة في الثمن مِنْ أجل القرض إذا كان المشتري هو المقرض، أو زيادة في ثمن السلعة إذا كان البائع هو المقرض، فيكون القرض جر له منفعة مشروطة؛ فيكون ربا، وقد اتفق العلماء على سد مثل هذه الذريعة ومنعها.

فإذا وقعت المحاباة بالفعل أو الزيادة في الثمن، كان التحريم لأجل وقوع الربا، وإذا لم تقع، حرم الإقدام على العقد؛ سدًا لذريعة الربا.

ومثل البيع في الحكم: غيره مِنْ عقود المعاوضات؛ كالإجارة والصرف ونحوهما

ومحل النهي عن الجمع بين سلف وبيع في أحد أمرين:

الأول: أنْ يشترط عقد البيع في عقد القرض، أو العكس.

الثاني: أنْ يجتمع البيع والقرض مِنْ غير اشتراط أحدهما في الآخر اجتماعًا يؤدي إلى المحاباة في الثمن مِنْ أجل القرض.

أمَّا إذا اجتمع البيع والقرض مِنْ غير اشتراط أحدهما في الآخر، ولم يؤد اجتماعهما إلى المحاباة في ثمن السلعة أو زيادته مِنْ أجل القرض فذلك جائز؛ لانتفاء علة النهي، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهو مذهب الشافعية؛ كما في “الحاوي الكبير” (٣٥١/٥): “البيع بانفراده جائز، والقرض بانفراده جائز، واجتماعهما معًا مِنْ غير شرط جائز، وإنما المراد بالنهي: بيع شرط فيه قرض”، وهو المعتمد عند المالكية كما في “الشرح الكبير” (٦٧/٣): “وأمَّا جمعهما مِنْ غير شرط فجائز على المعتمد”، وهو قول في مذهب الحنابلة، واختاره محمد بن الحسن، والكرخي مِن الحنفية، و قال القرافي في “الفروق” (3/226): “بإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين؛ لذريعة الربا”، وقال ابن قدامة في “المغني” (6/334): “ولو باعه بشرط أنْ يسلفه أو يقرضه أو شرط المشتري ذلك عليه؛ فهو مُحَرَّم … ولا أعلم فيه خلافًا”.) فقه المعاملات وتطبيقاتها المعاصرة، ا.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٦٧(

 الوجه الرابع: احاديث النهي عن بيعتين في بيعة ومعنى ذلك:

 النهي عن بيعتين في بيعة ثابت بالأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم والتي وصل بعضها إلى درجة الصحة، ووصل البعض الآخر إلى درجة الحسن.

ومعنى بيعتين في بيعة هو:اجتماع أو تقابل أكثر من عقد في صفقة واحدة، بحيث تعد سائر موجبات تلك العقود والآثار المترتبة عليها جملة واحدة، بمثابة آثار العقد الواحد.

أما الاجتماع كأن يقول: بعت أرضي وأجرتك سيارتي لمدة سنة، وأما التقابل كأن يقول: أبيعك سيارتي على أن تبيعني أرضك، وتكون الآثار المترتبة على هذا الاجتماع أو التقابل بمثابة الآثار المترتبة على العقد الواحد.

وسبب تسميته عند الفقهاء بهذا الاسم لأنه في الأصل بيعة واحدة، ولكنه احتوى في ثناياه على بيعتين أو باعتبار التردد في الثمن أو محل العقد، كأن يقول البائع للمشتري: بعتك هذه السلعة بدينار نقداً وبدينارين نسيئة، فالبائع يريد بيع سلعته ولكن بيعه هذا احتوى على أمرين: الأول بثمن حال، والثاني بالنسيئة، كما ويلحظ الاختلاف في الثمن بين الأول والثاني.

والنهي عن بيعتين في بيعة ثابت بأحاديث كثيرة منها:

1- ما أخرجه أحمد والترمذي والنسائي والبيهقي ومالك عن أبي هريرة رضي الله عنه- أنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة"، وحسنه في الإرواء .

2- -أخـرج أبــو داود وابــن حبان والبيهقي وابن حزم من طريق أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه واله سلم قال: " من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا"، وصححه ابن حبان،

3- -أخرج الحاكم في مستدركه أن رسول الله صلى الله عليه واله سلم بعث عتاب بن أسيد إلى أهل مكة وقال: "أخبرهم أنه لا يجوز بيعان في بيع ولا بيع ما لا يملك، ولا سلف وبيع، ولا شرطان في بيع".

4- أخرج أحمد في مسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه واله سلم عن بيعتين في بيعة، وعن ربح ما لم يضمن، وعن بيع ما ليس عندك".

5- أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وسلف، وعن بيعتين في صفقة واحدة، وعن بيع ما ليس عندك، .

6- أخرج عبد الرزاق في مصنفه موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه قال: "صفقتان في صفقة ربا" وصححه في الإرواء وكانت العرب تسمي البيع صفقة، لأن العاقدين كانا يتصافقان- أي يضرب يده بيد الآخر- عند البيع.

7- أخرج أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة واحدة، وروى أحمد موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لا تصلح صفقتان في صفقة،.

وذهب أكثر شراح الحديث كابن عبد البر والشوكاني والمباركفوري إلى أن معنى صفقتين في صفقة مرادف لمعنى بيعتين في بيعة، إلا أن الكمال ابن الهمام الحنفي ذهب إلى أن مصطلح صفقة يشمل البيع وغيره كالإجارة والسلف والرهن وغيرها.

والحاصل أن النهي عن بيعتين في بيعة ثابت بالأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم والتي وصل بعضها إلى درجة الصحة، ووصل البعض الآخر إلى درجة الحسن.

 الوجه الخامس: حكم اشتراط عقد معاوضة في عقد معاوضة:

 عقود المعاوضة هي عقود تتبادل اطرافها المنافع والإلتزامات المالية ، اذ يقدم كل طرف مقابلا لقاء مايحصل عليه ، وتشمل عقود المعاوضة عقد البيع والايجار والعمل والشركة والمقايضة وغيرها.

وقد اختلف الفقهاء في مسألة الجمع بين عقود المعاوضة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: لا يجوز الجمع بين عقدي معاوضة: ،وهو مذهب الحنفية والشافعية وهو الصحيح من مذهب الحنابلة وقول ابن حزم

 قال السرخسي: "وإذا اشتراه على أن يقرض له قرضًا، أو يهب له هبة، أو يتصدق عليه بصدقة، أو على أن يبيعه بكذا وكذا من الثمن، فالبيع في جميع ذلك فاسدٌ؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف، وعن بيعتين في بيعة"،وقال العمراني "وإن قال: بعتك هذه الدار بمائة على أن أؤجرك الأخرى.. بطل البيع، قولاً واحدًا؛ لأن هذا في معنى بيعتين في بيعة"، وقال ابن قدامة: "كل ما كان في معنى هذا، مثل أن يقول: بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا، أو على أن تبيعني دارك، أو على أن أؤجرك، أو على أن تؤجرني كذا، أو على أن تزوجني ابنتك، أو على أن أزوجك ابنتي، ونحو هذا؛ فهذا كله لا يصح ".

 واستدل اصحاب هذا القول بالادلة الاتية :

الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد والترمذي والنسائي، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة.

 والدليل الثاني: ما أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صفقتين في صفقة.

 ووجه الدلالة: أن الحديثين دلاّ على النهي عن الجمع بين عقدي أو صفقتي بيع، ويلحق بهما كل جمع بين عقدي معاوضة في عقدٍ واحد.

 ونوقش الاستدلال بهذين الحديثين: أن المنهي عنه أن يجمع بين عقدين؛ بحيث يترتب من هذا الجمع محظور؛ كالربا، وقد سبق ذكره قريبًا

 والدليل الثالث: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار، قال الراوي: والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي.

 ووجه الدلالة: أن قوله زوجني وأزوجك جمع بين عقدي نكاح، والنكاح من جنس عقود المعاوضة، وسبب المنع هو الجمع بينهما؛ فلا يحل الجمع بين عقدي معاوضة.

 ونوقش: أن سبب المنع من نكاح الشغار هو أن يزوجه ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا يجعلان في العقدين صداقًا؛ كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار، والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، وليس بينهما صداق.

 كما استدل أصحاب القول الاول: بأن الجمع بين عقدي معاوضة بثمنٍ واحدٍ يؤدي إلى جهالة ثمن كلٍ منهما.

 ونوقش: أن العوض ينقسم على المثمنين بقسطهما من القيمة؛ فيعرف بذلك ثمن كلٍ منهم) .المبسوط، للسرخسي، (13/ 16)، شرح فتح القدير، لابن الهمام، (6/ 446)، المجموع شرح المهذب، (9/ 338)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي، (2/ 92)، الإنصاف، للمرداوي، (4/ 349( والمحلى، (9/ 15).

القول الثاني: لا يجوز الجمع بين عقد الجعالة، أو الصرف، أو المساقاة، أو الشركة، أو القراض مع عقد البيع، ولا يجوز اشتراط عقد منهما في الآخر، ويجوز ما عداه،وهو مشهور مذهب المالكية ،فقد قال الخرشي "كما لا يجوز اجتماع البيع مع الصرف، لا يجوز اجتماعه مع القرض، والنكاح، والشركة، والجعل، ومنه المغارسة، والمساقاة، والقراض، ولا يجوز اجتماع واحد مع الآخر، واستدل اصحاب هذا القول : بأن أحكام هذه العقود متضادة متنافية؛ فلا يجمع بينها، وبيان ذلك:

١- أن الجعالة والمساقاة والقراض فيها جهالة عمل، والجهالة تنافي البيع.

 ٢- الصرف مبني على التشديد، وامتناع الخيار والتأخير، فضاد البيع.

 ٣-الشركة فيها صرف أحد النقدين بالآخر من غير قبض، وهي مخالفة للأصل، والبيع على وفق الأصول؛ فهما متضادان

 ونوقش: أنه يمكن أن يجمع بين هذه العقود واقعًا دون منافاة؛ لتعدد المحل، أو الوقت، ومتى تنافى عقدان بحيث لا يمكن اجتماع أحكامهما في وقت واحد منع الجمع بينهما؛ سواء هذه العقود أو غيرها. (مواهب الجليل، للحطاب، (4/ 313)، حاشية العدوي، (2/ 212)).

 القول الثالث: جواز الجمع بين عقود المعاوضة، ما لم يترتب عليه محظور.

وهو قول عند المالكية وعند الحنابلة واختاره ابن تيمية وابن القيم.

واستدل أصحاب هذا القول بالادلة الاتية:

١-أخرج الشيخان من حديث جابر رضي الله عنه أنه كان يسير على جملٍ له، قد أعيا، فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا لي، وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، قال: "بعنيه بوقية، قلت: لا، ثم قال: "بعنيه"، فبعته بوقية، واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي، فلما بلغت، أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت، فأرسل في أثري، فقال: "أتراني ماكستك لآخذ جملك، خذ جملك، ودراهمك فهو لك)

 ووجه الدلالة: أن جابر رضي الله عنه جمع بين عقدي معاوضة، وهما بيع جمله، واستثناء منفعة حملانه إلى المدينة، فاجتمع عقدا بيع وإجارة في عقدٍ بثمن واحد، وأقرّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.

 ويمكن أن يناقش: بأن استثناء منفعة حمله للمدينة، ليس إنشاءً منه لعقدٍ جديد، بل هو استبقاء لملكه الأول، فدار الأمر على عقد بيع، من بيوع الثنيا المعلومة.

 ٢-أن الأصل في العقود الحلّ. (المغني، (4/ 176).

القول المختـار: الأصل في العقود المركبة الحلّ؛ كغيرها من العقود، ما لم يترتب على هذا التركيب محظور؛ من ربا أو غرر، أو تضاد بين أحكام العقود التي تركبت منها، وهذا الحكم ينسحب على سائر صور التركيب، ومنها الجمع بين عقدي معاوضة. (النظرية العامة للمصرفية الاسلامية، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٦م، ص٣٧٤).

الوجه السادس: العقود التي لايجوز الجمع بينها:

ذهب الحنفية وبعض الزيدية والشافعية والحنابلة الى حمل حديث النهي عن صفقتين في صفقة على ظاهره، فقالوا بحرمة اجتماع أكثر من عقد في صفقة واحدة، وذهب أشهب من المالكية وابن تيمية إلى جواز اجتماع أكثر من عقد في صفقة واحدة، لأن الأصل في العقود الإباحة، ولم يرد دليل شرعي يحرم اجتماع أكثر من عقد في صفقة واحدة، ولأنه لما جاز كل عقد منها على انفراد، جاز هذا العقد مجتمعاً مع غيره.

وذهب المالكية إلى حرمة اجتماع البيع مع بعض العقود إذا تعارضت أحكامها؛ وذلك لأن العقود أسباب شرعت من أجل تحصيل مقاصدها على الانفراد، ولكن عند اجتماع البيع مع بعض العقود الأخرى فإن هذا الاجتماع مفسد لها لتناقض أحكام هذه العقود ومقاصدها، والصفقة الواحدة لا تشتمل على معانٍ متناقضة، وعليه فإن في الاجتماع معنى وتأثيراً لا يتوافر في العقد المنفرد.

وقال القرافي: (والسر في الفرق أن العقود أسباب لاشتمالها على تحصيل حكمتها في مسبباتها بطريق المناسبة والشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يناسب المتضادين، فكل عقدين بينهما تضاد لا يجمعهما عقد واحد).

وقد جمع المالكية أسماء العقود التي لا يجوز اجتماعها مع البيع في قولك (جص مشنق)، وهي: الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض ونظمها أبو بكر محمد بن عاصم المالكي في بيت الشعر:

وجمـع بيع مـع شركة ومع صرف وجعـل ونكاح امتنع

               ومع مساقــاة ومع قـراض وأشهب الجواز عنه ماض.

ووجه التضاد بين البيع والجعالة على سبيل المثال- أن الجعالة عقد غير لازم، ولا يؤثر الغرر في محل العقد في الجعالة- وهو العمل- وهذا ينافي أحكام عقد البيع، فالبيع عقد لازم، والغرر الفاحش يفسد البيع، والصرف مبني على التشديد، فيمتنع فيه الخيار وتأخير أحد العوضين، بينما يصح اشتراط الخيارات وتأجيل دفع الثمن في عقد البيع، وعقد النكاح قائم على المكايسة والمسامحة في المهر، بينما البيع قائم على المشاحة في العوض، وهكذا في سائر العقود التي تنافي عقد البيع في أحكامها. (حكم اجتماع العقود في صفقةٍ واحدة،د. أ. د. حمد فخري عزام ، كلية الشريعة، جامعة مؤتة الاردن ، مجلة جامعة مؤتة ، ص٢٣).

الوجه السابع: علة النهي النبوي عن بيع وشرط أو بيعين في بيع أو صفقتين في صفقة:

اختلف الفقهاء في ذلك إختلافا متشعبا حسبما هو مبسوط في كتب الفقه الاسلامي ، فلكل وجهة هو موليها ، فمنهم من ذهب الى ان علة ذلك الجهالة ومنهم من ذهب الى ان علة ذلك هو الربا ومنهم من ذهب الى انه يؤدي الى بيع العينة ومنهم من ذهب الى انه يتضمن بيع وشرط ، والمختار ان علة النهي هي كل هذه المسائل، وبيان هذه الاراء كما سياتي:

أولا :علة النهي النبوي عن بيعين في بيع هو الجهالة:

فقد استنبط بعض الفقه الاسلامي للعقد الشروط الاتية:

الشرط الأول: أن يكون العقد على سبيل الإلزام للعاقدين، أو لأحدهما، فإن أُلزم أحد العاقدين أو كليهما بإحدى البيعتين فسد العقد، ولكن إن كان العقد على سبيل التخيير لكليهما صح العقد.

الشرط الثاني: أن تكون السلعتان محل العقد في بيعتين في بيعة مختلفتين في الجنس- عدا الطعام- كأن يخيره بين سيارة وعقار، فإن اتحدا في الجنس صح العقد، وإن اختلفا في الجودة؛ لأن السلعتين إن اتحدتا في الجنس فهما بمثابة السلعة الواحدة، أما الاختلاف في الجودة والرداءة فإنه لا يفسد العقد؛ لأن الجودة والرداءة أوصاف زائدة والجهالة فيها يسيرة.

الشرط الثالث: أن تكون السلعتان أو إحداهما طعاماً، سواء اتفقتا في الجنس أو اختلفتا؛ لأنه يؤدي إلى ربا الفضل، فالطعام مال ربوي، والمخير بين شيئين منتقل من نوع إلى آخر، فمن اختار أحد نوعي الطعام يعد كأنه اختار نوعاً ثم انتقل إلى غيره أقل من المنتقل عنه، أو أكثر، فيؤدي إلى ربا الفضل.

وهذا الانتقال يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه لأنه لما انتقل من أحد نوعي الطعام إلى النوع الآخر صار بائعاً للأول قبل استيفائه له.

ثانيا: النهي عن الجمع بين العقود صورة من صور بيع العينة المحرم عند جمهور الفقهاء:

أن وجه الربا في بيعتين في بيعة يتمثل في بيع العينة، وهو قول المالكية وابن تيمية وابن القيم وبيع العينة: هو بيع السلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم شراؤها من قبل البائع نفسه بثمن حال وبأقل من الثمن الأول، أو شراؤها بحضرة طالبها من أجنبي ثم بيعها لطالبها بثمن أكثر منه إلى أجل ثم يبيعها طالبها-المشتري الأخير- لبائعها الأول نقداً، أو بأقل من الثمن الذي اشترى به الطالب.

ووجه تفسير بيع العينة بأنه بيعتان في بيعة: أن البائع باع المعقود عليه بثمن مؤجل للمشتري ثم اشترى المعقود عليه ذاته مرة أخرى بثمن حال وأقل من الثمن الذي باع به، ومجموع هذين العقدين هو ما يسميه الفقهاء بيع العينة، قال ابن القيم: (وقد تقدم الاستدلال على تحريم - بيع- العينة بقوله صلى الله عليه وسلم:" لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع" وبقوله صلى الله عليه وسلم:" من باع بيعتين في بيعة فله أوكسها أو الربا"، وأن ذلك لا يمكن وقوعه إلا على العينة

وذهـب الحنفيـة والمالكيـة والحنابلة إلى تحريم بيع العينة؛ لأنه ذريعة إلى الربا، فالبيع في العينة كان صورياً، ومقصود العاقدين كان الحصول على النقود بقصد ربوي، ولهذا سمي هذا النوع من البيوع بالعينة من العون، فالمشتري يستعين بالبائع للحصول على العين- أي النقود- التي يريد وقيل سمي عينة لأن المقرض أعرض عن القرض إلى بيع العين.

وذهب الشافعي إلى جواز بيع العينة ،لأن ظاهر العمل بيع وهو مشروع، قال الشافعي: "ولا بأس أن يبيع الرجل السلعة إلى أجل ويشتريها من المشتري بأقل نقدٍ وعرض وإلى أجل... وإذا كانت هذه السلعة لي كسائر مالي، لما لا أبيع ملكي بما شئت وشاء المشتري .

ثالثا: علة النهي عن الجمع بين العقود صورة خاصة من صور الربا :

 ذكر البيهقي والشوكاني أن حديث النهي عن بيعتين في بيعة ورد في مسألة ربوية خاصة، قال البيهقي: (ويشبه أن يكون ذلك في حكومة شيء بعينه، كأنه أسلف ديناراً في قفيز بر إلى شهر، فلما حل الأجل وطالبه بالبر، قال له: بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهرين، فهذا بيع ثانٍ دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيردان إلى أوكسهما، وهو الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني، قبل أن يتناقضا البيع الأول كانا مربيين).

فيظهر جلياً من هذه الصورة أن البائع باع قفيز القمح، ثم اشتراه من المشتري قبل القبض بقفيزين، فهذه بيعتان أصلهما بيعة واحدة، وقد آلت هاتان البيعتان إلى ربا الفضل؛ لأنه باع قمحاً بقمح متفاضلين، كما أنه باع قمحاً في الذمة بقمح في الذمة، وهو ممنوع شرعاً، فقد "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ أي بيع الدين بالدين.

رابعا: النهي عن الجمع بين العقود لأنه قد يكون بيع وشرط:

فيمكن تفسير النهي عن بيعتين في بيعة على أنها بيع وشرط، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، وهو أحد وجوه تفسير هذا الحديث عند الحنفية والشافعية والحنابلة، كأن يقول البائع: بعتك سيارتي هذه بكذا، على أن تبيعني أرضك الفلانية بكذا، فهذا الاشتراط أدى إلى وجود عقدين في عقد واحد، لأنه اشترط عقداً في عقد، واشتراط عقد في عقد آخر فاسد، لأن النهي الوارد عنه في الحديث يقتضي فساد هذا الاشتراط، ولأن البائع لم يرض بالعقد إلا بوجود الشرط، ولما منع الشرع هذا الاشتراط فقد فات رضا البائع فبطل العقد لفوات الرضا وهو ركن العقد.

ويبدو أن علة تحريم البيع والشرط هي الاستغلال، لذا حرم الشرع العقود التي يستغل فيها أحد العاقدين حاجة العاقد الآخر للمعقود عليه، فيشترط عليه شروطاً تدفعه الحاجة إلى القبول بها، وهو في الحقيقة غير راضٍ عنها.

خامسا: علة النهي عن الجمع بين العقود قد يكون بيع البائع مالايملك:

ويمكن تفسر حديث بيعتين في بيعة على أنه بيع البائع ما لا يملك، وهو قول عند المالكية في تفسير هذا الحديث ، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه واله سلم عن بيع الإنسان ما لا يملك، فقد روى الترمذي عن حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله: يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه، ثم ابتاعه من السوق، فقال: "لا تبع ما ليس عندك"

ووجه هذا التفسير أن يقول أحدهم لآخر: ابتع لي هذه السلعة من السوق بكذا، وبعها لي بكذا، ويلتزم الآمر بشراء السلعة من البائع، فيلاحظ هنا أن الآمر بالشراء أورد عقدين في صفقة واحدة وهما: شراء المأمور للسلعة، ثم بيعها للآمر بالشراء، وموافقة المأمور على هذا العقد بيع ما ليس عنده، لأنه لما قبل بالعقد على هذه الصورة فقد وافق الآمر على بيع ما لا يملك، فهو لم يشتر السلعة بعد، ولم تدخل في ملكه حتى يفاوض الآمر على شرائها منه.

 سادسا:القول المختار: العلة في النهي عن الجمع بين العقود او النهي عن صفقتين في صفقة هي كل ما ذكره الفقهاء سابقا:

هل يحمل حديث النهي عن صفقتين في صفقة على ظاهره فيحرم اجتماع العقود في صفقة واحدة؟ أو يحمل هذا الحديث على معنى أعمق من المعنى الظاهر فيناط هذا النهي بعلة أو ضابط يجمع مسائله، ويبين حكمه؟

إن الناظر في كتب الفقه الاسلامي يجد تردداً في أحكام اجتماع أكثر من عقد في صفقة واحدة، فتارة تجد الفقهاء يحظرون هذا الاجتماع اتباعاً لظاهر حديث النهي عن بيعتين في بيعة وتارة يجيزون اجتماع أكثر من عقد في صفقة واحدة؟.

فأجاز الحنفية الجمع بين البيع والإجارة استحساناً لمن اشترى نعلاً على أن يحذوها البائع لتعامل الناس به، قال البابرتي: (فمن اشترى صرماً واشترط أن يحذوه- أي البائع- أو نعلاً على أن يشركها البائع، فالبيع فاسد في القياس، ووجهه ما بيناه أنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، وفي الاستحسان يجوز للتعامل والتعامل قاضٍ على القياس لكونه إجماعاً فعلياً كصبغ الثوب).

كما أجاز أشهب من المالكية اجتماع أكثر من عقد في عقد واحد؛ لأنه لما شرع كل عقد على الانفراد صح عند الاجتماع، وأجاز الشافعية الجمع بين البيع والإجارة والجمع بين السلم والإجارة، كما أجاز الحنابلة اجتماع القرض مع الوكالة في عقد واحد، قال البهوتي: (قال: أسلف لي ألفاً في كرا طعام، واقبض الثمن عني من مالك، أو اقبض الثمن من الدين الذي عليك صح؛ لأنه وكله في الشراء والإسلاف، وفي الإقراض منه، أو القبض من دينه والدفع عنه، وكل ذلك صحيح في الانفراد فكذا مع الاجتماع).

والحاصل أن هذا التردد في فهم الحديث بين العمل بمفهومه، أو العمل بظاهره، أورث اختلافاً في الأحكام، والأصل اتباع منهج واحد في التعامل مع النصوص الشرعية، لأن النصوص الشرعية المتعلقة بالمعاملات مدركة المعاني، فعلى الفقيه فهم النص، والعمل بما يقتضيه فهمه للنص لتحقيق مقصد الشارع من تشريعه له، وتجنب المفاسد التي قد يؤول إليها عند استخدامه بطرق خبيثة من قبل بعض المكلفين.

هذا ولم يخرج العلماء المعاصرون ممن كتب في حكم البيعتين في بيعة عما ذكره العلماء السابقون من تفسيرات فذهب نزيه حماد وياسين درادكة ومحمد عقلة إبراهيم إلى أن علة التحريم هي الجهالة والربا، وذهب علي القره داغي إلى أن العلة هي الجهالة، وذهب يوسف القرضاوي إلى أن علة التحريم هي العينة وهي صورة من صور الربا.

ويرى الدكتور حمد فخري: أن نص الحديث يحتمل جميع التفسيرات السابقة - لأن النص جاء عاماً وليس محصوراً في سبب محدد، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ويمكن وضع ضابط لجميع الصور السابقة مما يندرج تحت النهي عن بيعتين في بيعة وهو: أن هذا الاجتماع إذا أدى إلى مآل ممنوع فإن هذا الاجتماع محرم شرعاً، فإن اتخذ العاقدان اجتماع العقود في عقد واحد كوسيلة للوصول إلى الربا، أو الغرر، أو الاستغلال، أو غير ذلك من المآلات الممنوعة فإن هذا الاجتماع محظور شرعاً سداً لذريعة الفساد التي آلت إليها تلك العقود مجتمعة، سواء أكان اتخاذ الاجتماع للوصول إلى المحظور مقصوداً أم غير مقصود.

أما إذا لم يؤد هذا الاجتماع إلى مآل فاسد، فإن هذا الاجتماع يبقى على أصل الإباحة، ولأن هذه العقود جائزة حال الانفراد فتبقى مشروعة حال الاجتماع، ما لم يؤدِ هذا الاجتماع إلى مآل ممنوع.

ويمكن الاستدلال لهذا الرأي بما يأتي:

1. أخرج الحاكم في مستدركه على الصحيحين وأحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عتاب بن أسيد إلى أهل مكة وقال: " أخبرهم أنه لا يجوز بيعان في بيع، ولا بيع ما لا يملك، ولا سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، فالجمع بين هذه المنهيات في حديث واحد يدل على أن النهي في كل منها لمعنى مختلف عن الآخر، لذا لا يصح تفسير حديث بيعتين في بيعة بنفس تفسير بيع ما لا يملك، أو تفسيره بأنه سلف وبيع، وبأنه شرطان في بيع كما ورد في التفسيرات السالفة الذكر.

كمـا أن الرسـول صلى الله عليه واله سلم جمـع في هـذا الحديث معاملات فيها معانٍ مشتركة، أما المعنى المشترك الأول: فهو أن هذه العقود كلها تشتمل على أكثر من عقد في عقد واحد، والمعنى المشترك الثاني: أن هذه العقود كلها تؤول إلى محظورات شرعية كالاستغلال، والضرر، والربا، أما المعنى المشترك الثالث: هو أنها مشتركة في الحكم وهذا الحظر.

فإن قيل: إن تشابهت المعاني في النهي فهو من باب التأكيد عليه، أقول: إن حمل المعنى على تأسيس معنى جديد أولى من حمله على التأكيد، قال ابن نجيم: "التأسيس خير من التأكيد، فإذا دار اللفظ بينهما تعين الحمل على التأسيس.

لذا فالأصل عدم تفسير بيعتين في بيعة بمثل المعاني الواردة في الحديث، لأنه ينطوي على معنى مختلف هو النهي عن اجتماع العقود الفاسدة المآل.

2. لأن الأصل في العقود الإباحة ، فالأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منها إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصاً أو قياساً، وهذا يدل على أن حديث النهي عن بيعتين في بيعة لا يفهم على ظاهره، لأن الأصل في المعاملات الإباحة فبقي أصل اجتماع العقود على الإباحة ما لم يؤد هذا الاجتماع إلى مآل ممنوع.

3. الأخذ بمبدأ النظر في مآلات الأفعال، وهو أمر مقصود شرعاً حتى لا يترتب على الفعل محظور شرعي، فإن الفعل قد يكون في ظاهره مشروعا، ولكنه يؤول إلى مفسدة، قال الشاطبي: (النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم في فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد النظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ).

وهذا يدل على أن الشرع يعتبر في الأعمال أمرين: الوسيلة المتخذة في العمل، والغاية المقصودة من العمل، ولا يكون الفعـل مشروعاً إلا بمشروعية كل منهمـا، فالوسيلة والغاية في العمل الواحد مقصودان شرعاً.

ولما كان الأصل جواز اجتماع العقود في صفقة واحدة، وجب النظر فيما يؤول إليه هذا الاجتماع من آثار فإن كانت الآثار المترتبة على الاجتماع مشروعة بقي الاجتماع على أصل الإباحة، ولكن إذا آل اجتماع العقود إلى مآل ممنوع كالربا، والغرر، وغير ذلك كان هذا الاجتماع محظوراً سداً لذريعة الفساد، وهو ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه واله وسلم في بيعتين في بيعة.

هذا ولا بد من التنويه هنا إلى أن المعاملة التي تقوم على الجمع بين العقود والتي تؤول إلى مفسدة هي معاملة محرمة، سواء أكان المكلف قاصداً لهذا المآل المحظور أم غير قاصد له؛ لوقوع علة التحريم والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

4. ولأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني بحسب القاعدة الفقهية (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني) ، فإذا قصد العاقدان من اجتماع العقود التوصل إلى عقد آخر محظور شرعاً، فإن هذا الاجتماع بهذا القصد فاسدٌ؛ لأن العبرة بالعقد الذي قصده العاقدان، ولا عبرة بظاهر العقود التي أجراها كل منهما، فمثلا بيع العينة بيع وشراء في ظاهره، فالمشتري يشتري المبيع في الظاهر بثمن مؤجل، ثم يبيعه لنفس البائع بثمن حال وأقل من الثمن الذي اشترى به، ولكن العقد المقصود هو القرض الربوي، ويدل على هذا المعنى منع ابن عباس وعائشة- رضي الله عنهما- هذا النوع من البيوع.

ووجه الربا هنا أن مقصود العاقدين هو القرض الربوي، فقد استدان أحد العاقدين- المشتري- من العاقد الآخر- البائع- مبلغاً من المال وسيرده للمقرض بعد حين مع زيادة، وهو ربا الفضل، أما البيع والشراء الذي تم بين العاقدين فغير مقصود ابتداءً، ويدل على ذلك أن المشتري اشترى السلعة، ثم باعها لنفس البائع وفي الوقت نفسه، وهذا يدل على أن قصده شراء السلعة وحاجته إليها غير متوفرين، مما يدل على أن البيع غير مقصود لكلا العاقدين.

5. لأن المعاملات في الفقه الإسلامي مبنية على العلل والمصالح، والشرع أباح المعاملات التي تحقق للناس مصالحهم، ونهى عن المعاملات التي تؤدي إلى الظلم أو المنازعة بين الناس، قال الشاطبي: (وأما أن الأصل في العادات الإلتفات إلى المعاني فلأمور: أولها الإستقراء، فإنا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يمتنع في حال لا تكون فيه مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز، كالدراهم بالدراهم إلى أجل يمتنع في المبايعة، ويجوز في القرض)، فالقرض في المثال السابق عقد تبرع يقصد منه حصول الثواب الأخروي، بينما عقد الصرف عقد معاوضة يقصد به حصول العِوَض.

وعليه فإن كان اجتماع أكثر من عقد في عقد واحد يحقق مصالح العباد دون أن يترتب عليه مفاسد عظيمة كان مشروعاً، وإن اشتملت هذه العقود المجتمعة على علل حرمها الشرع في المعاملات المالية، وترتب عليها مفاسد عظيمة كالاستغلال والربا والغرر منع هذا الاجتماع.

6. إن الناظر في تعليل الفقهاء للنهي عن بيعتين في بيعة بحسب تفسيراتهم السابقة يجد أنهم لا يحصرون علة النهي في أمر واحد فتجدهم يعللون النهي في الحديث بالغرر تارةً، وبالربا تارةً أخرى، أو بأنه بيع وشرط وغير ذلك، وهذا ما يؤيد ما ذهب إليه الدكتور حمد فخري بأن العبرة في النهي عن المآل الممنوع أياً كان نوعه.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا حديث وهي النبي عن بيعتين في بيعة لا يفهم على ظاهره بأن مجرد التخيير في البيع بين الدفع بالثمن الحال أو بالثمن المؤجل هو تفسير بيعتين في بيعة، فالتخيير بذاته ليس علة لفساد العقد.

وقد أجاز ابن المسيب والزهري وقتادة هذا التخيير بشرط اتفاق العاقدين على بيع محدد، وبثمن محدد، وبأجل محدد، قال ابن المسيب: (لا بأس بأن يقول: أبيعك هذا الثوب بعشر إلى شهر، أو بعشرين إلى شهرين، فباعه على أحدهما قبل أن يفارقه فلا بأس)، كما أجمعت المذاهب الأربعة- كما مر في التفسير الأول للحديث- على أن البائع إن خير المشتري بين سلعتين أو ثمنين ثم اتفق العاقدان على البيع والثمن والأجل فالبيع صحيح.

ولأن لفظ البيعتين والبيعة في الحديث يقتضي انعقاد البيع بارتباط الإيجاب بالقبول كسائر العقود، وهذا التفسير لا يدخل في مفهوم البيع، لأنه مجرد إيجاب من البائع، والإيجاب وحده ليس عقداً، ولا يسمى بيعاً.

أما القول بأن الحديث ورد في مسألة بعينها وهي بيع القفيز الذي في ذمة البائع بقفيزين إلى شهرين فغير صحيح، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

أما قول المالكية بحرمة اجتماع العقود المتناقضة من حيث الأثر فصحيح لعدم إمكانية الجمع بينهما، فلا يمكن جمع المتناقضات في عقد واحد، فلو أجر المؤجر عيناً للمستأجر على أن الأجرة المدفوعة للانتفاع بالعين تعد في نفس الوقت أقساطاً في بيع تقسيط لشراء المستأجر للعين بعد انتهائه من تسديد الأقساط لا يصح العقد.

فالمدفوع للمؤجر هنا إما أن يكون أجرة في عقد إجارة، أو قسطاً من الثمن في بيع تقسيط، ولا يمكن أن نجمع في المقبوض بين الأجرة والثمن في آن واحد، كما أن عقد الإجارة لا يترتب عليه تمليك المستأجر للعين المستأجرة.

ولكن قول المالكية هذا يجب أن لا يؤخذ على إطلاقه، فالأمثلة التي ضربها المالكية على التناقض ليس فيها تعارض حقيقي من حيث الأثر، فلا مانع من اجتماع البيع والنكاح في عقد واحد، لأن آثار كل منهما لا تتناقض مع الآخر، فيترتب على عقد البيع انتقال ملكية المبيع إلى المشتري، وانتقال ملكية الثمن إلى البائع، ويترتب على عقد النكاح حل الاستمتاع بين الزوجين، ولا تعارض بينهما، ولو وقعت فرقة بين الزوجين بعد ذلك فإن البيع لا ينفسخ؛ لأنه ملكٌ على الأعيان متى ثبت بأحد أسبابه فإنه يثبت على التأبيد، فالعبرة ليست باختلاف أحكام العقود، ولكن العبرة بتناقض الآثار الناجمة عن الاجتماع كما في مثال البيع والإجارة.

هذا ولا يوجد في فقه المعاملات عقدان متطابقان تماماً من حيث الأحكام فلا بد من اختلاف أحكام العقود، لاختلاف طبيعتها ومحلها، ومقاصدها، ألا ترى أن المالكية، أجازوا الجمع بين الإجارة والبيع مع اختلاف أحكامهما، فمحل عقد البيع الأعيان بينما محل عقد الإجارة المنافع، كما أن البيع يقتضي تأبيد الملك، في حين أن الإجارة تقتضي تحديد مدة تمليك المنافع للمستأجر في إجارة الأعيان.

وقد يعترض البعض على الأخذ بمجموع التفسيرات الواردة في تفسير حديث النهي عن بيعتين في بيعة وقد ورد في روايات الحديث الربط بين النهي والربا، أقول: ورد حديث النهي عن بيعتين في بيعة بروايات عديدة، جاء النهي في بعضها مطلقاً بزيادة (فله أوكسهما أو الربا)، وجاء النهي في البعض الآخر خالياً من هذه الزيادة، والذي يبدو لي أن هذه الروايات وردت في أكثر من حادثة، فبعض هذه الحوادث آل إلى الربا فنهى صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة لما ترتب عليها من الربا، وفي بعض الأحوال آل إلى مفاسد أخرى غير الربا، فجاء النهي عن بيعتين في بيعة مطلقاً.

ومما يدل على صحة هذا الكلام أن الروايات التي ورد فيها النهي عن بيعتين في بيعة جاءت كثيرة من جهة، وعن عدد من الصحابة كعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وغيرهم، مما يدل على اختلاف الوقائع التي نهى فيها الرسول عليه الصلاة والسلام عن بيعتين في بيعة. (حكم اجتماع العقود في صفقةٍ واحدة،ا.د. حمد فخري عزام ،كلية الشريعة، جامعة مؤتة الاردن ، مجلة جامعة مؤتة ، ص٢٧).

الوجه الثامن: بعض حالات الإجتماع المشروع للعقود في المصارف الاسلامية في الوقت المعاصر:

سبق القول السابق بجواز الجمع بين العقود المعااصرة التي تشتمل في ثناياها على أكثر من عقد أو تصرف، والتي تحقق مصالح العباد دون أن يترتب عليها محظورات شرعية.

ومن امثلة العقود التي يتم الجمع المشروع بينها في العصر الحاضر، مع الإشارة إلى أن العرض هنا مقتصر على بيان انطباق هذا الحديث على المعاملات المستحدثة دون الخوض في تفصيل أحكام هذه المعاملات:

 اولا: الحوالة الخارجية:

وهي عبارة عن نقل النقود من مصرف محلي إلى مصرف آخر خارج البلاد، والتكييف الفقهي لها أنها وكالة بأجرة وصرف، فالعميل يوكل المصرف المحلي بنقل النقود إلى مصرف خارجي، ويأخذ المصرف المحلي أجرة مقابل النقل، كما أن المصرف المحلي يقوم ببيع العملة المحلية وشراء عملة الدولة التي سيرسل النقود إليها، أو عملة مقبولة للتعامل عالمياً، فمجموع ما يقوم به المصرف المحلي يسمى حوالة خارجية.

ثانيا:خطاب الضمان:

 وهو أن يكفل المصرف عميله في مواجهة الغير بخطاب يرسله إليه، أو بعقد مستقل، أو أن يوقع كضامن احتياطي على ورقة تجارية، والتكييف الفقهي لخطاب الضمان أنه وكالة وكفالة، فالمصرف وكيل في الجزء المغطى من خطاب الضمان، وكفيل في الجزء غير المغطى منه.

ثالثا :بيع المرابحة للآمر بالشراء:

 وهو قيام المصرف بتنفيذ طلب المتعاقد معه على أساس شراء ما يطلبه العميل بالنقد الذي يدفعه المصرف كلياً أو جزئياً وذلك في مقابل التزام العميل الآمر بالشراء بشراء ما أمر به حسب الربح المتفق عليه عند الابتداء.

ويتضمن عقد المرابحة للآمر بالشراء العقود والتصرفات الآتية:

1. وعداً ملزماً من المشتري للمصرف بشراء السلعة عندما يشتريها المصرف من البائع.

2. شراء المصرف للسلعة من البائع.

3. بيع المصرف للسلعة للآمر بالشراء مرابحة.

رابعا: الإجارة المنتهية بالتمليك:

 وهي عقد بين طرفين يؤجر فيه أحدهما للآخر شيئاً بمبلغ معين من المال لمدة معينة، على أن تؤول ملكية الشيء المستأجر (بفتح الجيم) إلى المستأجر (بكسر الجيم) في نهاية المدة المتفق عليها.

ويتضمن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك العقود الآتية:

1. شراء الطرف الأول السلعة من السوق من أجل تأجيرها للطرف الثاني.

2. عقد إجارة بين الطرف الأول والطرف الثاني بعد شراء السلعة.

3. تمليك السلعة بعد انتهاء عقد الإجارة للطرف الثاني بيعاً أو هبةٍ.

الوجه التاسع: بعض حالات الإجتماع غير المشروع للعقود في الوقت المعاصر:

هناك معاملات مالية معاصرة يتخذ فيها الاجتماع كوسيلة للوصول إلى محظور شرعي فهي معاملات محرمة، وهذه بعض الأمثلة على هذا النوع من المعاملات:

أولا: بيع العينة:

هذا النوع من البيوع قديم حديث، فلا زال بعض الناس يستخدم هذا النوع من البيوع حتى في العقود المعاصرة ، سيما عقد المرابحة للآمر بالشراء، وذلك بأن يتفق الآمر بالشراء مع البائع مسبقاً على أنه بعد استلام مندوب المصرف للسلعة، وتسليمها للآمر بالشراء وتوقيع عقد المرابحة يقوم البائع بإعطاء الثمن للآمر بالشراء واسترداد السلعة دون أن يكون هناك بيع حقيقي، فيؤول هذا العقد إلى قرض ربوي.

ثانيا: بعض الشروط الجزائية في العقود:

الشرط الجزائي: هو اتفاق المتعاقدين المسبق على التعويض، أو اشتراط الدائن على المدين دفع غرامة، أو بإصدار القاضي حكماً بتعويض الدائن نقداً أو عيناً إذا تأخر المدين عن سداد دينه في الوقت المحدد.

فإذا كان العقد قرضاً، واشترط الدائن على المدين حالة تأخيره عن سداد دينه قيام المدين بعمل دون مقابل، أو بإجارة عقار المدين، أو بيع المدين عقاره للدائن، فهي شروط محرمة لأنها تؤول إلى صفقتين في صفقة، ويترتب على هذا الاجتماع محظورات شرعية.

ففي اشتراط الدائن على المدين القيام بعمل زائد حالة تأخير سداد الدين هو صورة من صور الربا بحسب القاعدة كل قرض جر نفعاً فهو حرام، وفي حالة اشتراط البيع، أو الإجارة حالة تأخير السداد هو نوع من الاستغلال غير المشروع.

فالناظر في الصورتين السابقتين يجد أن الشرط الجزائي أدى حالة التأخير في سداد الدين إلى اجتماع أكثر من عقد في صفقة واحدة، وقد آل هذا الاجتماع إلى الربا والاستغلال وهما مآلان ممنوعان شرعاً). حكم اجتماع العقود في صفقةٍ واحدة ، أ. د. حمد فخري عزام، كلية الشريعة، جامعة مؤتة الاردن مجلة جامعة مؤتة ، ص٣١)، والله اعلم.

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.