الإدلاء بالشهادة خارج المحكمة

الإدلاء بالشهادة خارج المحكمة

الإدلاء بالشهادة خارج المحكمة

نصت المادة (26) من قانون الإثبات اليمني على أن (الشهادة إخبار في مجلس القضاء من شخص بلفظ الشهادة لإثبات حق لغيره على غيره)، وهذا النص صريح في إشتراطه أن يتم الإدلاء بالشهادة في مجلس القضاء، أي أمام القاضي الذي ينظر القضية التي تعلقت بها الشهادة.

 بيد أن قانون الإثبات ذاته قد أجاز على سبيل الإستثناء الإدلاء بالشهادة أو الإستماع لها خارج المحكمة ، مثل إنتقال القاضي الذي ينظر النزاع الى مكان وجود الشاهد المعذور للاستماع الى شهادته ، وكذا تتم الشهادة الأصلية خارج المحكمة في حالة الإرعاء أو كتابة الشهادة وإرسالها للقاضي، وكذا يجوزعلى سبيل الإستثناء للمحكمة أن تنتدب أحد قضاتها للإستماع إلى شهادة من تعذر حضوره أمامها، ويجوز للمحكمة التي تنظر النزاع أن تندب محكمة أخرى يتواجد الشاهد في نطاق إختصاصها للإستماع الى شهادته.

غير أن الأصل هو : أن يدلي الشاهد بشهادته أمام المحكمة التي تنظر النزاع ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 10-10-2010م في الطعن رقم (36011)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (بل نجد أن الشعبة استندت في أسباب حكمها إلى ما شاب إجراءات المحكمة من بطلان كون أربعة من الشهود تم الإستماع لشهاداتهم بعد الساعة العاشرة ليلاً في منزل أمين السر ، وعلى فرض صحة ذلك ، فالعبرة بما تم في مجلس القضاء طبقاً للمادة (41) إثبات ، وبالمقابل ما مدى مطابقة شهادات من أدلوا بشهاداتهم امام المحكمة الابتدائية ؟ وهل في تلك الشهادات ما يؤيد ما ذهب إليه الطاعن؟ فعلى الشعبة أن تعود إلى تلك الشهادات)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: الأصل أن الإدلاء بالشهادة لا يتم إلا امام القاضي الذي ينظر الدعوى أو القضية

من شروط قبول الشهادة في الفقه الإسلامي وقانون الإثبات أن تسبق الشهادة دعوى، ومقتضى ذلك أن تكون هناك دعوى مرفوعة أو قضية منظورة أمام القضاء أو هيئة التحكيم يطلب فيها أحد الخصوم الإستشهاد بشهود أو يرى القاضي أو المحكم إحضار شهود للإستماع إلى شهاداتهم.

وعلى هذا الاساس فإن الأصل أن يتم الإدلاء بالشهادة امام القاضي الذي ينظر النزاع حتى يتمكن القاضي من مناقشة الشهود وتوجيه الأسئلة إليهم وإستفصالهم بشأن تفاصيل النزاع ، وحتى يتمكن الخصوم أيضاً من مناقشة الشهود أمام القاضي الذي ينظر النزاع، بإعتبار الشهادة من أهم الأدلة ، وبإعتبارها دليلاً ناطقاً يمكن عن طريقه الإيضاح والبيان بخلاف الأدلة الساكتة أو الصامتة أو المحدودة الإثبات، ونخلص إلى القول: أن الأصل هو الإدلاء بشهادات الشهود امام القاضي الذي ينظر النزاع.

وقد أكد قانون الإثبات اليمني على ذلك في نصوص عدة منها: المادة (26) التي نصت على أن (الشهادة إخبار في مجلس القضاء من شخص بلفظ الشهادة لإثبات حق لغيره على غيره) ، فهذا النص صريح في إشتراط أن يتم الإدلاء بالشهادة امام القاضي (مجلس القضاء)، وقد اكدت على أن الإدلاء بالشهادة يكون أمام القضاء اكدت على ذلك المادة (41) إثبات التي نصت على أنه (يشترط في الشهادة ما يأتي: -1- أن تكون في مجلس القضاء في حضور المشهود عليه أو وكيله أو المنصوب عنه)، وفي هذا السياق أكدت ايضا المادة (59) إثبات على أن اداء الشهادة ينبغي أن يتم امام القاضي الذي ينظر النزاع، إذ نصت المادة (59) على أن (يكون اداء الشهادة امام المحكمة أو من تنتدبه لذلك من اعضائها أو من قضاة المحاكم الأخرى)، وقد دّل هذا النص على أن الأصل هو الإدلاء بالشهادة امام القاضي الذي ينظر النزاع ، والإستثناء أنه يجوز أن تقوم المحكمة بتكليف أو ندب أحد قضاتها أو تندب محكمة أخرى يقيم الشاهد ضمن نطاق اختصاصها وذلك للإستماع إلى أقوال الشاهد. (شهادة الشهود وطرق الإدلاء بها، كرشنا فاسديف ، ترجمة: عبد العزيز صفوت وهنري رياض، دار ومكتبة الهلال القاهرة ٢٠٠١م ، ص ١٤٥).

الوجه الثاني: الحالات الإستثنائية التي يجوز فيها الإدلاء بالشهادة خارج المحكمة التي تنظر النزاع

عرضنا في الوجه الأول النصوص القانونية التي تصرح أن الأصل هو: أن الإدلاء بالشهادة لا يتم إلا امام القاضي الذي ينظر النزاع للأسانيد السابق ذكرها.

بيد أن هناك حالات إستثنائية يجوز فيها الإدلاء بالشهادة أو الإستماع إلى اقوال الشاهد خارج المحكمة التي تنظر النزاع، ويمكن تلخيص هذه الحالات كما يأتي:

الحالة الأولى: إنتقال القاضي نفسه الذي ينظر النزاع الى خارج المحكمة للإستماع لشهادة الشاهد المعذور: وفي هذا المعنى نصت المادة (64) إثبات على أنه (إذا كان للشاهد عذر يمنعه من الحضور جاز أن ينتقل إليه القاضي لسماع أقواله ويدعي الخصوم لسماع الشهادة ، ويحرر محضر بها يوقعه الكاتب والقاضي)، وهذا النص صريح في جواز إنتقال القاضي الذي ينظر القضية الى مكان وجود الشاهد المعذور للاستماع الى شهادته ، ويكون الشاهد معذورا عن الحضور الى جلسة المحاكمة للادلاء بشهادته إذا كان الشاهد مريضاً أو كبيراً في السن أو امرأة يتعذر عليها الحضور إلى المحكمة أو سجينا...الخ.

الحالة الثانية: ندب المحكمة التي تنظر النزاع لأحد قضاتها للإنتقال إلى مكان وجود الشاهد للإستماع إلى أقواله، ، وفي هذا الشان نصت المادة (59) إثبات على أن (يكون اداء الشهادة امام المحكمة أو من تنتدبه لذلك من اعضائها أو من قضاة المحاكم الأخرى)، فقد يكون الشاهد مريضاً أو كبيراً في السن أو امرأة يتعذر عليها الحضور إلى المحكمة أو سجيناً أو خائفاً على نفسه...إلخ، ففي هذه الحالة ينتقل القاضي المنتدب إلى مكان وجود الشاهد ويقوم بالإستماع إلى شهاداته في حضور طرفي الخصومة أو من يمثلهما حتى يتمكن القاضي من مناقشة الشاهد وتوجيه الاسئلة إليه للإيضاح والبيان، وحتى يتمكن الخصوم ايضا من مناقشة الشاهد.

الحالة الثالثة: ندب المحكمة التي تنظر النزاع لمحكمة أخرى للإستماع إلى شهادة الشاهد الموجود ضمن نطاق إختصاص المحكمة الأخرى: وبموجب قرار الندب تقوم المحكمة الأخرى بإستدعاء الشاهد للإدلاء بشهادته امامها بحضور من يمثل طرفي النزاع، وفي هذا المعنى نصت المادة (59) إثبات على أن (يكون اداء الشهادة امام المحكمة أو من تنتدبه لذلك من اعضائها أو من قضاة المحاكم الأخرى).

الحالة الرابعة: حالة الإرعاء في الشهادة: الإرعاء في الشهادة يعني: أن الشاهد الذي يؤدي الشهادة امام المحكمة ليس الشاهد الأصلي الذي شاهد الواقعة أو سمع القول أو التصرف وإنما الذي يشهد أمام المحكمة هو شاهد الإرعاء على سماعه للشاهد الأصلي، وشهادة الإرعاء وفقاً للمادة (38) إثبات تكون عن طريق سماع شاهد الإرعاء لشهادة الشاهد الأصلي قبل موته أو سماع شهادة الشاهد المعذور الذي لم يتمكن من الحضور لشهادته امام المحكمة، فالشاهد الأصلي في الحالتين لايحضر امام المحكمة التي تنظر النزاع للادلاء بشهادته ، وإنما الذي يحضر هو شاهد الإرعاء يحضر امام المحكمة للشهادة على سماعه الشهادة الأصلية التي سمعها من الشاهد الأصلي.

الحالة الخامسة: كتابة الشاهد لشهادته وإرسالها إلى المحكمة التي تنظر النزاع: فالشاهد في هذه الحالة لا يحضر امام المحكمة وإنما يقوم بإرسال شهادته مكتوبة إلى القاضي الذي ينظر النزاع، وتقبل هذه الشهادة إذا كان خط الشاهد معروفا.

 كما تكون الشهادة المكتوبة مقبولة إذا كان الشاهد قد أملئ شهادته المكتوبة على الامين الشرعي أو شخص اخر خطه معروف وتم الإشهاد على كتابة الكاتب للشهادة بشاهدين عدلين، وكذا تكون كتابة الشهادة لشهادته مقبولة إذا قام الشاهد بكتابتها امام قلم التوثيق او القنصلية او السفارة او غيرها من الجهات الرسمية، وكذا تكون الشهادة المكتوبة مقبولة ولو كانت بخط غير معروف اذا تمت المصادقة على المحرر المتضمن للشهادة المكتوبة من جهة رسمية ، وفي هذا الشأن نصت المادة (39) إثبات على أنه : (يقوم مقام الإرعاء كتابة الشاهد لشهادته بخطه المعروف أو إملاؤها على آخر خطه معروف مع إشهاد شاهدين على الكتابة أو إذا لم يكن الخط معروفاً صُدق عليه من جهة رسمية). (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الإثبات الجزء الثالث ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، جولة الجامعة الجديدة صنعاء ، طبعة ٢٠٢٤م صنعاء ، ص ٣٧٨).

 الوجه الثالث: عدم جواز تكليف أو ندب غير قاضي للإستماع إلى شهادة الشاهد المعذور خارج المحكمة

أشار الحكم محل تعليقنا إلى أن الشهادات محل الخلاف كان قد تم الإدلاء بها بعد الساعة العاشرة مساء خارج المحكمة في منزل أمين السر، أي أن الشهادات تم الإدلاء بها أمام امين السر وليس القاضي، وقد لاحظنا في نصوص قانون الإثبات السابق عرضها في الوجهين السابقين أن تلك النصوص قد صرحت بأن الإنتداب لسماع الشهادة خارج المحكمة لا يكون إلا لقاضي فلا يجوز لأمين السر أو غيره من الإداريين العاملين في المحكمة الإستماع للشهادة، وفي هذا الشان نصت المادة (59) إثبات على أن (يكون اداء الشهادة امام المحكمة أو من تنتدبه لذلك من اعضائها أو من قضاة المحاكم الأخرى)، ووفقا لهذا النص فان المنتدب لسماع الشهادة خارج مقر المحكمة لايكون إلا قاضيا، والله اعلم.