تعطيل الفصل في القضية من قبل المحكمة
![]() |
تعطيل الفصل في القضية من قبل المحكمة |
غالباً يتعمد أحد الخصوم تعطيل إجراءات النظر والفصل في القضية المنظورة أمام المحكمة، بيد ان المحكمة في بعض الأحوال قد تتسبب بتعطيل النظر والفصل في القضية بكثرة تأجيل جلسات المحاكمة بل نسيان القضية، وقد اشار إلى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 12/4/2010م في الطعن رقم (٣٧٤٠٧)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وبالعودة إلى وقائع الإستئناف المرفوع من الطاعن أمام الشعبة تجد الدائرة: أن الطاعن قد طلب في جلسة... حجز القضية للحكم ، وكانت هذه الجلسة هي الفرصة الأخيرة للمستأنف ضده الأول للرد على الإستئناف حيث قام محاميه بالرد شفهياً وكذا رد المستأنف ضده الثاني وطلب حجز القضية للحكم، إلا أن الثابت من الإطلاع على محضر تلك الجلسة أن الشعبة بدلاً من حجز الإستئناف للحكم فيه قامت بحجزها للإطلاع وذلك إلى جلسة..... ، وهي جلسة لم تقم الشعبة بعقدها، وقد طلب محامي المستأنف ضده عدة طلبات لتحديد جلسات أخرى بدلاً عن تلك الجلسة التي لم تنعقد إلا أن الشعبة كانت تحدد جلسة عند كل طلب ولا تعقد اية جلسة في تاريخها المحدد بناء على كل طلب رغم إعلان الإطراف بها خاصة الطاعن المذكور، وذلك واضح من عدم وجود أي محضر لأي جلسة بعد محضر الجلسة المشار إليها التي طلب فيها المستأنف حجز القضية للحكم، الأمر الذي معه يضحى ثابتاً أن تعطيل القضية وعدم الفصل فيها لسبب يرجع إلى الشعبة وليس الخصوم امامها ، ويؤكد ذلك أن الشعبة بعد مرور اعوام كثيرة ادركت وجود هذه القضية امامها فقامت بإصدار قرار فيها بسقوط الخصومة وذلك في تاريخ.. أي بعد قضاء هذه القضية لدى الشعبة لعشر سنوات دون فصل فيها رغم مطالبة اطرافها، وليس ذلك فقط بل ظلت القضية لدى الشعبة ولم ترسلها لمحكمة التنفيذ حتى طلب المحامي ... طلب تنفيذ الحكم وتحويلها في تاريخ... أي بعد ثلاثة اعوام اخرى، ولا نعلم ما هو مبرر الشعبة لبقاء هذه القضية لمدة ثلاثة عشر عاماً لديها دون فصل في الإستئناف المرفوع امامها أو إحالتها لمحكمة التنفيذ، والدائرة بذلك كله لا تجد أي مبرر قانوني لإصدار الشعبة حكماً بسقوط الخصوم في الإستئناف المرفوع من الطاعن دون إصدار الحكم فيها بعد أن طالب أطراف الإستئناف حجزها للحكم ، الأمر الذي يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه )، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: إعتبار الإستئناف كان لم يكن إذا لم يحضر المستأنف:
حددت المادة (289) من قانون المرافعات كيفية التعامل مع إهمال المستأنف لإستئنافه وعدم حضور الجلسة الاولى المحددة لنظر إستئنافه والجلسة التالية لذلك رغم إعلانه وهو إعتبار استئنافه كأن لم يكن، وفي هذا المعنى نصت المادة (٢٨٩) مرافعات على أنه ( مع مراعاة احكام المواد (٢٠٧و٢٠٨و٢٠٩) إذا لم يحضر المستأنف في اليوم المحدد للجلسة الأولى فعلى المحكمة تحديد موعد جلسة تالية ويعلن المستأنف بالموعد الجديد وفقاً لقواعد الإعلان فإذا لم يحضر في الجلسة التالية أعتبر استئنافه كأن لم يكن وصار الحكم الابتدائي واجب التنفيذ وفقاً للقواعد العامة إلا إذا كان ميعاد الإستئناف لا يزال قائماً فللمستأنف رفع إستئناف جديد، وفيما لم يقض به القانون بنص خاص يتبع في شأن خصومة الإستئناف القواعد المتعلقة بما هو مقرر أمام محكمة الدرجة الأولى).
وقد اشار الحكم محل تعليقنا إلى أنه لا تنطبق احكام إعتبار الإستئناف كأن لم يكن على القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، لأن المستأنف قد حضر أمام الشعبة التي عقدت عدة جلسات بحضور المستأنف والمستأنف ضده وطلب الطرفان حجز القضية للحكم إلا أن الشعبة كانت تقررتاجيل جلسة المحاكمة إلى تاريخ لاحق ولكنها لا تعقد الجلسة في التاريخ الذي قررته مما جعل القضية تتعثر لأكثر من (13) سنة.
الوجه الثاني: سقوط خصومة الإستئناف:
كان الحكم الإستئنافي في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا قد قضى بسقوط الخصومة الإستئنافية عملاً بأحكام سقوط الخصومة المقررة في المادتين (٢١٥و٢١٦) مرافعات.
وقد نظم قانون المرافعات اليمني سقوط الخصومة في المادتين (215 و 216)، فقد نصت المادة (215) على إنه (إذا توقف السير في الخصومة بفعل المدعي او امتناعه وانقضت سنة من تاريخ آخر إجراء صحيح فيها سقطت الخصومة ولا تسري مدة السقوط في حالات الإنقطاع المتعلقة بالمدعي إلا من تاريخ إعلان من قام مقامه بوجود الخصومة المترددة بين الطرفين، وفي حالة الوقف الجزائي تبدأ مدة السقوط من تاريخ إنتهاء مدة الوقف ، ويتقرر السقوط بحكم بناءً على طلب من الخصم موجه لجميع المدعين او المستأنفين بالطريقة المعتادة لرفع الدعوى او في مواجهتهم في الجلسة عند إستئناف السير في الدعوى بعد إنقضاء ميعاد سقوط الخصومة فيها)، والظاهر ان سقوط الخصومة المقرر في هذا النص يتم بموجب حكم تصدره المحكمة وليس بقوة القانون.
وفي سياق سقوط الخصومة بعد توقف سيرها فقد نصت المادة (216) مرافعات على إنه (مع مراعاة ما ورد في المادة (86) إذا توقف سير الخصومة لمدة سنة ونصف من تاريخ آخر إجراء صحيح تم فيها نظراً لغياب المدعي سقطت الخصومة بقوة القانون ويتحمل المدعي نفقات المحاكمة وأي تعويض عن اضرار بالمدعى عليه إذا طلبها، وإذا أراد المدعي تجديد الخصومة فلا تقبل إلا بإجراءات جديدة)، ويظهرمن سياق هذا النص ان سقوط الخصومة بموجب هذا النص يقع بقوة القانون في مواجهة المدعي المتخلف عن موالاة إجراءات دعواه التي توقفت ، ويظهر أيضا ان مدة السقوط في هذا النص هي سنة ونصف وليست سنة كما هو الحال عند سقوط الخصومة وفقا للمادة (215) مرافعات السابق ذكرها.
وقد قضى الحكم محل تعليقنا بأن احكام سقوط الخصومة لا تنطبق على القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا ، لأن المستأنف والمستأنف ضده كانا قد طلبا حجز القضية للحكم فيها إلا أن الشعبة كانت تقرر حجز القضية للإطلاع إلى جلسة أخرى وفي التاريخ المقرر لا تعقد المحكمة الجلسة وبسبب ذلك ظلت القضية متعثرة لمدة تزيد على(١٣) سنة حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا.
الوجه الثالث: لا يجوز للخصوم طلب التأجيل لمرتين لسبب واحد ويجوز للقاضي تأجيل الجلسات من غير قيد وتوصيتنا للمقنن اليمني:
بقصد مواجهة ظاهرة إطالة إجراءات التقاضي ومواجهة التقاضي الكيدي نصت المادة (١٦٣) من قانون المرافعات اليمني على أنه (لا يجوز تأجيل الدعوى أكثر من مرة لسبب واحد يرجع إلى أحد الخصوم على أن لا تتجاوز مدة التأجيل ثلاثة اسابيع)، وهذا النص صريح وجازم في منع الخصوم من إطالة إجراءات التقاضي، بيد أن دلالة المفهوم في هذا النص أنه يجوز للقاضي أن يقرر تأجيل الجلسات من غير سبب ولمرات عدة من غير تقييد بعدد، ولذلك يجوز للقاضي أن يقرر تأجيل الجلسات للإطلاع أو التأجيل الإداري لعدة مرات متتالية، حتى لو ظلت القضية منظورة امامه لمدة تزيد على (١٣) سنة مثلما قضى الحكم محل تعليقنا.
و لذلك فإنه من الواجب على رئيس المحكمة المراجعة الدورية لجداول جلسات المحاكمة وغيرها للتأكد من عدم رسوب القضايا وتعثرها بسبب كثرة التأجيلات، كما ينبغي على هيئة التفتيش القضائي أن تشمر عن ساعديها للتفتيش على جداول جلسات المحاكمة وأن تدرس ظاهرة كثرة التأجيلات وأن يكون ذلك من أهم معايير تقييم وتقويم أعمال القضاة، بإعتبار كثرة التأجيلات من أخطر واهم أسباب اطالة إجراءات التقاضي ومن أهم معوقات تحقيق العدالة الناجزة.
كما لا يفوتنا أن نوصي المقنن اليمني بإعادة النظر في النص القانوني الاعور وهو نص المادة(163) السابق ذكره حتى يتضمن الضوابط والقيود على تاجيل القاضي للجلسة لسبب واحد اكثر من مرة.
الوجه الرابع: أهمية وضع آلية إدارية فاعلة للمراجعة الدائمة للقضايا الراسبة التي لا يتابعها المدعي أو الطاعن:
كشف الحكم محل تعليقنا عن عيوب المتابعة العاطفية أو الانفعالية التي تعتمد على التذكر للأعمال التي لم يتم القيام بها، حيث ظلت القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا في اروقة المحكمة لمدة تزيد عن (١٣) سنة حتى تذكرت المحكمة هذه القضية فقضت المحكمة بسقوطها، فقد صرح الحكم محل تعليقنا بأن المحكمة تذكرت القضية ففصلت فيها بعد (13) سنة.
ولذلك فإنه ينبغي وضع آلية دقيقة وفاعلة لمراجعة ومتابعة ملفات القضايا والطعون التي لا يتابعها رافعوها حتى يتم اتخاذ الإجراءات القانونية بشأنها كالشطب أو السقوط وذلك في المواعيد القانونية المقررة لذلك، والله أعلم.

تعليقات
إرسال تعليق