تحرير المحكمين محررًا حاسمًا للخصومة

تحرير المحكمين محررًا حاسمًا للخصومة

تحرير المحكمين محررًا حاسمًا للخصومة

وفقا للمادة (٤٨) من قانون التحكيم اليمني فان الخصومة التحكيمية تنتهي بحكم تحكيم مثلها في ذلك مثل الخصومة امام القضاء ، ويجب ان تتوفر في حكم التحكيم البيانات ذاتها الواجب توفرها في الحكم القضائي.

بيد أن بعض الخصومات التحكيمية تكون بسيطة تحتاج الى خبرة عملية أو أو فنية تحتاج إلى إجراءات بسيطة للفصل في الخصومة التحكيمية كتحديد الحد الفاصل بين عقارين أو مساحة الارض المتنازع عليها أو تطبيق مستندات ملكية على الواقع أو إجراء حساب بسيط بين شخصين أو فحص بضاعة...الخ.

ففي هذه الحالات لايحتاج الفصل في هذه القضايا البسيطة الى جلسات كثيرة ومذكرات مطولة ، ففي هذا النوع من القضايا قد يكتفي المحكم أو المحكمون بتحرير محضر جاسم للخصومة التحكيمية يتضمن الفصل في النزاع وتحديد الحد الفاصل بين العقارين ووضع العلامات الفاصلة بينهما وحسم الخصومة التحكمية بينهما أو تحديد مساحة الارض محل النزاع أو إعداد كشف الحساب بين الخصمين الحاسم للخصومة....الخ.

 ففي هذه الاحوال ومثيلاتها يثور النقاش بشأن تكييف هذا المحرر الحاسم للخصومة التحكيمية الصادر عن المحكمين هل هو حكم تحكيم بالنظر إلى أنه قد حسم الخصومة التحكيمية وانه قد صدر من المحكمين بموجب إتفاق تحكيم مكتوب تضمن تحديد موضوع التحكيم الذي فصل فيه المحرر الصادر عن المحكمين ، فإتفاق التحكيم يتضمن تحديد موضوع التحكيم وهو تطبيق المستندات او تحديد الحدود الفاصلة بين الأرضيتين المتلاصقتين أو تحديد الدائن من المدين أو تحديد الطريق السابلة المعتادة بين ارضيتين ام أن المحرر الحاسم للخصومة التحكيمية ليس حكم تحكيم ، لأن المادة (48) من قانون التحكيم قد اوجبت أن يشتمل حكم التحكيم على الدعوى والإجابة واسباب الحكم ومنطوقه وطلبات الخصوم وأوجه دفاعهم واسماء الخصوم وعناوينهم، في حين أن المحرر الحاسم للخصومة التحكيمية الذي يقوم بتحريره المحكمون العدول المختارون يقتصر على بيان نتائج تطبيق مستندات الخصوم وتحديد حدود الأملاك محل النزاع وتوقيعات العدول المختارين من غير أن يتضمن المحرر البيانات التي اوجب قانون التحكيم اليمني وجودها في حكم التحكيم.

 غير أنه في كل الاحوال يجب على محكمة الإستئناف عند نظرها في دعوى بطلان المحرر الحاسم للخصومة التحكيمية يجب عليها أن تقوم بمناقشة المحرر المشار اليه وبيان ماهيته ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦/٨/٢٠١٥م في الطعن رقم (5٧063)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه : (فقد تبين للدائرة أن الشعبة قد ذكرت ضمن أسباب الحكم الإستئنافي أن دعوى البطلان لا مسوغ لقبولها قانوناً ، لأن موضوعها ليس حكماً بل عبارة عن محرر يحكي وقوع تحديد الطريق الفاصلة بين أملاك المدعي والمدعى عليهم بدعوى البطلان ، وبناء على ذلك فقد قضى الحكم الإستئنافي برفض دعوى البطلان غير أن الحكم الإستئنافي لم يبين السند القانوني الذي اعتمد عليه، وحيث أنه تبين من الأوراق أن محرر التراضي والإختيار للأمناء العدول والموقع عليه من طرفيه قد تضمن تحديد موضوع نزاعهما وهو تحديد الطريق الفاصلة بين أملاك الطرفين النازلة من جبل ..... إلى جهة غرب، وقد تلى ذلك صدور المحرر المؤرخ موضوع دعوى البطلان، وحيث تضمن المحرر المذكور الإزالة والمنع ، وحيث أن الطاعن قد تضرر من ذلك المحضر أياً كان مسماه ، ورفع عليه دعوى بطلان إلا أن الشعبة رفضت تلك الدعوى ولم تفصل فيها بمناقشة اسبابها مما يستوجب نقض حكمها)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:

 الوجه الأول: مشتملات حكم التحكيم في القانون اليمني وتوصيتنا للمقنن اليمني:

من ضمن عيوب قانون التحكيم اليمني أنه تعامل مع حكم التحكيم كالحكم القضائي مما افقد التحكيم ميزته ومرونته في سرعة الفصل في الخصومات، ويظهر هذا العيب جليا في إشتراط قانون التحكيم في حكم التحكيم البيانات ذاتها الواجب توفرها في الحكم القضائي.

 إذ نصت المادة (48) تحكيم على أن (تصدر لجنة التحكيم حكمها كتابة ويوقعه المحكمون جميعهم ما عدا في حالات صدور الحكم بالأغلبية فأنه يجوز للمحكم الذي لم يوافق على الحكم عدم التوقيع مع ذكر الأسباب ، ويجب أن يصدر الحكم مسبباً وإلا إعتبر ناقصاً إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك، ويجب أن يشتمل حكم لجنة التحكيم على البيانات الأتية: اسماء اطراف التحكيم وعناوينهم وجنسياتهم وملخص الطلبات ودفوعات الخصوم وأقوالهم ومستنداتهم ومنطوق الحكم وأسبابه وتاريخ ومكان إصداره، ويكون حكم التحكيم نهائياً وباتاً في حالة إتفاق اطراف التحكيم عليه، وكذا في حالة إنتهاء التحكيم بالصلح، وفي الحالات التي ينص عليها هذا القانون، وعلى لجنة التحكيم أن تقوم بإرسال صور من الحكم موقعة من المحكمين إلى اطراف التحكيم).

  ومن خلال مطالعة هذا النص يظهر أنه قد اشترط على سبيل الوجوب أن تتوفر في حكم تحكيم البيانات ذاتها الواجب توفرها في الحكم القضائي، مما افقد التحكيم المرونة الواجب توفرها فيه وجعل المحكم ملزماً بإتباع الإجراءات والقواعد التي يجب على القاضي إتباعها، كما ان النص القانوني السابق لا يفرق من حيث بيانات الحكم بين قضية تحكيم بسيطة أو مركبة، وبناءً على ذلك إذا اختلف الجيران بشأن تحديد طريق أو تحديد الحد الفاصل أو تطبيق وثيقة ملكية أو وضع ميزاب وقاموا بإختيار العدل أو العدول العارفين لمحل النزاع وتحكيمهم لتحديد الطريق أو بيان الحد الفاصل بين الأملاك المتلاصقة بإعتبار العدول العارفين لديهم المعرفة الكاملة بمحل النزاع حتى يقطعوا ويحسموا النزاع بكلمة أو قول ، فقد صار لزاماً على هؤلاء المحكمين العدول ولزاما على الخصوم أن يقدموا الدعاوي والطلبات والدفوع ويجب على المحكم عقد جلسات تحكيم ثم بعد وقت طويل يتم إصدار حكم تحكيم يشتمل على البيانات ذاتها الواجب توفرها في الحكم القضائي ، وبعد ذلك تتم اجراءات دعوى بطلان حكم التحكيم ثم الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي ثم التماس إعادة نظر في حكم المحكمة العليا ثم التظلم أمام رئيس الجمهورية، وعلى هذا الأساس فلم يعد هناك فارقاً بين التحكيم والقضاء مما أفقد التحكيم ميزته ومرونته.

 ولذلك فإن الحكم الإستئنافي حينما ناقش دعوى بطلان حكم التحكيم رفض قبولها لأن محلها حكم تحكيم لم يشتمل على البيانات القانونية الواجب توفرها ، ولذلك نوصي المقنن اليمني بالنظر إلى بيانات حكم التحكيم نظرة مغايرة لبيانات الحكم القضائي، سيما أن التحكيم والصلح من الوسائل البديلة التي يعوّل عليها الكثير للتخفيف من تراكم القضايا وتعثرها أمام المحاكم اليمنية.

فمن العيوب العامة في صياغة القوانين اليمنية انها تهتم بمصالح كبار القوم أو بالقضايا الكبيرة وتهمل القضايا الصغيرة التي تهم ملايين اليمنيين، فقضايا النوافذ المفتوحة إلى حمى الجيران وكذا الميازيب وتلاصق الاراضي والعقارات وتحديد معالم الاراضي التي غابت معالمها والمديونيات البسيطة ،هذه القضايا البسيطة تهم ملايين اليمنيين ، هذه القضايا هي تهدد السلم الاجتماعي وتسمم العلاقات الإجتماعية بين الجيران ، هذه القضايا لاتحتاج إلى جلسات كثيرة ومرافعات مطولة وتكاليف كبيرة يتكبدها الخصوم، هذه القضايا تحتاج فقط إلى حكم تحكيم مكون من صفحة واحدة يفصل فيه المحكم في هذه النزاعات البسيطة، لكن جشع المحكمين هو الذي جعل الفصل في الخصومات التحكيمية بعيد المنال عن طريق إبتداع الجلسات المتعددة ومذكرات المرافعات الكثيرة المتبادلة بين الخصوم التي هي عبارة عن بحوث مطولة عن المشاكل بين الخصوم في قضايا بسيطة.

الوجه الثاني: خصوصية حكم الخبير المحكم:

كشف الحكم محل تعليقنا عورة قانون التحكيم اليمني الذي لم يفرق بين المحكم الذي يختاره الخصوم للفصل في النزاع نظراً لإلمامه بالقوانين والأعراف والعادات وبين الخبير المحكم الذي يختاره الخصوم لخبرته الفنية كالمحاسب والطبيب والمهندس أو مشاهدته السابقة لموضع النزاع مثل القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، فضلاً عن أن الحكم محل تعليقنا قد كشف عن عيب قانون التحكيم الذي لم يفرق بين الخلاف البسيط بين الجيران على خزان ماء في الطريق أو طريق فاصل بين عقارين ، والخلاف المركب الذي يضم في جوانبه دعاوي وطلبات وادلة ودفوع متبادلة بين الخصوم تحتاج إلى الإستماع إلى مرافعات الخصوم وادلتهم.

كما كشف الحكم محل تعليقنا عن سبب من أسباب اطالة إجراءات التقاضي في الخصومة التحكيمية ، لأن الحكم محل تعليقنا نقض الحكم الإستئنافي المرفوع إلى المحكمة العليا بعد رحلة ثمان سنوات قضاها الخصوم في الخصومة التحكيمية، وبعد النقض تبدأ مرحلة أخرى للخصومة قد تستغرق ست سنوات أخرى بسبب نزاع على طريق أو حد فاصل أو نافذة أو ميزاب كان يستطيع العدل العارف بالطريق أن يفصل في النزاع بكلمة، وصدق الله القائل (فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

الوجه الثالث: الفرق بين المحرر الحاسم للخصومة التحكيمية والمحرر المتضمن رأي المحكم:

من خلال مطالعتنا المستمرة لأحكام التحكيم في اليمن نلاحظ ان بعض المحررات الصادرة عن المحكمين تتضمن جزما وحسما للخصومة التحكيمية بصرف النظر عن تكييف هذا المحرر، إذ تتضمن هذه المحررات ان المحكم من خلال دراسته لمستندات المحتكمين واقوالهم وادلتهم فقد حكم بماياتي : ، دون ان يتضمن المحرر بقية بيانات الحكم المقررة في المادة (٤٨) تحكيم السابق ذكرها، وهذا النوع من المحررات هي المقصودة في هذا التعليق.

في حين ان بعض المحررات الصادرة من بعض المحكمين لاتتضمن جزما أو حسما للخصومة التحكيمية ، اذ تتضمن هذه المحررات عبارات مثل / نرى أن يقع كذا أو يكون كذا، وهذه المحررات لاتحسم الخصومة التحكيمية ، والله أعلم.

تعليقات

عدد الزوار