⚖️ توجيهات المسئولين المخالفة للعقود

⚖️ توجيهات المسئولين المخالفة للعقود

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

توجيهات المسئولين المخالفة للعقود

العقد ملزم لأطرافه فهو الشريعة التي ينبغي عليهم العمل بموجبها عملاً بقاعدة: العقد شريعة المتعاقدين، ومن آثار العقود ترتيب حقوق وإلتزامات يجب على المتعاقدين الوفاء بها، وهذا المفهوم العام يسري على العقود التي تكون طرفا فيها شركات ومؤسسات الدولة أو وحداتها ، وعلى هذا الأساس فإن توجيهات المسئولين إلى شركات ومؤسسات الدولة بالتنازل عن حقوقها بموجب العقود لا تكون هذه التوجيهات ملزمة، حسبما أشار الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 10-4-2010م في الطعن رقم (37777)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وبإطلاع الدائرة على الأوراق مشتملات الملف تجد: أن الطاعنة تنعي في السبب الأول على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون لعدم مناقشته للمستندات المقدمة من الطاعنة، والدائرة تجد: أن هذا النعي مردود بأن تلك التوجيهات ممن ذكروا فيها الموجهة للبنك الحكومي غير ملزمة له بالتخلي عما تضمنه عقد تمليك الطاعنة المؤرخ....)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: الطبيعة القانونية للوظائف العليا في الدولة

تقوم القيادات العليا في الدولة بأعمال قيادية إشرافية مهمة عامة، ومن هذه الأعمال: مسؤولية إدارة وتنفيذ السياسات العامة للدولة في نطاق المرافق التي يشرف عليها كل مسئول، لضمان إستقرار وتقدم الدولة، وتشمل أعمال القيادات العليا التخطيط الاستراتيجي وإتخاذ القرارات المهمة وتوجيه المؤسسات الحكومية التابعة لها ومتابعتها والرقابة على أدائها لضمان تحقيق الأهداف التنموية، (الوظائف والمناصب العليا من منظور قوانين الوظيفة العمومية، د. بن علي أحمد، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، الجزائر 2013، ص163).

وبحسب هذا المفهوم فإن المسئول في الدولة ملزم بالإشراف والمتابعة لأداء المؤسسات والهيئات الحكومية التي يرأسها أو يمثلها قانوناً، ومقتضى ذلك أن المسئول يهتم في إشرافه على الجهات والهيئات بالمسائل العامة والاستراتيجية وليس المسائل التفصيلية التي ينبغي ترك إدارتها والتعامل معها للمسئولين المختصين الأدنى منه في سلك الوظيفة، فلا يتدخل المسئول الحكومي الأعلى في شئون الجهات التي يشرف عليها في المسائل التفصيلية إلا إذا تضمنت قرارات أو إجراءات الجهات التابعة له أو العقود التي تبرمها مخالفات للقوانين والأنظمة والخطط والبرامج المقرة التي تتولى الجهات التابعة تنفيذها أو اهملت تلك الجهات أو واجباتها أو قامت تلك الجهات بإبرام عقود أو تصرفات مخالفة للقوانين والأنظمة والخطط والبرامج المقرة التي تتولى تلك الجهات التابعة تنفيذها ، فعندئذ يجب على المسئول ان يقوم بإصدار الأوامر والقرارات اللازمة وتوجيهها إلى الهيئات والمؤسسات والوحدات التابعة ويجب على المسئول أيضا متابعة تنفيذ تلك الاوامر والقرارات التي اصدرها. (التعليق على احكام المحكمة العليا في المسائل الإدارية الجزء الثاني، أ.د . عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٢م ، ص١٩١).

الوجه الثاني: التمييز بين القرارات والأوامر والتوجيهات الصادرة من المسئولين

يظهر الفرق بين القرار الإداري والأمر الإداري الصادر من المسئول من خلال النظر فية الى الطبيعة والاثر القانوني لكل من القرار أو الأمر، فالقرار الإداري هو عمل قانوني صادر من جهة إدارية يهدف إلى إحداث أثر قانوني معين سواءً بإنشاء مركز قانوني جديد أو تعديله أو إلغائه، بينما الأمر الإداري هو عبارة عن تعليمات ملزمة تصدر من جهة إدارية أعلى إلى جهة إدارية أدنى لتنفيذ عمل معين أو تحقيق هدف معين، اما التوجيه الإداري فهو: عبارة عن إرشاد وتوجيه إلى الجهات الخاضعة للإشراف للقيام بأعمال أو عدم القيام بها، وغالباً ما يكون التوجيه غير ملزم ، لأنه عبارة عن إرشادات ونصائح لتحسين العمل أو القيام به أو الكف عنه.

ونخلص من هذا الوجه إلى القول: أن القرارات والأوامر ملزمة والتوجيهات غير ملزمة في غالب الأحيان.

الوجه الثالث: الطبيعة القانونية لتوجيهات المسئولين إلى الجهات الخاضعة لإشرافهم

التوجيهات التي تصدر من المسئولين إلى الجهات الخاضعة لإشرافهم ليست على شاكلة واحدة ، فهناك قرارات واوامر ملزمة ملزمة لا تملك هذه الجهات إلا تنفيذها ،ولذلك تتضمن القرارات في نهايتها. (وعلى سائر المختصين تنفيذها) ، فالقرارات والاوامر ملزمة قانونا، وهي من صميم أعمال القيادات العليا في الدولة، والمقصود بالقرارات هنا: القرارات الإدارية التنظيمية أو القرارات بإعتماد خطط وبرامج أو قرارات تعيين الموظفين ، حيث تصدر هذه القرارات بموجب أحكام القانون وبناءً على مقترحات الجهات الخاضعة لإشراف المسئول.

وهناك أوامر تصدر من المسئول الإداري الأعلى وفقاً للقانون بشأن إتخاذ إجراء أو وقف إجراء، فمعنى الأمر الإداري أن المسئول يامر الجهة بالعمل بموجب القانون، ولذلك فأنه يجب حتماً على الجهة الحكومية التابعة أن تقوم بتنفيذ الأمر الصادر لها، لأن الأوامر في هذه الحالة صادرة تنفيذاً لأحكام القانون والنظم واللوائح، وفي هذا السياق يجب على الجهات الخاضعة لإشراف المسئول تنفيذ الأوامر الصادرة من المسئول أو الرئيس الأعلى التي تصدر تنفيذاً للخطط والبرامج المعتمدة أو المقرة.

أما إذا كانت القرارات أو الأوامر الصادرة من المسئول مخالفة للقوانين والأنظمة والخطط والبرامج فأنه ينبغي على المسئولين في الجهات الخاضعة لإشراف المسئول الأعلى أن يبينوا للرئيس الأعلى وجه المخالفة في قراراته وأوامره، ولا يقوموا بتنفيذها إلا إذا أصر على تنفيذها وعندئذٍ يتحمل مسئولية تنفيذها.

وبالإَضافة إلى الأوامر والقرارات فهناك توحيهات قد تصدر من الرئيس الأعلى بشأن بعض المسائل التفصيلية في الجهات الخاضعة لإشرافه، وهذه التوجيهات لا يكون تنفيذها ملزماً للجهات الخاضعة للإشراف، وهذه التوجيهات هي التي أشار إليها الحكم محل تعليقنا.

والمفهوم السائد في اليمن هو أن توجيهات المسئولين تشمل القرارات والأوامر والتوصيات، لانها جميغها صادرة من المسئول وموجهة منه إلى الجهات التابعة له. .(التعليق على احكام المحكمة العليا في المسائل الإدارية الجزء الأول ، أ.د . عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٢م ، ص٢٥٥).

 الوجه الرابع: الوضعية القانونية للعقود التي تبرمها الجهات الحكومية مع الغير

تقوم الجهات الحكومية بإبرام عقود مختلفة مع الأفراد أو الجهات الأخرى وفقاً للإجراءات القانونية والإدارية المنظمة لذلك، وتترتب على تلك العقود حقوق وإلتزامات على الجهات الإدارية، ومقتضى ذلك أنه يجب على الجهة الحكومية الوفاء بإلتزاماتها العقدية وإستيفاء الحقوق المقررة لها بموجب العقد، فإن لم تقم الجهة الإدارية بذلك تكون مسئولة بموجب القانون والعقد ، وعندئذٍ تكون عرضة للمسائلة القانونية بإعتبار العقد في الشرع والقانون ملزماً لأطرافه، وعلى هذا الأساس إذا كانت الجهة الإدارية قد ابرمت العقد مع الغير وفقاً للأحكام والإجراءات القانونية المقررة في هذا الشأن فأن الأمر أو القرار أو التوجيه الصادر لها يكون مخالفاً للقانون ، وعليها عندئذٍ أن تقوم بإبلاغ المسئول الذي اصدر الأمر أو القرار أو التوجيه بوجه المخالفة على النحو السابق بيانه.

اما اذا كان إبرام العقد قد تم بالمخالفة للاحكام والاجراءات القانونية فانه يجب على الجهة تنفيذ الامر أو القرار وتصحيح الاجراءات. (التعليق على احكام المحكمة العليا في المسائل الإدارية الجزء الأول ، أ.د . عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٢م ، ص٢٥٦).

الوجه الخامس: شكل القرار أو الأمر أو التوجيه

من المعلوم أنه لا يشترط أن يكون القرار أو الأمر أو التوجيه بشكل معين وإنما يتم النظر إلى مضمونه فان ورد بصيغة الإلزام وتعلق بتنفيذ أحكام القوانين واللوائح والخطط والبرامج المتبعة الواجب إتباعها في الجهة الخاضعة لإشراف المسئول فإن ذلك يكون قراراً أو أمراً ملزماً ، وإن لم يكن مضمونه كذلك فأنه توجيه، فاغلب الأوامر والقرارات والتوجيهات لا يكون عنوانها (قرار أو أمر) وإنما تتم كتابتها بغير عنوان، والله أعلم.