بيع الإقالة في البنوك والمصارف
بيع الإقالة في البنوك والمصارف
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين – الأستاذ بكلية الشريعة والقانون، جامعة صنعاء
من حيث الغاية والباعث عليه يشابه بيع الإقالة العرفية عقد الرهن، ولذلك كانت البنوك والمصارف اليمنية في الماضي القريب تفضل أن يقوم المقترض من البنك بإبرام بيع إقالة عرفية للبنك ضماناً للوفاء بالدين أو القرض الذي بذمته للبنك حتى يتملك البنك المبيع بسهولة إذا انقضت مدة الإقالة من غير أن يقوم البائع برد الدين إلى البنك وإستعادة المبيع خلال فترة الإقالة ، في حين أن البنك بموجب عقد الرهن لا يستطيع أن يتملك المال المرهون أو بيعه إلا بعد أن يقو البنك بتقديم دعوى موضوعية أمام القضاء يستغرق الفصل فيه وقتاً طويلاً، غير أن هناك إشكاليات كثيرة كانت تظهر عند محاولة البنك تملك المال بموجب بيع الإقالة ، وقد هذه الإشكاليات تجعل القضاء يقرر إبطال بيع الإقالة ، ولذلك عدلت البنوك عن بيع الإقالة، حسبما أشار الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28-3-2010م في الطعن التجاري رقم (37130)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (تجد هذه الدائرة: أن الحكم الابتدائي قد انتهى إلى الحكم بعدم صحة ونفاذ عقد بيع الإقالة المؤرخ..... بين الطاعن والمطعون ضده(البنك) وأن على الطاعن إرجاع الثمن المذكور في العقد، فقضاء محكمة أول درجة إستجابة للدعوى التي تقدم بها الطاعن، وقد أيد الحكم الاستئنافي قضاء الحكم الابتدائي حيث إستجاب الحكم الاستئنافي لطلب الطاعن بعدم صحة ونفاذ عقد بيع الإقالة وأن على الطاعن ً أن يعيد الثمن المذكور في البصيرة...)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: ماهية بيع الإقالة العرفية في البنوك والمصارف:
وفقاً لأغراض البنوك والمصارف المحددة في قانون البنوك وكذا في عقد تأسيس البنك ونظامه الأساسي فإن أغراض البنوك هو تمويل وإقراض المؤسسات والشركات زبائن وعملاء البنك ، ولتأمين وفاء العملاء بالقروض والتمويلات فإن البنك يستوفي التأمينات والضمانات اللازمة ،ومن أهمها: الرهن، غير أن الرهن لا يسعف البنك في إقتضاء دينه من المال المرهون، إذ يلجأ البنك إلى القضاء للمطالبة بالتنفيذ على المال المرهون ، فتطول الإجراءات القضائية ، فلا يقتضي البنك ديونه إلا بعد فترة طويلة، ولذلك كانت بعض البنوك تلجأ إلى توقيع بيع الإقالة العرفية مع عميل البنك لضمان الوفاء بالدين التي بذمته للبنك.
وبيع الإقالة العرفية في الفقه الإسلامي هو: عقد بيع يتضمن شرطاً يحق بموجبه للبائع إسترداد المبيع وإعادة الثمن إلى المشتري خلال فترة محددة ، ويسمى عند بعض الفقهاء ببيع المعاملة أو بيع الطاعة أو بيع الوفاء .
وقريب من التعريف الفقهي لبيع الإقالة العرفية جاء تعريف القانون المدني اليمني لها، فقد نصت المادة (577) على أن: (بيع الوفاء المعروف بالإقالة العرفية هو: أن يشترط حال العقد أو بعده أنه إذا رد البائع للمشتري الثمن رد له المشتري المبيع وله حكم خيار الشرط وتكون فوائد المبيع للبائع في مدة الشرط).
وعلى هذا الأساس فإن إرادة المتعاقدين عند إبرام عقد بيع الإقالة العرفية لا تتجه إلى تمام البيع ونفاذه ولزومه وإنما يتعامل البائع والمشتري مع هذا العقد على أنه ليس بيعاً نهائياً، فالبائع يريد الحصول على المال وإستعادة المبيع ورد الثمن للمشتري، وكذلك الحال بالنسبة للمشتري، ولذلك يجب أن يؤخذ هذا الأمر بعين الإعتبار هذا الامر عند حلول ميعاد نفاذ بيع الإقالة، سيما أن ثمن المبيع في بيع الإقالة العرفية يكون أقل من الثمن الحقيقي للمبيع بحسب سعر الزمان والمكان.
الوجه الثاني: حكم بيع الإقالة العرفية (بيع الوفاء) في الفقه الاسلامي:
ذهب الشافعية والزيدية والمالكية والحنابلة إلى تحريم بيع الإقالة العرفية ،لان النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم نهى عن الثنيا ، وهي ان يستثني البائع شيئا مجهولا من المبيع ، وهذا الامر متحقق في بيع الإقالة العرفية ، لان البائع يشترط رد المبيع ،ولان حقيقة بيع الإقالة عبارة عن رهن ضمانا لقرض، في حين ذهب الحنفية إلى جواز بيع الإقالة العرفية ، لان التعامل به قد جرى في بلاد المسلمين ، وقد اخذ القانون اليمني بقول الحنفية في هذه المسألة. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2022م، ص267).
الوجه الثالث: الثمن في بيع الإقالة العرفية (بيع الوفاء):
ينعقد بيع الإقالة العرفية بالإيجاب والقبول فيما بين البائع والمشتري، بحسب الثمن المتراضى عليه عند إبرام عقد الإقالة، فلا تظهر أية إشكالية إذا كان الثمن المتراضى عليه هو الثمن الحقيقي بحسب الزمان والمكان وقام البائع خلال مدة الإقالة برد الثمن وإستعادة المبيع، كما لا تقع أية إشكالية إذا كان ثمن المبيع وقت إبرام عقد الإقالة قد تمت تسمية الثمن تسمية صحيحة بمعنى أن ثمن المبيع هو الثمن الحقيقي والفعلي للمبيع بحسب سعر الزمان والمكان في وقت بيع الإقالة، ولكن كما ذكرنا أن الغالب في بيع الإقالة أنه عند إبرام بيع الإقالة لا يكون ثمن المبيع حقيقياً بحسب سعر الزمان والمكان،لأن إرادة المتعاقدين وقت إبرام العقد قد اتجهت الى أن هذا العقد عبارة عن تأمين أو ضمان لوفاء البائع بقيمة المبيع (الدين)خلال مدة الإقالة وإستعادة المبيع، فالبائع والمشتري في بيع الإقالة العرفية ابرما بيع الإقالة كما لو أنه رهن من قبل البائع، ولذلك لم يكن تحديد الثمن وقت بيع الإقالة حقيقياً، ولذلك تحدث عند إنقضاء فترة الإقالة تحدث إشكالية مدى مناسبة الثمن المذكور في بيع الإقالة، وعند مناقشة مدى تناسب الثمن مع المبيع عند حلول الإقالة دون رد الثمن تحدث إشكالية تحديد الثمن الحقيقي للمبيع هل يكون بتاريخ إبرام بيع الإقالة أم بتاريخ إنتهاء فترة الإقالة.
الوجه الرابع: مصير بيع الإقالة العرفية عند إنتهاء فترة الإقالة دون قيام البائع برد الثمن:
نصت الفقرة (رابعاً) من المادة (578) مدني على أنه: (-رابعاً- يستقر المبيع في ملك المشتري وبه يستحق الشفعة إذا امضى البائع البيع أو انقضت المدة دون رد)، ومعنى ذلك أن بيع الإقالة يكون نافذاً إذا انقضت مدة الإقالة المحددة في بيع الإقالة ولم يقم البائع برد الثمن وإستعادة المبيع، فعند حلول ميعاد الإقالة يكون البيع نافذا دون حاجة إلى أي إجراء.
بيد أنه بالنسبة لبيع الإقالة العرفية إذا كان محله عقاراً فأنه ينبغي على الأمين الشرعي الذي يتولى تحرير بيع الإقالة أن يقوم بتحرير نفاذ الإقالة على ظهر وثيقة بيع الإقالة بأن يكتب عبارة: (وقد انقضت مدة الإقالة المحددة بباطن هذا العقد في تاريخ... حيث قمنا بإخطار البائع برد الثمن وإستعادة المبيع غير أنه لم يحضر ولم يقم برد الثمن ولذلك فقد صار هذا البيع نافذاً)، في حين يقوم بعض الأمناء الشرعيين بتاريخ إنقضاء مدة الإقالة بتحرير عقد بيع نافذ بدلاً عن كتابة نفاذ البيع بظهر وثيقة بيع الإقالة العرفية.
الوجه الخامس: تقلص بيع الإقالة العرفية في البنوك والمصارف اليمنية:
كان بيع الإقالة العرفية شائعاً في البنوك والمصارف اليمنية الى وقت قريب، غير أنه بدء من عام 2005م بدأ بيع الإقالة العرفية يتقلص وجوده في البنوك نظراً للإشكاليات التي كانت تحيط ببيع الإقالة العرفية في البنوك والمصارف واهمها الخلل في إرادة المتعاقدين في البيع والشراء ، فعلى هذه الخلفية كان القضاء يحكم ببطلان بيع الإقالة العرفية للبنك مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا،حيث كثرت الأحكام القضائية التي كانت تقضي ببطلان عقود بيع الإقالة العرفية للبنوك والمصارف، لأن القضاء كان ينظر إلى بيع الإقالة العرفية كنظرته للرهن ، فلا ينظر إليه على اساس أنه عقد بيع وشراء. (النظرية العامة للمصرفية الإسلامية، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2018م، ص411)، والله أعلم.
