إشتراك القاضي في نظر قضية سبق له الحكم فيها

من ضمن حالات الإمتناع الوجوبي التي يمتنع على القاضي وجوباً بقوة القانون نظر القضية ما ورد في نهاية الفقرة (7) من المادة (128) من قانون المرافعات اليمني التي نصت على أن يكون القاضي وعضو النيابة ممنوعا من نظر القضية إذا (كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى أو نظرها خبيراً أو محكماً وابدى رأيه فيها أو أدى شهادة فيها قبل عمله بالقضاء أو كان لديه علم خاص بها).

 ومعنى هذا النص أن القاضي إذا كان قد قد سبق له أن نظر القضية في المحكمة الابتدائية وحكم فيها فأنه يمتنع أن يشترك في الشعبة الإستئنافية في نظر إستئناف الحكم الابتدائي ، وأنه في هذه الحالة يتعين على القاضي وجوباً أن يمتنع أو يتنحى عن نظر القضية أمام محكمة الاستئناف، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 29-9-2010م في الطعن رقم (40373)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وبالرجوع إلى حكم المادة (128) مرافعات نجده يقضي بأن يكون القاضي وعضو النيابة العامة ممنوعاً من نظر الدعوى (الخصومة) ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصوم ذلك في الأحوال الآتية: -7- أو كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى...إلخ، وعملاً بموجب ما سبق فإن الحكم الاستئنافي المطعون فيه يعتبر باطلاً عملاً بحكم المادة (128) مرافعات ، مما يستوجب نقض الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى الشعبة التجارية لنظر خصومة الاستئناف مجدداً برئيس جديد للشعبة يتم تكليفه وفقاً للقانون ، وعلى الشعبة بهيئتها الجديدة نظر الخصومة بصفة الإستعجال والفصل فيها وفقاً للقانون في ضوء ما ورد بحكم الإعادة إليها)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

إشتراك القاضي في نظر قضية سبق له الحكم فيها
إشتراك القاضي في نظر قضية سبق له الحكم فيها

الوجه الأول: معنى سبق الفصل في القضية في درجة أدنى:

معنى ذلك أن القاضي إذا كان قد سبق له العمل في المحكمة الابتدائية وأثناء ذلك قام بنظر القضية والحكم فيها أي صدر حكمه فيها ، وبعد ذلك قام المحكوم عليه بإستئناف الحكم أمام الشعبة الاستئنافية المختصة، وتم ترقية القاضي أو نقله للعمل بالشعبة الاستئنافية، وعند ذلك تم عرض ملف إستئناف الحكم الابتدائي على الشعبة التي تم تعيينه فيها، فهذا الأمر يسرب الشك في حياد القاضي في هذه الحالة، ولذلك يجب على القاضي في هذه الحالة أن يمتنع وجوباً عن نظر القضية في مرحلة الاستئناف ولو لم يطلب الخصوم ذلك.

الوجه الثاني: ماهية إمتناع القاضي الوجوبي عن نظر القضية التي سبق له الحكم فيها في درجة أدنى

إذا سبق للقاضي ان حكم في القضية في المحكمة الإبتدائية فانه يمتنع عليه وجوبا أن يشترك مع غيره في الشعبة الإستئنافية في نظر القضية التي سبق له الحكم فيها ،فامتناع القاضي عن نظر الدعوى التي سبق له ان نظرها والحكم فيها هي حالة من حالات الامتناع الوجوبي القانونية المحددة في القانون، وتتحقق هذه الحالة اذا كان قد سبق للقاضي النظر في الدعوى بمعنى عرض عليه موضوع الدعوى فقام بدراستها وفهم محتوياتها وموضوعها وسببها واسانيدها الواقعية والقانونية وطلباتها وسار في اجراءات نظرها واستمع وطالع اقوال الخصوم ومذكراتهم وردودهم ودفوعهم حتى نطق بحكمه في القضية، ففي هذه الحالة يمتنع وجوبا على القاضي الاشتراك مع أعضاء الشعبة في نظر القضية كقاض طعن ؛ غير ان قضاء محكمة النقض المصرية قد استقر على ان سبق قيام القاضي باصدار الاوامر الولائية او القرارات الاجرائية التي لاتمس موضوع الدعوى لايعد سبق نظر في القضية.

 وامتناع القاضي في هذه الحالة وجوبي مقرر على هذا النحو صراحة في قانون المرافعات اليمني ، حيث ان هذا المنع قد ورد في القانون صراحة حسبما هو ظاهر في المادة (128) مرافعات التي نصت على ان (يكون القاضي أو عضو النيابة ممنوعاً من نظر الدعوى (الخصومة)، ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصوم ذلك في الأحوال الآتية: -7- إذا كان قد افتى في الدعوى أو ترافع فيها عن أحد الخصوم أو كتب فيها ولو كان قبل إشتغاله بالقضاء أو كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى أو نظرها خبيراً أو محكماً وابدى رأيه فيها أو أدى شهادة فيها قبل عمله بالقضاء أو كان لديه علم خاص بها)، فمن حالات الإمتناع الوجوبي حسبما ورد في المادة (١٢٨) مرافعات حالة سبق قيام القاضي بنظر القضية والحكم فيها ، فمنع القاضي في هذه الحالة منع قانوني وجوبي مقرر بموجب أحكام القانون، فيجب على القاضي الالتزام بهذا المنع والوقوف عنده والالتزام به ولو لم يطلب منه الخصوم ذلك.

الوجه الثالث: الإمتناع الوجوبي للقاضي من نظر القضية إذا كان قد سبق له نظرها وفقاً للفقرة (7) من المادة (128) من قانون المرافعات اليمني:

نصت الفقرة (7 ) من المادة (128) مرافعات على إنه (يكون القاضي أو عضو النيابة ممنوعاً من نظر الدعوى (الخصومة)، ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصوم ذلك في الأحوال الآتية: -7- إذا كان قد افتى في الدعوى أو ترافع فيها عن أحد الخصوم أو كتب فيها ولو كان قبل إشتغاله بالقضاء أو كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى أو نظرها خبيراً أو محكماً وابدى رأيه فيها أو أدى شهادة فيها قبل عمله بالقضاء أو كان لديه علم خاص بها).

 ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر أن المنع الوجوبي يتناول سبق قيام القاضي بالنظر في الدعوى وقيامه بالحكم فيها ، فإذا قام القاضي بذلك امتنع عليه الاشتراك في نظر الدعوى بعد ذلك امام الدرجة الاعلى.

 الوجه الرابع: العلة من الإمتناع الوجوبي للقاضي من نظر القضية إذا كان قد سبق له نظرها والحكم فيها في درجة أدنى:

 يستند هذا المنع إلى اعتبارات كثيرة اهمها المحافظة على حياد القاضي وإستقلاليته وعدالته ، فعندما يسبق للقاضي النظر في قضية معينة تتولد لديه قناعات ومواقف وأفكار مسبقة كما تتوفر لديه بيانات ومعلومات عن موضوع تلك القضية والخصوم فيها، ولذلك فعندما يقوم بالنظر في القضية ذاتها والحكم مرة اخرى فأن تلك القناعات والافكار والمعلومات والمواقف المسبقة عن القضية تؤثر على القاضي ، فينظر في القضية من جديد وهو تحت طائلة تلك المواقف والقناعات المسبقة الامر الذي يجعل نظره فيه من جديد نوعاً من اللغو والعبث ممايؤدي الى تعطيل العلة من تشريع الطعن في الأحكام ، إضافة إلى انه من الواجب على القاضي ان يبني قناعاته بشأن القضية على المذكرات والمرافعات التي يتم تقديمها اليه في اثناء نظره القضية أو تلك الموجودة في ملف القضية ، فلاينبغي أن يبني القاضي قناعته القضائية على ماوقف عليه اثناء نظره للقضية في المرة السابقة ، ولاريب ان المواقف والقناعات المسبقة للقاضي تؤثر سلباً في الحكم الذي يصدره القاضي في القضية أثناء الطعن في الحكم، لان القاضي في هذه الحالة يحكم بعلمه ومعلوماته السابقة عن القضية، فلا يخرج في حكمه عما سبق له الحكم به في حكمه السابق، علاوة على ان الخصوم تنتابهم المخاوف والشكوك من ان القاضي في حكمه الجديد لن يخرج عن حكمه السابق، ولذلك فلا جدوى ولا فائدة من قيام القاضي بنظر القضية من جديد وبناءً على ذلك فلا فائدة ولا جدوى من اجراءات الطعن والتقاضي أمام محكمة الطعن؛ (موانع القضاء ؛ د. حامد الشريف؛ ص262).

 فتتولد لدى القاضي حينما ينظر في الدعوى ويفصل فيها في درجة ادنى تتولد لديه قناعات مسبقة من خلال تداعي الخصوم امامه عند نظره للدعوى وحكمه فيها، اذ يصدر القاضي حكمه لصالح من يرى انه المحق وفقا لاوراق الدعوى التي نظرها، كما يتولد لدى القاضي علم مسبق بتفاصيلها وأدلة الخصوم ومواقفهم من حيث القوة والضعف والمحق والمبطل منهما، وكل ذلك يؤدي إلى وجود العلم الشخصي لدى القاضي بالمحق والمبطل في الدعوى ، علاوة على أن القاضي عندما يسبق له نظر القضية والفصل فيها في درجة ادنى تترسخ لديه مواقف معينة إزاء أدلة الخصوم وطلباتهم ، وبسبب ذلك يكون القاضي في محكمة الطعن في موقف المدافع عن حكمه السابق الذي اصدره في الدرجة الادنى ، فيعمد القاضي من حيث يدري أو من حيث لا يدري يعمد إلى الدفاع المستميت عن حكمه الذي سبق له أن اصدره حينما كان قاضياً في درجة أدنى، فعندئذ تتعطل الحكمة والغاية المبتغاة من الطعن في الاحكام ، وتتحصن الاحكام الظالمة. (الطعن بالاستئناف، د. نبيل اسماعيل عمر،ص 71).

الوجه الخامس: إمتناع القاضي عن نظر القضية التي سبق له الحكم فيها من النظام العام:

من خلال مطالعة النص القانوني السابق ذكره وهو نص المادة (128) مرافعات نجد ان امتناع القاضي عن نظر الدعوى التي سبق له نظرها والحكم فيها ، هذا الأمر من النظام العام الذي لا يجوز للقاضي ان يخالفه حتى لو قبل الخصوم ذلك أو لم يعترضوا عليه ، وتترتب على ذلك اثار كثيرة بالإضافة الى عدم جواز مخالفته ، ومن ذلك يجوز للمحكمة ان تتعرض له من تلقاء ذاتها ولو لم يطلب منها الخصوم ذلك كما انه يجوز اثارته في أي مرحلة تكون فيها القضية ولو أمام المحكمة العليا، كما انه يترتب على مخالفة هذا المنع بطلان الحكم، وفي هذا المعنى قضت محكمة النقض المصرية بان (النص في المادتين (146 ، 147) مرافعات وما جرى عليه قضاء هذه المحكمة ان القاضي لا يكون صالحاً لنظر الدعوى اذا كان قد سبق له نظرها قاضياً وإلا كان حكمه فيها باطلاً ، ولما كانت اسباب عدم صلاحية القاضي لنظر الدعوى متعلقة بالنظام العام ويجوز التمسك بها لأول مرة أمام محكمة النقض ، وحيث انه من الثابت ان السيد المستشار..... عضو اليمين في دائرة الاستئناف التي اصدرت الحكم المطعون فيه كان رئيس محكمة الدرجة الأولى التي نظرت القضية امامها، ولما كان الامر كذلك فان السيد المستشار وقد سبق له نظر الدعوى أمام محكمة أول درجة قد اضحى غير صالح لنظر القضية امام محكمة الاستئناف ، ، ويكون الحكم الصادر فيها باطلاً)، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعون الجزء الثالث ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ، ص٤٤٥) ، والله اعلم.

تعليقات

عدد الزوار