محددات تكييف المحكمة للمحرر محل النزاع

محددات تكييف المحكمة للمحرر محل النزاع

التكييف القانوني للمحرر من إختصاص القاضي الذي ينظر النزاع ، فلايتقيد القاضي في تكييفه بالمسمى المذكور في المحرر أو بالاوصاف التي يطلقها الخصوم على المحرر.

والتكييف القانوني للمحرر هو: إعطاء المحرر الوصف القانوني الصحيح من خلال ربط الوقائع الواردة في المحرر بالنصوص الشرعية والقانونية المنظمة لتلك الوقائع، حتى تتمكن المحكمة من تحديد الاسم الصحيح للمحرر بحسب ماورد في المحرر وبحسب ماورد في النصوص الشرعية والقانونية .

 فمن خلال هذه العملية الفنية يتم تحديد اسم المحرر ونوعه عرفي أم رسمي، وكذا تحديد الاسم القانوني الصحيح للمحرر (حكم تحكيم/ صلح/ بيع/ هبة/...إلخ) ، وكذا تحديد الاحكام الشرعية والقانونية المنظمة للتصرف الوارد في المحرر وتحديد الآثار القانونية المترتبة على ذلك التصرف.

 وتكييف المحرر عملية قانونية دقيقة وخطيرة يتأسس عليها حكم القاضي سيما إذا كان محل الخلاف بين الخصوم هو المحرر المطلوب تكييفه، ويترتب على الخطأ في تكييف المحرر الخطأ في الحكم القضائي ذاته.

 وليس خافياً أن غالبية حالات بطلان الاحكام ترجع بصورة أو أخرى إلى الخطأ في التكييف القانوني، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 22/1/2011م في الطعن رقم (43368)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث ان المحكمة هي التي تستقل بأمر إنزال التكييف القانوني الصحيح للمحرر دون أن يحول بينها وبين ذلك ما قد يضفيه عليه الخصوم من أوصاف أو مصطلحات، مستهدية في ذلك بما تستخلصه من الإرادة المشتركة لأطراف المحرر عن الوسيلة التي اختاروها للفصل في النزاع وما إذا كانت الوسيلة حكماً صادراً عن محكم او صلحاً لحسم الخلاف بين الطرفين الموقع عليه بتوقيعاتهم، ومن خلال ذلك تتوصل المحكمة إلى التكييف السليم من خلال ما سبق أو أن تستفصل الخصوم بشان المحرر ومن ثم تعمل نصوص قانون التحكيم خاصة المادتين (46 و 53). )، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: ماهية المحرر المطلوب تكييفه:

هو المحرر الذي تمسك به الخصوم أمام المحكمة أو اقروا بصحته لكنهم اختلفوا بشان تكييفه، والمحررات هي وسيلة الإثبات الكتابي للأفعال والتصرفات والوقائع كافة، ومع أن مرتبة الكتابة في الإثبات في القانون متأخرة عن الشهادة والإقرار الشفهي إلا ان الكتابة صارت في الوقت الحاضر هي وسيلة الإثبات الرئيسية، فقد صارت هذه الوسيلة هي الوسيلة المعتمدة في الدوائر الحكومية ولدى الأشخاص الطبيعيين والإعتباريين، ولذلك فقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى إستعمال الكتابة في إثبات العقود والتصرفات والإلتزامات قال تعالى {يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فأكتبوه}.

وعلى هذا الأساس فقد صارت الكتابة في المحررات أو الوثائق أو المستندات هي الوسيلة الأولى في الوقت المعاصر لإثبات العقود والتصرفات والوقائع كافة.

ونتيجة لقلة التوعية الشرعية والقانونية في اليمن وعدم قدرة غالبية الناس على الحصول على الإستشارات الشرعية والقانونية المناسبة، يقع الخطأ في تسمية عنوان المحرر أو اسم المحرر، فيطلق على المحرر مسمى تنازل وهو بيع او مسمى طلاق وهو خلع أو مسمى حكم تحكيم وهو صلح وهكذا.

ولذلك فإن غالبية الخلافات والنزاعات في اليمن يكون من أسبابها سوء صياغة العقود والمحررات وعدم إستعمال التسميات الشرعية والقانونية للعقود والتصرفات والوقائع ، وعدم إستيعاب المحرر للأحكام الشرعية والقانونية المتعلقة بالواقعة أو التصرف بسبب عدم رجوع كاتب المحرر الى النصوص الشرعية والقانونية عند صياغة المحرر إضافة إلى عدم إستيعاب كاتب المحرر المحرر لإرادة أطراف المحرر أو الواقعة أو التصرف او عدم قدرة الكاتب على إستيعاب أو فهم إرادة أطراف المحرر او الواقعة بسبب تفشي ظاهرة العمل بنماذج العقود الجاهزة التي لا تراعي إختلاف شروط بعض المتعاقدين . (مهارات الصياغة القانونية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2015م، صـ40).

الوجه الثاني: ماهية التكييف القانوني للمحرر:

التكييف القانوني للمحرر هو معرفة التسمية الشرعية والقانونية الصحيحة للواقعة أو التصرف المذكور في المحرر محل الخلاف، وفي ضوء ذلك تطبيق الحكم الشرعي والقانوني على التصرف أو الواقعة الواردة في المحرر محل الخلاف، وتحديد الآثار الشرعية والقانونية المترتبة على التصرف بعد معرفة تسميته وأحكامه في الشرع والقانون. (الفقه المقارن مع مسائل فقهية معاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2015م، صـ75).

الوجه الثالث: التسميات الشرعية والقانونية للأفعال والتصرفات والوقائع:

أصطلح الفقه الإسلامي منذ عصر التنزيل على إطلاق تسميات معينة ومحددة ومنضبطة على كل الأفعال والعقود والتصرفات والوقائع، فلكل فعل أو واقعة أو تصرف له في الفقه الاسلامي اسم أو مصطلح فقهي معين يميزه عن غيره من الأفعال والتصرفات الأخرى.

 فكل كتب الفقه الإسلامي تبدأ بذكر تعريف الشئ في اللغة والاصطلاح الفقهي، ومن ناحية أخرى فإن الفقه الإسلامي يقرر لكل فعل أو تصرف أو واقعة أحكاماً وآثاراً خاصة بكل فعل وتصرف.

كذلك الحال عند شراح القوانين الوضعية الذي يتولون تسمية الأفعال والتصرفات والوقائع التي تنظمها القوانين المختلفة والتي قد لاتحدد اسماء للافعال أو التصرفات الواردة في النصوص القانونية ، عدا بعض القوانين اليمنية التي تتضمن تسمية للوقائع والتصرفات الواردة في نصوص القانون مثل القانون التجاري وقانون الجرائم والعقوبات وغيرها.

 بيد أن غالبية القوانين اليمنية لا تتضمن نصوصها المنظمة للأفعال والتصرفات لاتتضمن عناوين أو تسميات للتصرفات أو الوقائع الواردة في تلك النصوص، إذ نكتفي هذه القوانين بذكر معاني بعض المصطلحات القانونية الواردة في القانون، وذلك في بداية القانون، وهنا ياتي دور رجال القانون في إستنباط التسميات القانونية للوقائع والتصرفات الواردة في النصوص القانونية.

ولذلك فإن المصطلحات الفقهية أكثر تحديداً ودقة وضبطاً من المصطلحات القانونية.

وبناءً على ما تقدم فإن التكييف الشرعي والقانوني للمحرر يعتمد على التسميات الشرعية والقانونية للعقود والتصرفات والوقائع حسبما وردت في كتب الفقه او النصوص القانونية المختلفة مع تطبيق الاحكام والآثار الشرعية والقانونية المقررة في النصوص الشرعية والقانونية لتلك التسميات. (الفقه المقارن، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2015م، صـ51).

الوجه الرابع: مراحل التكييف القانوني للمحرر من قبل القاضي:

يتبع القاضي عدة مراحل في عملية تكييف المحرر من أهمها ما يأتي:

1- تحليل اسم المحرر والتاكد من مطابقة الاسم لمضمون المحرر: فإذا كان الاسم مطابقا للمضمون فلايحتاج المحرر الى تكييف ، أما إذا لم يكن المحرر كذلك فأن القاضي يناقش أطراف المحرر لمعرفة التصرف الذي أرادوا إثباته في المحرر للتأكد مما إذا كان اسم المحرر يتفق مع الإرادة المشتركة لأطراف المحرر، فإذا ثبت لدى القاضي ان اسم المحرر يتفق مع الإرادة المشتركة لأطراف المحرر فإن القاضي يقوم بتطبيق النصوص الشرعية والقانونية ذات الصلة باسم التصرف الذي اتفق عليه الخصوم بالإضافة إلى ما ورد في المحرر، لأن اسم المحرر إذا اتفق عليه أطراف يكون ملزما للقاضي في تطبيق احكام التصرف الذي اتفق الخصوم على اسمه بحسب التصرف أو الواقعة الواردة والالتزامات المقررة في المحرر وفي ضوء نصوص الشرع والقانون.

2- تحليل مضمون المحرر: وهو عبارة عن فهم القاضي للوقائع او التصرفات الواردة في المحرر ، وما تحيط بإنشاء المحرر من ظروف، ويفهم القاضي ذلك عن طريق إستجواب الخصوم أطراف المحرر ، ومن خلال سؤال القاضي للكاتب الذي تولى كتابة المحرر.

3- تحديد طبيعة المحرر: ومعنى ذلك ان يتحقق القاضي مما إذا كان المحرر رسمياً ام عرفياً ،والوقوف على طبيعة التعامل بين اطراف المحرر سواء أكان هذا التعامل سابقا ام لاحقا لتاريخ إنشاء المحرر.

4- تطبيق النصوص الشرعية والقانونية على الوقائع المذكورة في المحرر، بعد معرفة التسمية الشرعية والقانونية الصحيحة للفعل أو التصرف الوارد في المحرر فان القاضي يقوم بتطبيق النصوص الشرعية والقانونية حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

5- تحديد الإلتزامات المترتبة على أطراف المحرر في ضوء ما ورد في المحرر والنصوص الشرعية والقانونية.

6- تحديد الآثار القانونية المترتبة على ماورد في المحرر، ويتم تحديد الآثار القانونية للواقعة أو التصرف المذكور في المحرر في ضوء ما ورد في المحرر، وفي ضوء ما ورد في النصوص الشرعية وشروحها وما ورد في النصوص القانونية وشروحها، وفي ضوء ما يظهر للقاضي من إستجواب الخصوم أطراف المحرر وايضاحاتهم في هذا الشأن. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل المحررات، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، صـ175)، والله اعلم.

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.