الدعوى الفرعية امام المحكم

الدعوى الفرعية امام المحكم

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين – الأستاذ بكلية الشريعة والقانون، جامعة صنعاء

الدعوى الفرعية امام المحكم

ولاية المحكم ولاية إستثنائية من الولاية القضائية المختصة أصلاً بالفصل في جميع الخصومات، فالولاية الإستثنائية للمحكم لا يجوز التوسع فيها.

 وأساس ولاية المحكم هو إتفاق التحكيم الذي يتم بين الخصوم المحتكمين، ولذلك يجب على المحكم التقيد الصارم بولايته المحددة في إتفاق التحكيم، ومؤدى ذلك أنه لا يجوز للمحكم النظر والفصل في الدعاوى الفرعية أو الدعاوى المقابلة أثناء الخصومة التحكيمية إلا إذا كانت داخلة في موضوع التحكيم المحدد في إتفاق التحكيم أو مرتبطة به إرتباطا لايقبل التجزئة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 10-1-2010م في الطعن رقم (36535)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد وجدت الدائرة: أن الطاعن لم يستطع مناهضة ما بني عليه حكم الشعبة في إبطال حكم التحكيم بسبب خروج المحكمين عن نطاق وثيقة التحكيم التي حصرت مهمتهما في إنهاء الخلاف المحاسبي بين الخصمين، فحاد المحكمان عن ذلك بالخوض في دعوى فرعية وهي دعوى تعويض مستقلة عن نطاق موضوع التحكيم ، طلب الطاعن فيها تعويضه عما لحقه من اضرار جراء توقيفه عن العمل بشكل مفاجئ، فلا يحق للمحكمين نظر هذه الدعوى الفرعية إلا إذا تم تضمينها في إتفاق التحكيم حيثما تنعقد الولاية للمحكمين سيما أن التحكيم هو طريق إستثنائي لإقتضاء الحقوق، ويتحدد نطاق ولاية المحكمين بحدود ما تم الإتفاق عليه في وثيقة التحكيم)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: الدعاوى الفرعية (الطلبات العارضة) التي يحق للخصم المحتكم رفعها أمام المحكم

لم يتضمن قانون التحكيم مصطلح الدعاوى الفرعية والمقابلة، بيد أن ذلك لا يمنع من تقديم الدعاوى الفرعية والمقابلة أثناء نظر المحكم للدعوى الأصلية طالما أن موضوع التحكيم المذكور في إتفاق التحكيم قد شمل الدعاوى الفرعية والمقابلة وطالما انه ينطبق على تلك الدعاوى وصف الطلبات العارضة المنظمة في قانون المرافعات.

وقد نظم قانون المرافعات اليمني الدعاوى الفرعية والدعاوى المقابلة بمسمى (الطلبات العارضة)، والطلبات العارضة في المصطلح الوارد في قانون المرافعات يمكن تقديمها من المدعي الأصلي الذي سبق له تقديم الدعوى الاصلية ،والطلبات العارضة المقدمة من المدعي الاصلي هي (الدعاوى الفرعية) التي تتفرع من الدعوى الأصلية ، كما يطلق عليها اسم الدعاوى الإضافية ،لأن المدعي الأصلي يقوم بإضافتها إلى دعواه الأصلية.

وفي هذا الشأن نصت المادة (198) مرافعات على أنه: (للمدعي أن يقدم من الطلبات العارضة ما يلي: -1- ما يتضمن تصحيح الطلب الأصلـي أو تعديل موضوعه لمواجهة ظروف طـرأت أو تبينت بعد رفع الدعوى -2- ما يكون مكمـلاً للطلب الأصلي أو مترتباً عليه أو متصلاً به اتصالاً لا يقبل التجزئة -3- ما يتضمن إضافة أو تغييراً في سبب الدعوى مع بقاء موضوع الطلب الأصلي على حاله -4- طلب الأمر بإجراء تحفّظي أو وقتي -5- ما تأذن المحكمة بتقديمه مما يكون مرتبطاً بالطلب الأصلي).

وبناءً على ما ورد في هذا النص فأنه يحق للمدعي الاصلي أن يقدم طلبات إضافية أو عارضة أو دعاوى فرعية أمام المحكم بالاضافة الى دعواه الأصلية شريطة أن تتحقق في الطلبات العارضة الشروط المبينة في النص القانوني السابق، بيد أنه لا يجوز للمدعي أن يقدم أمام المحكمة أي دعاوى فرعية أو طلبات لا ينطبق عليها وصف الطلبات العارضة وشروطها المحددة في النص القانوني السابق، مع مراعاة انه بالنسبة لطلب الأمر بإجراء تحفّظي أو وقتي فإنه لايجوز المحكم ان يامر به وانما يقوم بالاستعانة بالمحكمة المختصة حسبما هو مقرر في المادة (٤٣) تحكيم.

الوجه الثاني: الدعاوى المقابلة (الطلبات العارضة) التي يحق للمدعى عليه تقديمها امام المحكم

 يمكن للمدعى عليه وفقاً لقانون المرافعات تقديم طلبات عارضة بعد رفع الدعوى الأصلية من المدعي ، وتسمى الطلبات العارضة المقدمة من المدعى عليه (الدعاوى المقابلة) التي يقابل فيها المدعى عليه الدعوى الأصلية للمدعي.

وقد حددت المادة (199) مرافعات الطلبات العارضة (الدعاوى المقابلة) التي يحق للمدعى عليه تقديمها، فقد نصت المادة (199) مرافعات على أنه (للمدعى عليه أن يقدم من الطلبات العارضة ما يأتــي: -1- طلب المقاصة القضائية -2- طلب الحكم له بالتعويضات عن ضرر لحقه من الدعوى أو من إجراء فيها -3- أي طلب يترتب عليه ألا يحكم للمدعي بطلباته كلها أو بعضها أو أن يحكم له بها مقيدةً بقيد لمصلحة المدعى عليه -4- أي طلب يكون متصلاً بالدعوى اتصالاً لا يقبل التجزئة -5- ما تأذن المحكمة بتقديمه مما يكون مرتبطاً بالدعوى).

 وبناءً على ما سبق يحق للمدعى عليه في الخصومة التحكيمية تقديم طلباته العارضة (الدعاوى المقابلة) طالما أنها متصلة بالدعوى الأصلية المحددة في إتفاق التحكيم ومرتبطة بها إرتباطا لايقبل التجزئة . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الثالث، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2025م، ص461).

الوجه الثالث: ولاية المحكم بنظر الدعاوى الفرعية والمقابلة

سبق القول: أن ولاية المحكم تكون إستثناءً من ولاية القضاء المختصة أصلاً بموجب الدستور والقانون بالفصل في جميع النزاعات والخصومات، ولذلك فإن ولاية المحكم تتقرر بموجب إتفاق التحكيم المبرم فيما بين الخصوم المحتكمين الذين يعينوا المحكم في إتفاق التحكيم ويحددوا صلاحياته ويحددوا موضوع النزاع المطلوب من المحكم الفصل فيه عن طريق التحكيم.

وقد اشترطت المادة (15) من قانون التحكيم اليمني أن يكون موضوع التحكيم مذكورا كتابة في إتفاق التحكيم ومحدداً ، فقد نصت هذه المادة على أنه (ويكون الإتفاق باطلاً إذا لم يكن مكتوباً ومحدداً به موضوع التحكيم).

الوجه الرابع: تحديد موضوع التحكيم في إتفاق التحكيم

سبق القول أن المادة (15) تحكيم اشترطت أن يكون موضوع التحكيم محددا في إتفاق التحكيم ً، ومعنى التحديد أن يكون موضوع التحكيم واضحاً وذلك ببيان حدوده وما يدخل فيه وما لا يدخل فيه، فهذا هو معنى التحديد عند علماء اللغة والمناطقة.

ومفهوم التحديد يختلف من نزاع إلى آخر، فقد يكون موضوع النزاع أو موضوع التحكيم محدداً أي واضحاً بحسب طبيعة الخلاف بين الخصوم وتاريخ وقوعه وتاريخ إتفاق التحكيم، فمثلاً تكون عبارة (حل النزاع أو الخلاف القائم بين الطرفين) تكون هذه العبارة تحديداً لموضوع التحكيم إذا كان الخلاف القائم بين الخصوم هو الخلاف الوحيد القائم بينهما وكانت العلاقة بين الطرفين المحتكمين قاصرة على العلاقة التي نشأ الخلاف بمناسبتها أو بسببها كما لو كان الطرفان المحتكمان شريكين في تجارة فنشأ الخلاف بينهما بشأن هذه العلاقة الوحيدة بين الطرفين، أما إذا تشابكت وتنوعت العلاقات بين الأطراف فإن عبارة (حل الخلاف القائم بين الطرفين) لا تكون تحديداً، وقد أشرنا إلى هذه المسألة تفصيلاً في تعليق سابق. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم، الجزء الأول، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2022م، ص279).

بيد ان تحديد موضوع الخلاف أو موضوع التحكيم في إتفاق التحكيم يعني أن للمحكم ولاية النظر والفصل في موضوع النزاع الأصلي وما يدخل فيه وما تتفرع عنه من طلبات وما تتصل به من طلبات أو دعاوى شريطة أن تكون داخلة في موضوع التحكيم أو مرتبطة به إرتباطا لايقبل التجزئة، لأن القول بخلاف ذلك يجعل حكم التحكيم قاصرا في حسمه للنزاع إذا ترك المسائل المتفرعة من موضوع التحكيم أو المتصلة به، فضلا عن أن ذلك يتنافى مع مبدا الاقتصاد في اجراءات التقاضي، إضافة إلى ان ذلك يعطل الدور المأمول من التحكيم كوسيلة بديلة وسريعة لحسم النزاع (التحكيم الإختياري والاجباري، لأستاذنا المرحوم العلامة الأستاذ الدكتور احمد ابو الوفاء، دار الكتب القانونية القاهرة ٢٠٠٣، ص١٦٣)، والله اعلم.