عدم تنفيذ الصلح لا يبطله

الصلح عقد لازم وملزم لاطرافه وحاسم للنزاع ،وفقا للمادة (٦٦٨) من القانون المدني اليمني الذي صرح بأن عقد الصلح حاسم للنزاع وأنه يجب على المتصالحين تنفيذه، وان عقد الصلح يحسم الطلبات و الإدعاءات السابقة على إبرامه، وان المحكمة إذا كانت قد صادقت على عقد الصلح فإن الصلح يصير سندا تنفيذياً مثله في ذلك مثل الحكم الذي يصير سنداً تنفيذياً.

وفي كل الأحوال لا يجوز لأيٍ من المتصالحين المطالبة بإبطال الصلح لعدم قيام الطرف الآخر بتنفيذ بند أو بنود من عقد الصلح ، وإنما يحق له مطالبة القضاء بإلزام الخصم الممتنع بتنفيذ إلتزاماته المقررة في عقد الصلح، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 23-3-2011م في الطعن رقم (42805)، فقد كان الطاعن يطالب امام محكمتي الموضوع بإبطال عقد الصلح الذي كان ينص على أن المؤسسة تكون كاملة لخصمه وإنهاء شراكة الطاعن فيها مقابل أن يدفع المطعون ضده قيمة حصة الطاعن في المؤسسة التي تم تحديدها بمبلغ معين في عقد الصلح، وبالفعل قام الطاعن بتنفيذ إلتزامه بالتنازل عن حصته في المؤسسة إلا ان الطاعن ادعى أن المطعون ضده لم يقم بتنفيذ إلتزامه ، فلم ينفذ المطعون ضده الشرط الجزائي المذكور في عقد الصلح، إلا أن الحكم الاستئنافي قضى بأن المؤسسة قد صارت ملكاً خالصاً للمطعون ضده بموجب عقد الصلح ، وقضى الحكم الإستئنافي بإلزام المطعون ضده بتنفيذ إلتزاماته المقررة في عقد الصلح، وقد أقرت الدائرة التجارية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة: أن الطاعن قد أدعى بالشراكة في المؤسسة ، فقام المطعون ضده بدفع تلك الدعوى بسبق الفصل فيها بالصلح الذي تم تنفيذه ، وبعد ذلك أدعى الطاعن أن المطعون ضده لم يقم بتنفيذ إلتزامه في المواعيد المحددة في عقد الصلح، ثم عدل الطاعن موقفه من الإستمرار في دعواه متخليا عنها إلى التمسك بتنفيذ الشرط الجزائي في مواجهة خصمه مدعياً أن عقد الصلح يعطيه الحق في التحلل من بيعه لحصته في المؤسسة مقابل المبلغ المذكور في عقد الصلح إذا لم يقم المطعون ضده بتنفيذ إلتزاماته بموجب عقد الصلح بما في ذلك الشرط الجزائي المقرر لمصلحة الطاعن ، وعند نظر الدائرة للحكم الاستئنافي المطعون فيه فقد وجدت الدائرة: أن الحكم الاستئنافي لم يخرج عما ورد في عقد الصلح)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: الصلح عقد لازم يجب على طرفيه تنفيذه:

عقد الصلح في الشريعة الإسلامية يحسم النزاع القائم ، ومفاد ذلك أن عقد الصلح يصير نافذاً وملزماً لأطرافه بعد ابرامه أو التوقيع عليه ، فيجب على اطراف العقد تنفيذ بنود العقد بحسب ترتيبها في العقد، فإذا لم يقم أحد أطراف العقد بتنفيذ إلتزاماته العقدية ، فأنه يحق للطرف الآخر أن يطلب من القضاء حمله على تنفيذ إلتزامه المقرر في عقد الصلح.

 ولأن القانون المدني اليمني مستفاد من الفقه الإسلامي فقد ذهب القانون اليمني إلى ما ذهب إليه الفقه الإسلامي، وفي هذا الشأن نصت المادة (668) مدنى على أن: (الصلح عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً أو يتوقيان به نزاعاً محتملاً، وذلك بأن يتنازل كلٍ منهما عن جزء من إدعائه).

 وللتأكيد على نفاذ عقد الصلح وحسمه للنزاع بمجرد إبرامه أو التوقيع عليه وإنقضاء الحقوق والإدعاءات بعد ابرام العقد ، فقد نصت المادة (677) مدنى على أن: (يحسم الصلح المنازعات التي تناولها ويترتب عليه إنقضاء الحقوق والإدعاءات التي تنازل عنها أيٍ من الطرفين تنازلاً نهائياً).

 فهذا النص يفيد نهائية عقد الصلح وأنه لا يجوز للمتصالحين الرجوع إلى حالة النزاع التي كانت قائمة قبل التوقيع على عقد الصلح وإلا لما كان لعقد الصلح فائدة كوسيلة شرعية وقانونية من وسائل حسم النزاع. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الصلح ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، صـ47).

الوجه الثاني: عدم وفاء المتصالح بما ورد في عقد الصلح لا يبرر فسخ عقد الصلح:

سبق القول: أن عقد الصلح عقد نهائي ولازم في الشريعة الإسلامية وحاسم للنزاع طالما توفرت أركان عقد الصلح وشروطه وكانت صحيحة ومستوفية، ولذلك فإن الوسيلة الشرعية والقانونية لمواجهة عدم تنفيذ المصالح لإلتزامه المحدد في عقد الصلح هو المطالبة الودية للمصالح الممتنع بتنفيذ إلتزامه فإن أصر على إمتناعه فينبغي اللجوء إلى القضاء لحمله على تنفيذ إلتزامه، فلا تصح المطالبة بفسخ أو نقض عقد الصلح إلا إذا كان هناك بطلان في أركانه أو شروطه أو تعذر أو استحال تنفيذ المصالح لما إلتزم به في عقد الصلح.

الوجه الثالث: تنفيذ عقد الصلح الذي تتم المصادقة عليه من قبل المحكمة:

نصت المادتان (165 و 328) من قانون المرافعات اليمني على أن عقد الصلح أو إتفاقية الصلح التي تتم المصادقة عليها امام المحكمة تكون سنداً تنفيذياً، أي أن عقد الصلح في هذه الحالة يكون مثل الحكم السند التنفيذي من حيث قابليته للتنفيذ ، فيكون عقد الصلح المصدق عليه من قبل المحكمة قابلا للتنفيذ الإختياري والجبري، وعندئذٍ لا يجوز للخصم الإدعاء ببطلان الصلح في هذه الحالة أو المطالبة بفسخه إذا لم يقم الخصم بتنفيذ إلتزامه المنصوص عليه في عقد الصلح، وإنما يحق للخصم مطالبة القضاء بإجراء التنفيذ الجبري في مواجهة الخصم الممتنع عن تنفيذ إلتزامه، والله اعلم.

تعليقات

عدد الزوار