الفرق بين الدفع وأوجه الدفاع

 الفرق بين الدفع وأوجه الدفاع

حُسن النية في الشريعة الاسلامية قاعدة حاكمة لسلوك المسلم في القضاء وخارجه، كما أن حُسن النية مبدأ من اهم المبادئ الحاكمة للقضاء والتقاضي ، لكن حُسن النية غائب في القضاء اليمني بل في الواقع اليمني، فالمفهوم السائد في اليمن لدى الخصوم عند التقاضي أن الصدق في القول غباء وضعف وأن الكذب وتسمية الأشياء بغير مسمياتها وإخفاء الحقائق من الذكاء والمهارة والشطارة في التقاضي.

 والدليل على ذلك أن بعض الخصوم يطلقوا على مرافعاتهم امام القاضي مسميات غير مسمياتها القانونية ،إذ تخالف هذه المسميات مضمون المرافعة ، ومن ذلك إسراف الخصوم في تسمية مرافعاتهم المقدمة أمام القضاء بالدفوع ، في حين أنها في حقيقتها ومضمونها أوجه دفاع وليست دفوعاً بالمعنى القانوني الدقيق وبحسب مضمون المذكرة المقدمة من الخصم، فقد تكون المذكرة رداً على دعوى لكن المدعى عليه يفضل تسميتها دفعاً حتى يعطل إجراءات نظر دعوى خصمه، لأن قانون المرافعات اليمني ذاته قد خلط بين الدفع والدعوى حينما عرّف الدفع بأنه دعوى!!!؟ ، وبناء على ذلك فقد فتح قانون المرافعات اليمني الباب واسعاً لتلاعب الخصوم بالدفوع، في حين أنه من المعلوم في العالم أجمع أن الدعوى وسيلة قانونية إيجابية تتضمن طلب أو طلبات والدفع وسيلة سلبية محضة يبتغي الدافع بها عدم الحكم لخصمه بكل طلباته أو بعضها، كما ان الدفوع جزء من اوجه الدفاع ، وقد أشار إلى الفرق بين الدفع والدفاع الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 27-4-2010م في الطعن رقم (42189)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وبالإطلاع على الدفع المقدم من الطاعنة أمام المحكمة التجارية الإبتدائية تجد الدائرة: أن ظاهر الدفع هو دفع بعدم جواز نظر الدعوى لسريان عقد الإيجار وفحواه دفاع في الدعوى وليس دفعاً ، فخلاصة الدفع أن الدافعة تستحق أو تطلب البقاء في العين المؤجرة حتى عام 2011م، ومع ذلك فقد اسمته الطاعنة دفعاً من النظام العام، ولما كانت العبرة في تكييف الدفع هو بحقيقة مرماه وجوهره الذي استخلصته المحكمة وليس بما يسميه الخصم، ولما كان البين من فحوى ما اسمته الطاعنة دفعاً متعلقاً بالنظام العام أنه ليس إلا دفاعاً في الدعوى ، لذلك فإن ما ذهبت إليه المحكمة الإبتدائية في قرارها بضم الفصل في الدفع مع الفصل في الموضوع يوافق ما نصت عليه المادة (180) مرافعات التي اجازت للمحكمة ضم الدفع إلى الموضوع إذا لم يكن من الدفوع المتعلقة بالنظام العام)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: الفرق بين الدفع والدعوى

الدفع وسيلة قانونية سلبية محضة بهدف منها الدافع عدم الحكم لخصمه بكل طلبه او بعضه ، فلايتضمن الدفع طلبات عدا طلب قبول الدفع ورفض الدعوى المدفوعة اوعدم قبولها ، فضلاً عن الدفع وسيلة قانونية سلبية محضة لمواجهة الدفوع غير الصحيحة ، وهو مايطلق عليه : (دفع الدفع) أي الدفع بعدم صحة الدفع المقدم من قبل الخصم.

اما الدعوى فهي وسيلة قانونية إيجابية يهدف المدعي بها حماية حق أو المطالبة به ، فالفرق الجوهري بين الدفع والدعوى أن الدعوى وسيلة إيجابية والدفع وسيلة سلبية محضة. (نظرية الدفوع ، استاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور احمد ابو الوفاء ،دار الكتب القانونية القاهرة٢٠٠٦م ، ص ٨٩).

الوجه الثاني: المقصود بأوجه الدفاع

أوجه الدفاع هي الدفوع والطلبات التي يبديها الخصم اثناء سير إجراءات المحاكمة ، فمفهوم أوجه الدفاع واسع جدا يشمل طلبات الخصوم ودفوعهم ودودهم وتعقيباتهم ومذكراتهم المقدمة الى المحكمة، وكذا إعتراضات الخصوم وتظلماتهم على القرارات والإجراءات التي تتخذها المحكمة أثناء إجراءات المحاكمة.

وكذا يتسع مفهوم أوجه الدفاع ليشمل حقوق الدفاع التي تمسك بها الخصم أمام المحكمة، بيد أن حقوق الدفاع التي لا يتمسك بها الخصم لا تكون من أوجه الدفاع الإ إذا كانت من النظام العام، ومن هذه الناحية تختلف حقوق الدفاع عن أوجه الدفاع. مع ان اوجه الدفاع جزء من حقوق الدفاع . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الدعاوى والدفوع، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م، ص271).

الوجه الثالث: الفرق بين أوجه الدفاع والدفوع

الدفع أحد أوجه الدفاع ولكن الدفع ليس وجه الدفاع الوحيد ، لأن هناك أوجه دفاع كثيرة أخرى غير الدفع ،حسبما سبق بيانه في الوجه الأول، وبحسب المفهوم الواسع لأوجه الدفاع فإن الدفوع جزء مهم من أوجه الدفاع بل أن الدفوع أهم أوجه الدفاع، ولكن أوجه الدفاع ليست مقصورة على الدفوع فحسب. (نظرية الدفوع – أستاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفاء، دار الكتب القانونية القاهرة ٢٠٠٦م، ص92).

الوجه الرابع: تسمية أوجه الدفاع بهذا الاسم

استعملت القوانين الإجرائية (المرافعات + الإجراءات + الإثبات) استعملت هذا المصطلح: (أوجه الدفاع) على أساس أن للدفاع أوجه ومظاهر عدة متنوعة يتم النظر إليها والتعامل معها من زوايا واوجه مختلفة ، ولذلك تتنوع وتختلف اوجه الدفاع مثل: الطلبات والردود والتعقيب والدفوع... الخ، فللدفاع أوجه عدة فليست على شاكلة واحدة أو نوع واحد أو من وجهة واحدة. (الدفوع المتعلقة بالنظام العام، أ. د .عبد المؤمن شجاع الدين، بحث منشور في مجلة الدراسات الشرعية والقانونية، القاهرة 2015م، ص81).

الوجه الخامس: كفالة القانون لأوجه الدفاع

يكفل الدستور حق الدفاع وأوجه الدفاع، وكذلك تكفل القوانين الإجرائية حق الدفاع وأوجه الدفاع، ومناط ذلك أن أوجه الدفاع مقررة لمصلحة طرفي الخصومة فليست حكراً على المدعى عليه كما يتصور بعض العوام، فحق الدفاع مقرر لمصلحة المدعي والمدعى عليه معا، فمثلاً المدعي تكون له أوجه دفاع يتمسك بها مثل: طلبه التعقيب على رد خصمه على الدعوى وطلبات المدعي للمحكمة بتمكينه من تقديم أدلة إثبات دعواه أو دحض رد وادلة المدعى عليه ، وكذلك الحال بالنسبة للمدعى عليه.

والأهم من هذا وذاك أن أوجه الدفاع مقررة للمصلحة العامة وليس حكراً على مصالح أطراف الخصومة، فالحق في إبداء أوجه الدفاع مقرر للمصلحة العامة المتمثلة في إقامة العدل بإعتباره أساس الحكم، وبإعتبار ان إحترام أوجه الدفاع من أهم ضمانات ومبادئ المحاكمة العادلة. (المحاكمة العادلة، د.عمار بوضياف – دار جسور الجزائر 2010م، ص122).

الوجه السادس: أوجه الدفاع الجوهرية وغير الجوهرية

سبق القول: أن مفهوم أوجه الدفاع مفهوم واسع جدا حسبما سبق بيانه، ولذلك فإن القوانين الإجرائية تهتم بصفة خاصة بأوجه الدفاع الجوهرية، إذ تنص القوانين الإجرائية على أن إهمال اوجه الدفاع الجوهرية أو إغفالها يجعل الحكم باطلاً بخلاف أوجه الدفاع غير الجوهرية، ويذهب شراح قانون المرافعات إلى أن أوجه الدفاع الجوهرية هي تلك التي تتعلق بجوهر محل الدعوى وتهدف إلى دحض الأساس الواقعي أو القانوني للحق المدعى به أو إقامته، وتكون أوجه الدفاع جوهرية إذا كان ما ابداه الخصم هو الوسيلة الوحيدة في الإثبات أو النفي أو الذي يترتب على تقديمه ومناقشته تغيير وجه الحكم في الدعوى، فالدفاع يكون جوهرياً إذا كان متعلقاً بموضوع الدعوى أو شروطها أو إجراء من إجراءاتها ومؤثر فيها بحيث يؤدي إن صح إلى تغيير وجه الحكم. (الدفوع والدفاع في القضايا الجنائية، أحمد صلاح الدين المحامي، مكتبة نور القاهرة 2012م، ص141).

الوجه السابع: ضم الدفع إلى الموضوع إذا لم يكن متعلقا بالنظام العام

كان جانب من النقاش في الحكم محل تعليقنا بشان قرار محكمة أول درجة ضم الدفع الى الموضوع ، وليس خافياً على أحد أن قانون المرافعات اليمني قد أبتكر بدعة (ضم الدفع إلى الموضوع) كحيلة قانونية لمواجهة ظاهرة شاعت وانتشرت بين الخصوم في اليمن وهي ظاهرة الاسراف في الدفوع ، إذ يستهل بعض الخصوم دفاعه بإبداء الدفع حتى قبل أن يطالع الدعوى مستهدفاً تعطيل إجراءات الفصل في دعوى خصمه، وهذا سبب من أخطر وأهم أسباب إطالة إجراءات التقاضي والكيد في التقاضي، وعلى هذه الخلفية جاء تشريع (ضم الدفع إلى الموضوع) وذلك في المادة (180) مرافعات التي نصت على انه: (فإذا كان الدفع متعلقا بالنظام العام فعلى المحكمة إرجاء السير في الدعوى الأصلية والنظر في الدفع على نحو ما تسير في الدعوى الأصلية والفصل فيه إستقلالاً بحكم مسبب، وفيما عدا ذلك من الدفوع فيجوز للمحكمة ضم الدفع إلى الموضوع وعليها أن تبين ما حكمت به في الدفع) ومن خلال مطالعة هذا النص يظهر ان الدفوع المتعلقة بالنظام العام لا يجوز ضمها إلى الموضوع، ولا إشكالية فيما يتعلق بالدفوع التي اعتبرها قانون المرافعات من الدفوع المتعلقة بالنظام المذكورة في المادة (186) مرافعات :وهي الدفع بعدم الإختصاص النوعي وعدم صحة الدعوى لفقدان شرط من شروطها وبعدم توجه الدعوى وبعدم سماع الدعوى لتقدم ما يكذبها محضاً وعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها، فعندما يتم تقديم دفع من هذه الدفوع فانه يجب على المحكمة الفصل فيه ابتداءً وبحكم مستقل وفقاً للمادة (185) مرافعات، ولكن الإشكالية تكمن في أن الدفوع المتعلقة بالنظام العام مذكورة في المادة (186) مرافعات على سبيل المثال في حين أن فكرة النظام العام نسبية ومرنة يختلف في فهمها القضاة ، ولكن ما دام ان الخصم قد اطلق على دفعه بانه من النظام العام فانه يجب على القاضي إذا ما قرر ضمه للموضوع ان يبين في قراره بأن ذلك الدفع ليس متعلقاً بالنظام العام، والله أعلم.

تعليقات

عدد الزوار