توقيع غير المحامي على الطعن بالنقض المدني
توقيع غير المحامي على الطعن بالنقض المدني
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين – الأستاذ بكلية الشريعة والقانون، جامعة صنعاء
اشترط قانون الإجراءات الجزائية اليمني صراحة أن يتم إعداد عريضة الطعن بالنقض في الأحكام الجزائية والتوقيع عليها من قبل محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا، أما بالنسبة للطعن بالنقض في الأحكام المدنية والتجارية والشخصية والإدارية فأنه يجوز للمحكوم عليه أن يقوم بنفسه بالتوقيع على عريضة الطعن أو يتولى التوقيع على عريضة الطعن نيابة عنه محاميه المقبول أمام المحكمة العليا، حسبما هو مقرر في المادة (295) من قانون المرافعات اليمني، ومؤدى ذلك أن المادة (295) مرافعات قد حصرت التوقيع على عريضة الطعن بالنقض في الأحكام المدنية في الطاعن المحكوم عليه نفسه او محاميه فقط، وبناءً على ذلك لا يجوز لوكيل الطاعن إذا لم يكن محامياً مقبولا أمام المحكمة العليا أن يقوم بالتوقيع على عريضة الطعن، بيد أن نص المادة (295) مرافعات قد أشارت إلى أن إشتراط توقيع المحامي المقبول أمام المحكمة العليا على عريضة الطعن بالنقص في الحكم المدني موقوف على طلب المحكمة العليا لذلك، بمعنى أنه إذا طلبت المحكمة العليا من الطاعن التوقيع على عريضة الطعن بالنقض من قبل محامي مقبول أمام المحكمة العليا فإن التوقيع على العريضة في هذه الحالة من قبل المحامي واجب ، أما إذا لم تطلب المحكمة العليا ذلك فإن توقيع المحامي لا يكون لازماً في هذه الحالة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 13-4-2010م في الطعن رقم (36693)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث أن المطعون ضده يفيد في بداية رده على عريضة الطعن أن الطعن غير مقبول شكلاً لعدم توقيع الطاعن نفسه على عريضة الطعن بالمخالفة للمادة (295) مرافعات التي تنص على أنه لا يجوز التوقيع على عريضة الطعن إلا من الطاعن أو من محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا، وحيث أنه بإطلاع الدائرة على مرفقات الطعن فقد تبين وجود وكالة من الطاعن الأول للطاعن الثاني تتضمن توكيل الأول للأخير في رفع الطعن أمام المحكمة العليا، وبالعودة إلى نص المادة (295) مرافعات فأن نصها يوجب التوقيع من قبل الطاعن أو من محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا إن طلبت ذلك أي إن طلبت المحكمة العليا ذلك، ولا يوجد مثل هذا الطلب في هذه القضية، وعليه ووفقاً لحكم المادة (279) مرافعات الواردة في القواعد العامة للطعن في الاحكام فأنها قد اجازت أن تكون عريضة الطعن موقعة اما من الطاعن أو من وكيله، الأمر الذي تحقق في هذا الطعن بتوقيع الطاعن الثاني نيابة عن الطاعن الأول بموجب الوكالة الصادرة له المرفقة بالأوراق والموثقة بقلم توثيق المحكمة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: ماهية التوقيع على عريضة الطعن بالنقض في الحكم المدني
نصت الفقرة (ج) من المادة (103) من قانون الإثبات على أن (يكون التوقيع على المحرر إما بالخط أو الختم أو بصمة الأصبع).
والتوقيع بالخط هو كتابة اسم الشخص الرباعي، ويكون التوقيع بالختم عن طريق خاتم يحمل اسم الشخص صاحب التوقيع، ويكون التوقيع ببصمة الأصبع ببصمة إبهام اليد اليسرى، ولم يرد في نص المادة (103) إثبات التوقيع بالإمضاء ، والامضاء عبارة عن علامة أو تأشيرة يضعها الشخص لنفسه حتى لا يتم تقليدها، ومع ان النص السابق لم يذكر التوقيع بالإمضاء اي العلامة (الخربشة ) إلا انه من الشائع في اليمن هو التوقيع بالإمضاء رغم مخاطر إنكاره وفي بعض الحالات يكون التوقيع بالخط والامضاء معا.
وعند التوقيع باسم الطاعن نفسه أو باسم المحامي المقبول أمام المحكمة العليا نفسه فيكفي أن يكتب الطاعن أو المحامي اسمه وإمضائه على عريضة الطعن، اما إذا كان الطعن منسوب إلى مكتب محاماة أو شركة أو مؤسسة محاماة فينبغي إضافة الى توقيع المحامي فانه يجب أن تمهر عريضة الطعن بختم مكتب أو مؤسسة المحاماة. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الإثبات الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م،ص ٤٢٣).
الوجه الثاني: التوقيع على عريضة الطعن بالنقض في قانون المرافعات
نصت الفقرة (أ) من المادة (295) مرافعات على أن (أ- يرفع الطعن بالنقض بعريضة موقعة من الطاعن أو من محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا إن طلبت وبالنسبة للطعون المرفوعة من النيابة العامة في الحالات التي يقرر القانون تدخلها وجوباً أو جوازاً يجب أن يكون الطعن موقعاً من رئيس النيابة على الأقل، ويتم رفع الطعن إلى المحكمة العليا أو إلى المحكمة التي اصدرت الحكم المطعون فيه).
فالظاهر من النص السابق أن التوقيع على عريضة الطعن بالنقض في الحكم المدني يتم بالتوقيع عليها من قبل الطاعن نفسه أو من قبل محامٍيه إذا كان لدى المحامي ترخيص من نقابة المحامين بالترافع أمام المحكمة العليا، وبيان احوال التوقيع على عريضة الطعن بالنقض في الحكم المدني كما يأتي:
أولاً: التوقيع على عريضة الطعن بالنقض المدني من قبل الطاعن نفسه: ففي هذه الحالة يقوم الطاعن نفسه بالتوقيع على عريضة الطعن بالنقض أمام المختصين في المحكمة حين إيداعه عريضة الطعن، فيتم توقيع الطاعن على العريضة بعد أن يتحقق المختصون من شخصيته وهويته، ويتم إرفاق ما يدل على ذلك بعريضة الطعن ،اذ يتم ارفاق صورة من البطاقة الشخصية بعد مطابقتها على أصلها، وغالباً ما يقوم الطاعن بالاستعانة بمحامٍ لإعداد عريضة الطعن بالنقض ثم يقوم الطاعن بالتوقيع عليها أمام المختصين عند إيداعها، ويتم التوقيع في أدنى كل صفحة من صفحات العريضة.
ثانياً: التوقيع على عريضة الطعن بالنقض المدني من قبل محامٍ مرخص له بالترافع أمام المحكمة العليا: درجة الترافع أمام المحكمة العليا هي الدرجة الأعلى من درجات المحامين المترافعين أمام المحاكم المختلفة، وقد اشترط قانون المحاماة اليمني للقيد في جدول المحامين المقبولين للترافع أمام المحكمة العليا ان يكون المحامي قد اشتغل بمهنة المحاماة مدة أربع سنوات متصلة من تاريخ حصوله على الترخيص بمزاولة مهنة المحاماة أمام المحاكم الاستئنافية، وقبل ذلك يكون المحامي المقبول أمام المحكمة العليا قد اشتغل في المحاماة في المحاكم في درجتيها الابتدائية والاستئنافية، ومؤدى ذلك أن المحامي المقبول أمام المحكمة العليا قد توفرت لديه الخبرة والمعرفة القانونية اللازمة لإعداد وصياغة عرائض الطعون بالنقض أمام المحكمة العليا بإعتبارها محكمة قانون، فكان من المناسب أن يكون المحامي الذي يقوم بالتوقيع على عريضة الطعن بالنقض في الحكم المدني من المحامين المقبولين أمام المحكمة العليا، ويشترط في هذه الحالة أن يرفق المحامي المقبول بعريضة الطعن بالنقض بطاقة قبوله للترافع أمام المحكمة العليا والتوكيل الصادر له من الطاعن بإعداد عريضة الطعن بالنقض والتوقيع عليها . (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل المحاماة ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م،ص ٣٧٠).
الوجه الثالث: لا يكون توقيع المحامي المقبول على عريضة الطعن بالنقض وجوبياً إلا إذا طلبت ذلك المحكمة العليا
نصت المادة (295) مرافعات على أن (أ- يرفع الطعن بالنقض بعريضة موقعة من الطاعن أو من محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا إن طلبت ذلك)، فهذا النص يعني أن الطاعن مخير بين أن يقوم بنفسه بالتوقيع على عريضة الطعن بالنقض أو أن يقوم الطاعن بتوكيل محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا لإعداد وصياغة عريضة الطعن والتوقيع عليها بالوكالة عنه، ومؤدى ذلك أن توقيع المحامي المقبول أمام المحكمة العليا ليس وجوبيا إلا إذا طلبت المحكمة العليا من الطاعن التوقيع على عريضة الطعن من قبل محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الرابع: المقصود بوكيل الطاعن
نصت المادة (279) مرافعات في نهايتها على أن يتم التوقيع على عريضة الطعن بالنقض من قبل الطاعن نفسه أو من قبل وكيله دون ان يحدد هذا النص ان يكون الوكيل محاميا أمام المحكمة العليا ، فقد نصت المادة المشار إليها على : (أن يوقع عليه من الطاعن أو من وكيله وترفق المستندات المؤيدة له وسند توكيل الموكل)، وقد ورد هذا النص ضمن النصوص القانونية العامة المنظمة للطعن في الأحكام بصفة عامة ، وهذا النص العام يفيد أنه يجوز لوكيل الطاعن أن يقوم بالتوقيع على الطعن بصفة عامة (إستئناف/ نقض/ إلتماس) بموجب الوكالة الصادرة له من الطاعن، غير أن المادة (295) مرافعات قد تضمنت حكماً خاصاً بشأن الطعن بالنقض خاصة ، لأن المادة (295) قد وردت ضمن النصوص الخاصة بالطعن بالنقض، فقد صرحت المادة (295) مرافعات على أن (يرفع الطعن بالنقض بعريضة موقعة من الطاعن أو من محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا)، أي انها قد تضمنت حكما خاصا بشان التوقيع على عريضة الطعن بالنقض في الحكم المدني.
وعلى هذا الأساس فلا يجوز التوقيع على عريضة الطعن بالنقض إلا من قبل الطاعن نفسه أو من قبل محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا إن طلبت المحكمة العليا ذلك.
مع التأكيد على ان المقصود بالوكئل المذكور في المادة (279) مرافعات هو الوكيل بالخصومة الذي حدد قانون المرافعات أحكامه في المواد (من 117 حتى 125) ومفادها أن الوكيل بالخصومة هو المحامي أو الأقارب أو الأصهار إلى الدرجة الرابعة.
الوجه الخامس: التوقيع على عريضة الطعن بالنقض عند تعدد الطاعنين
الطعن في الأحكام حق وليس واجباً، ولذلك فقد يقرر بعض المحكوم عليهم الطعن بالنقض في الحكم في حين لا يقوم بعضهم الآخر بالطعن، فإذا قرر المحكوم عليهم الطعن بالنقض في الحكم، فعندئذٍ قد يقوم الطاعنون جميعهم بإعداد عريضة طعن واحدة فيقوم كل واحد منهم بالتوقيع عليها ، وقد يعد كل واحد منهم عريضة على حدة ويقوم وحده بالتوقيع عليها، وقد يشترك بعضهم في إعداد عريضة واحدة والتوقيع عليها من قبلهم، وفي كل هذه الأحوال يجب على كل واحد من الطاعنين أن يقوم بالتوقيع عن نفسه في العريضة، وفي هذه الأحوال لا يضار الطاعن بطعنه وكذا لا يضار الذي لم يطعن لأنه ليس طرفاً في الخصومة، ولا يفيد الطعن إلا من رفعه، إلا أنه من المقرر انه إذا كانت مخالفات الحكم المشار إليها في الطعن متعلقة بالنظام العام فإن جميع المحكوم عليهم الطاعنين وغير الطاعنين يستفيدوا من الطعن أو يتضرروا منه.
ولا يجوز لأحد الطاعنين التوقيع عن غيره من الطاعنين الاخرين على عريضة الطعن بالنقض الا إذا كان محاميا مقبولا أمام المحكمة العليا ، لأن المادة (295) مرافعات قد اشترطت أن يتم التوقيع على عريضة الطعن بالنقض من الطاعن نفسه أو محامي مقبول أمام المحكمة العليا، ومؤدى ذلك النص أن الطاعن يحق له التوقيع عن نفسه فقط ولا يحق له التوقيع عن غيره إلا إذا كان محامياً مقبولاً أمام المحكمة العليا.
الوجه السادس: الفرق بين التوقيع على عريضة الطعن بالنقض المدني والتوقيع على عريضة الطعن بالنقض الجزائي
سبق القول أن الطاعن في الطعن بالنقض المدني مخير بين أن يقوم بنفسه بالتوقيع على عريضة الطعن وبين أن يقوم بتوكيل محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا بالتوقيع على عريضة الطعن بالنقض، بخلاف الحال بالنسبة للطعن بالنقض الجزائي فقد حصر قانون الإجراءات الجزائية النافذ حصر الحق في التوقيع على عريضة الطعن بالنقض الجزائي من قبل محامٍ معتمد أمام المحكمة العليا ، حسبما ورد في المادة (436) إجراءات التي نصت على أنه إذا كان الطعن بالنقض مرفوعا من غير النيابة العامة (وجب أن يوقع الأسباب محامٍ معتمد أمام المحكمة العليا وفقاً للقانون)، ويرجع سبب قصر التوقيع على عريضة الطعن بالنقض الجزائي على محامٍ معتمد لدى المحكمة العليا يرجع ذلك إلى خطورة المسائل الجنائية ومساسها بالحريات والحقوق وخطورة الآثار المترتبة على الأحكام الجزائية والعقوبات المقررة فيها.
الوجه السابع: المقصود بطلب المحكمة العليا توقيع الطعن المدني من قبل المحامي: وتوصيتنا للمقنن اليمني
من المؤكد ان نص المادة (٢٩٥) مرافعات معيب، لتضمنه عبارة: (إن طلبت ذلك) ، لأنه يتعذر على المحكمة العليا أن تقوم بتوجيه طلب الى الطاعن بتوقيع الطعن من قبل المحامي بالنسبة لكل طعن على حده، بل أن ذلك غير متصور فلا يمكن تطبيقه، ولذلك فإن عبارة: (إن طلب ذلك) عيب قادح في نص المادة (٢٩٥)، لأن هذه العبارة من اللغو الذي لا معنى له، ومن هذا المنطلق فإننا نوصي المقنن اليمني بحذف هذه العبارة لأنها تثير إشكاليات عملية سيما أن نص المادة (295) مرافعات حكم خاص بالنقض يقيد الحكم العام للطعون بصفة عامة الوارد في المادة (279) مرافعات.
الوجه الثامن: مدى جواز توكيل الطاعن لطاعن آخر بالتوقيع نيابة عنه على عريضة الطعن
أشار الحكم محل تعليقنا الى أن الطاعن الأول قام بتوكيل الطاعن الثاني بالتوقيع على الطعن نيابة عنه، وتبعاً لذلك فقد قام الطاعن الثاني بالتوقيع على الطعن أصيلاً عن نفسه وقام بالتوقيع على عريضة الطعن ذاتها بصفته وكيلاً عن الطاعن الأول، وذلك جائز لأن الطاعنين هما المحكوم عليهما ولأن عريضة الطعن واحدة ولأن المطاعن في الحكم واحدة، ولأن عريضة الطعن قد تم إعدادها من قبل الطاعنين معاً، بيد ان المقصود بالوكئل المذكور في المادة (279) مرافعات هو الوكيل بالخصومة الذي حدد قانون المرافعات أحكامه في المواد (من 117 حتى 125) ومفاد هذه الاحكام أن الوكيل بالخصومة هو المحامي أو الأقارب أو الأصهار إلى الدرجة الرابعة .
وعلى هذا الأساس فانه يجوز للوكيل أن يقوم بالتوقيع على الطعون عامة عدا الطعن بالنقض إذا كان الوكيل محاميا أو من الأقارب أو الأصهار إلى الدرجة الرابعة ، أما بالنسبة للطعن بالنقض فلا يجوز التوقيع على عريضة الطعن بالنقض إلا من قبل الطاعن نفسه أو من قبل محامٍ مقبول أمام المحكمة العليا، حسبما سبق بيانه، (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الطعون الجزء الثالث ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م،ص ٣٦٥) ، والله اعلم.
