الجمع بين الدفع بعدم الإختصاص والطلب العارض

الجمع بين الدفع بعدم الإختصاص والطلب العارض

الجمع بين الدفع بعدم الإختصاص والطلب العارض

الدفع بعدم الإختصاص يعني: أن الدافع يدعي عدم إختصاص المحكمة بنظر الدعوى الأصلية، وهذا الدفع يتناقض مع قيام الدافع نفسه بتقديم طلب عارض (دعوى فرعية) بحسب المفهوم الشائع لدى بعض المهتمين في اليمن.

 لأن الطلب العارض (الدعوى الفرعية) إعتراف من الدافع بإختصاص المحكمة التي تنظر الدعوى الأصلية، فالدعوى الفرعية المرفوعة من الدافع للدعوى الاصلية تسقط الدفع ،لان الطلب العارض خوض في موضوع الدعوى الاصلية ، فمن شروط الطلب العارض ان يكون مرتبطا بالدعوى الاصلية إرتباطا لايقبل التجزئة ،كما ان من شروط قبول الدفع بعدم الإختصاص أن يتم تقديمه قبل الخوض في الموضوع ، وقد أشار إلى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26-4-2010م في الطعن رقم (36224)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى في الفقرة الأولى من منطوقه: (رفض الدفع بعدم إختصاص المحكمة) وجاء في أسباب الحكم الابتدائي: (اما بالنسبة للدفع بعدم إختصاص المحكمة فهو من قبيل إلقاء القول على عواهنه، ومن ناحية أخرى فالدافع المدعى عليه قد تنازل عن هذا الدفع بسبق تقديمه دعوى فرعية، فكيف يستقيم الأمر بعدم الإختصاص وتقديم دعوى فرعية، لذلك فان المحكمة ترفض الدفع بعدم الإختصاص) ، وقد أقر الحكم الاستئنافي الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض بالحكم الاستئنافي قررت الدائرة التجارية نقض الحكم الاستئنافي لسبب آخر هو عدم قيام الشعبة بإستفصال الطرفين عن تنفيذ إلتزاماتهما العقدية قبل الحكم بفسخ العقد، إذ ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (وحيث أن النزاع المنظور امام المحكمة هو مطالبة بفسخ عقد وهو من عقود المعاوضة فقد كان لزاماً على الشعبة وهي بصدد الفصل في دعوى الفسخ التحقق من وفاء الطرفين بإلتزاماتهما العقدية، ذلك أنه يشترط للحكم بفسخ العقد ألا يقوم أحد المتعاقدين بإلتزامه ، وأن يكون المتعاقد الذي يطلب الفسخ قد نفذ إلتزامه إعمالاً للمادة (221) مدني)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: ماهية الدفع بعدم الإختصاص

نظم قانون المرافعات اليمني إختصاص المحاكم في الباب الثاني ، فهناك إختصاص دولي يحدد المحاكم المختصة بنظر الدعاوى المرفوعة على اليمنيين ، وبنظر الدعاوى المرفوعة على الأجنبي الذي له موطن أو محل إقامة في اليمن، وهناك الإختصاص بحسب نوع الدعوى وهناك الإختصاص المكاني للمحاكم،وهناك إختصاص شخصي بحسب اشخاص المتقاضيين ، وقد نصت المادة (91) مرافعات على أنه (لا يعد الإختصاص النوعي امام المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة فيما يرفع امامها من الدعاوى من النظام العام، فإذا دفع امام المحكمة بعدم الإختصاص بحسب نوع الدعوى يجب أن يكون قبل الخوض في موضوع النزاع وأن تفصل فيه وتحدد المحكمة المختصة والجلسة المحددة لنظرها).

 بيد أن المادة (186) مرافعات قد نصت على أن (تعتبر من النظام العام الدفوع الآتية: -6- الدفع بعدم إختصاص المحكمة بسبب نوع الدعوى)، وهذه المادة متأخرة عن المادة (٩١)مرافعات السابق ذكرها.

وقد عرّف قانون المرافعات اليمني في المادة (179) الدفع بأن: (الدفع: دعوى يبديها المدعى عليه أو الطاعن إعتراضاً على موضوع الدعوى أو الطعن أو شروط قبولهما أو أي إجراء من إجراءاتهما)، ويذهب الفقه القانوني إلى تعريف الدفع بعدم إختصاص المحكمة بأنه: دفع شكلي يقدمه الخصم للمحكمة يهدف إلى إثبات عدم إختصاص المحكمة (الدولي/ النوعي/ المكاني/ الشخصي) بنظر الدعوى التي تم رفعها أمام المحكمة لإنتفاء ولاية المحكمة أو بسبب نوع الدعوى أو قيمتها.

وقد كان الدفع بعدم الإختصاص أول الدفوع التي أخذ بها القضاء، فالدفع بعدم الإختصاص يعني: (عدم القدرة على مباشرة عمل قضائي معين جعله المشرع من سلطة هيئة أو فرد آخر)، ويعرف الفقه الفرنسي الدفع بعدم الإختصاص بأنه: (وسيلة دفاع بمقتضاها يدفع الخصم دعوى خصمه بقصد تفادي الحكم عليه مؤقتاً بما يدعيه لأنه تم رفعها أمام محكمة غير مختصة) ، فهذا الدفع لا يوجه إلى أصل الحق المدعى به وإنما إلى الإجراءات التي اتخذت في سبيل منع المحكمة من نظر القضية لعدم إختصاص المحكمة. (الدفوع الشكلية في الدعوى المدنية، د. علي غسان أحمد، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق جامعة النهرين العراق 2008م، ص87).

وقد كان قانون المرافعات اليمني حتى تعديلات (يناير 2021م) يجعل الإختصاص النوعي من النظام العام، وفي تلك التعديلات ذهب القانون إلى أن الإختصاص النوعي لم يعد من النظام العام على النحو السابق بيانه مع ملاحظة ان هناك تعارض بين المادة (٩١) والمادة(١٨٦) مرافعات السابق ذكرهما ، ووفقا لقواعد دفع التعارض بين النصوص فان يتم إعمال النص المتأخر وإهمال النص المتقدم .(التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الدعاوى والدفوع الجزء الاول، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ، طبعة ٢٠٢٥م صنعاء ، ص٢٨٥) ٠

الوجه الثاني: حالات سقوط الدفع بعدم الإختصاص

يسقط الحق في الدفع بعدم الإختصاص النوعي وفقاً لتعديلات (يناير 2021م) إذا لم يتم تقديمه قبل الخوض في الموضوع ، حسبما هو مقرر في المادة (91) بعد تعديلها،التي نصت على أنه (لا يعد الإختصاص النوعي امام المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة فيما يرفع امامها من الدعاوى من النظام العام، فإذا دفع امام المحكمة بعدم الإختصاص بحسب نوع الدعوى يجب أن يكون قبل الخوض في موضوع النزاع وأن تفصل فيه وتحدد المحكمة المختصة والجلسة المحددة لنظرها).

 كذلك يسقط الحق في الدفع بعدم الإختصاص المكاني وغيره من الدفوع الشكلية إذا لم يتم إبداؤها قبل الدخول في الموضوع، وفي هذا الشأن نصت المادة (181) مرافعات على أنه (يسقط الحق في الدفع بعدم الإختصاص المكاني وفي الدفع ببطلان الإعلان أو الاستدعاء وفي الدفع بطلب إحالة الدعوى إلى محكمة أخرى لقيام نفس ذات النزاع أمامها أو لإرتباطها بدعوى أخـرى مرفوعة أمامها وكذلك سائر الدفوع المتعلقة بالإجراءات إذا لم تبد جميعها أو ما يراد إبداؤه منها دفعة واحدة قبل الدخول في موضوع النزاع ويجب إبداء جميع الوجوه التي بُنِي عليها الدفع المتعلق بالإجراءات معاً وإلاَّ سقط الحق فيما لم يبد منها ويحكم في كل دفع منها إستقلالاً بقرار مسبب مالم تقرر المحكمة في الجلسة ضمه للموضوع وعليها حينئذٍ أن تبين ما حكمت به في كلٍ منهما على حدة).

ومن خلال مطالعة المادتين (91 و 181) مرافعات السابق ذكرهما يظهر أن الدفع بعدم الإختصاص يسقط إذا لم يقدمه الدافع قبل خوضه في موضوع النزاع المذكور في الدعوى التي اتجه إليها الدفع بعدم الإختصاص، وهذا الأمر يستدعي الإشارة إلى الطلب العارض ومعرفة ما إذا كان الطلب العارض خوضاً في موضوع الدعوى الأصلية، وهذا ما سنشير إليه في الوجه الآتي.

الوجه الثالث: طبيعة الطلب العارض وما إذا كان خوضاً في موضوع الدعوى الأصلية

الطلبات العارضة يتم تقديمها من قبل المدعي والمدعى عليه ، وذلك بعد رفع الدعوى الأًصلية، فإذا تم تقديم الطلبات العارضة من المدعي الاصلي فإنها تسمى (الطلبات أو الدعاوى الإضافية) وإن تم تقديمها من المدعى عليه فإنها تسمى (الطلبات أو الدعاوى المقابلة)، وفي الحالتين فإن القانون قد اشترط أن تكون الطلبات العارضة مرتبطة بالدعوى الأصلية السابق تقديمها إرتباطاً غير قابلاً للتجزئة حسبما هو مقرر في الفقرة (5) من المادة (198) مرافعات والمادة (200) مرافعات.

والإرتباط بين الطلبات العارضة والدعوى الأصلية هو الذي يجعل الطلبات العارضة خوضاً في موضوع الدعوى الأصلية مما يسقط الدفع الشكلي أو الدفع بعدم الإختصاص الموجه للدعوى الأصلية، وعلى هذا الأساس فإن تقديم المدعى عليه لدعواه المقابلة يعد خوضاً في موضوع الدعوى الأصلية، وتبعاً لذلك يسقط الدفع بعدم إختصاص المحكمة بنظر الدعوى الأصلية، والله اعلم.