إحتجاز العامل في القضايا التي تتصل بعمله
![]() |
إحتجاز العامل في القضايا التي تتصل بعمله |
نصت الفقرة (3) من المادة (98) من قانون العمل اليمني على أن (-3- يكون في حكم التوقيف فترة إحتجاز العامل لدى الجهات المختصة في القضايا التي تتصل بالعمل أو تكون بسببه، وعلى صاحب العمل الإستمرار في صرف 50% من أجر العامل حتى يفصل في قضيته).
وهذا النص عام ومجمل يحتاج إلى بيان بعض مفرداته مثل التعريف بإحتجاز العامل وشموله لحبس العامل رهن التحقيق أو تنفيذاً لحكم، وكذا تحتاج عبارة (القضايا التي تتصل بالعمل)، تحتاج هذه العبارة إلى شرح وبيان ، بالإضافة إلى شرح وبيان المقصود (بالقضايا التي تقع بسبب العمل) والتي تؤدي إلى إحتجاز العامل من قبل الجهات المختصة ، إضافة إلى أن النص قد ألزم صاحب العمل بدفع 50% من أجر العامل اثناء إحتجازه دون أن يبين نوع الأجر التي تحتسب على أساسه نسبة 50% هل من الأجر الأساسي ام من الأجر الكامل للعامل.
وسوف نشير إلى هذا الموضوع في هذه المقالة على النحو الآتي:
الوجه الأول: المقصود بإحتجاز العامل من قبل الجهات المختصة:
وفقاً لقانون الإجراءات الجزائية اليمني فأن سلطات الضبط القضائي مثل اقسام الشرطة والمباحث الجنائية وعقال الحارات وغيرهم من المختصين ، تتولى هذه الجهات المختصة ضبط الجرائم التي تقع من عموم الأفراد بما في ذلك القبض على المتهمين بإرتكاب الجرائم وجمع الأدلة ذات العلاقة بتلك الجرائم وتتولى بعد ذلك إحالة المتهمين المقبوض عليهم إلى النيابة العامة التي تواصل حبسهم وإحتجازهم رهن التحقيق ، فإذا أسفر التحقيق عن ثبوت نسبة تلك الجرائم الى المتهمين فأن النيابة تقوم بإحالتهم إلى القاضي الجزائي الذي يواصل حبسهم إحتجازهم رهن المحاكمة ، فإذا ثبت للقاضي وقوع الجريمة فأنه يحكم بحبس العامل المتهم بإرتكابها بحسب المدة المحددة في القانون كعقوبة على تلك الجريمة ،فاذا قامت النيابة العامة أو العامل المتهم بإستئناف الحكم الابتدائي ، فيتم رفع القضية الى محكمة الإستئناف لإستئناف محاكمة العامل المتهم الذي قد يبقى محتجزاً اثناء المحاكمة، وبعد إجراء المحاكمة أمام محكمة الإستئناف قد تجد محكمة الإستئناف أن الحكم الإبتدائي صحيح فتحكم بتأييد الحكم الإبتدائي فيبقى العامل المتهم محتجزاً، وعندئذ قد يقوم العامل المحكوم عليه بالطعن بالنقض أمام المحكمة العليا التي قد تجد أن الحكم الإستئنافي صحيح فتقضي بإقرار الحكم الإستئنافي فيستمر إحتجاز العامل لفترة طويلة سيما إذا كانت عقوبة الحبس المقررة على الجريمة التي ارتكبها العامل طويلة.
وعلى هذا الأساس فأن إحتجاز العامل يقع في قسم الشرطة أو المباحث والنيابة واثناء إجراءات المحاكمة أمام المحكمة الإبتدائية ثم الإستئنافية ثم المحكمة العليا، وتسمى فترة الإحتجاز لدى قسم الشرطة أو المباحث إحتجاز رهن التحري والإستدلال وأمام النيابة والمحكمة الابتدائية يسمى حبس إحتياطي وبعد إدانة العامل أو الحكم عليه بالحبس يكون الإحتجاز حبساً أو سجناً تنفيذاً للعقوبة المحكوم بها على العامل. (محاضرات في الإشكاليات العملية لتطبيق قانون العمل، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص 85)
وقد تكون فترة الإحتجاز أو حبس العامل قصيرة أو طويلة أو متوسطة بحسب الجريمة المسندة الى العامل، ومع ذلك فأن مصطلح الإحتجاز الوارد في الفقرة (3) من المادة (98) عمل يشمل كل فترات القبض والإحتجاز والحبس والسجن التي يبقى فيها العامل مودعاً في الحبس الإحتياطي أو السجن.
الوجه الثاني: الجرائم التي تستوجب إحتجاز الجهات المختصة للعامل:
هي كل جريمة ينص قانون الجرائم والعقوبات أو أي من القوانين العقابية الخاصة على أن عقوبة الجريمة هي عقوبة الحبس، وتختلف مدة الحبس بإختلاف جسامة الجريمة المنسوبة للعامل.
والجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس كثيرة، ونكتفي في هذه المقالة بالإشارة فقط الى أهم الجرائم التي قد يرتكبها العامل وتكون متصلة بعمله، مثل جريمة خيانة الأمانة و الإختلاس والسرقة والتزوير وإنتحال الصفة و التزوير و الإتلاف العمدي للأموال بالإضافة إلى الجرائم التي تقع من العامل بسبب عمله كالتهديد والسب والقذف والقتل الخطا و العمد ...الخ.
الوجه الثالث: مفهوم الجرائم المتصلة بعمل العامل المؤدية إلى حبسه أو إحتجازه:
وردت عبارة (القضايا التي تتصل بالعمل) ضمن الفقرة (3) من المادة (98) من قانون العمل اليمني التي نصت على أن (-3- يكون في حكم التوقيف فترة إحتجاز العامل لدى الجهات المختصة في القضايا التي تتصل بالعمل أو تكون بسببه، وعلى صاحب العمل الإستمرار في صرف 50% من أجر العامل حتى يفصل في قضيته).
ومفهوم الإتصال بين الجريمة التي تقع من العامل وبين عمله لا يعني أن هناك صلة حقيقية بين العمل و الجريمة، فالعمل أمر مشروع والجريمة فعل غير مشروع ،فهناك تضاد بين العمل المشروع والجريمة غير المشروعة ، ولذلك فأن مفهوم ألإتصال المذكور في الفقرة (3) من المادة (98) عمل هو أن العامل أستغل تكليفه بالعمل من قبل صاحب العمل أو من يمثله فقام العامل بإرتكب الجريمة المخلة بالعمل المسند له أو المكلف به، مثل أن يقوم صاحب العمل بتعيين العامل أمين مخزن أو مستودع أو صندوق أو عامل توزيع فيقوم العامل بإختلاس الأموال أو البضائع التي بعهدته التي يقتضي عمله المحافظة عليها، ومثل أن يكون العامل محاسباً فيقوم بتغيير أرقام المبالغ المذكورة في الحسابات أو التزوير فيها بغرض إختلاسها أو تمكين الغير من إختلاسها أو يكون العامل محاسباً يتولى مطابقة الحسابات مع عملاء صاحب العمل فيقوم بتغيير البيانات بقصد الإستيلاء على أموال صاحب العمل أو تسهيل إستيلاء الغير عليها.......الخ.
فالجرائم المتصلة بعمل العامل هي تلك يستغل فيها العامل العمل المسند إليه فيقوم بإرتكاب الجريمة، فلو لم يسند صاحب العمل الى العامل وظيفة المحاسبة لما ارتكب العامل جريمة تزوير الحسابات ولو لم يكلف صاحب العمل العامل الموزع بتوزيع البضاعة على زبائنه لما اختلسها الموزع، ولويكن العامل حارساً لمقر عمل صاحب العمل لما سرق الحارس بضاعة صاحب العمل أو قام بتسهيل سرقة الغير لها. (التعليق على احكام المحكمة العليا في المسائل العمالية الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة 2025م صنعاء، ص166).
الوجه الرابع: مفهوم الجرائم التي تقع من العامل بسبب عمله والتي تؤدي الى حبسه أو إحتجازه:
سبق القول أن الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس كثيرة ، ولذلك فأننا لن نشير في هذه المقالة إلا إلى الجرائم التي تتصل بعمل العامل أو بسبب عمل العامل ، حسبما أوضحنا في الوجه السابق، إذ عرضنا في الوجه السابق بعض الجرائم التي تقع من العامل والتي تتصل بعمل العامل .
أما في هذا الوجه فسوف نشير فقط إلى امثلة على الجرائم التي تقع من العامل بسبب عمله لدى صاحب العمل والتي تكون عقوبتها الحبس.
والجرائم التي تقع من العامل بسبب عمله لدى صاحب العمل والتي عقوبتها الحبس كثيرة جداً ، فقد تقع هذه الجرائم من العامل على صاحب العمل أو من بمثله، وقد تقع من العامل على زملائه العاملين معه لدى صاحب العمل، وقد تقع من العامل على عملاء صاحب العمل، بل أن هذه الجرائم قد تقع على الغير مثل قيام السائق العامل المكلف بتوزيع البضاعة بدهس عابر طريق أو إتلاف سيارات أو أموال الغير أثناء قيادته لسيارة صاحب العمل بقصد توزيع البضاعة.
وتحديد الجرائم التي تقع من العامل بسبب عمله لدى صاحب العمل التي عقوبتها الحبس تحتاج اولاً الى تحديد سبب العمل.
وقد اتفق المناطقة وعلماء الأصول على تعريف السبب بصفة عامة بانه: ما يلزم من وجوده وجود الشي، ومن عدم وجوده عدم وجود الشي، ووفقاً لتعريف السبب المشار إليه فأن المقصود بالسبب هو السبب المباشر لوقوع الجريمة ، وبحسب هذا المفهوم فأن الجرائم التي تقع بسبب العمل هي : الجرائم التي ما كان لها أن تقع من العامل لو قيامه بالعمل لدى صاحب العمل، وبحسب هذا المفهوم فأن الجرائم التي تقع من العامل بسبب عمله لدى صاحب العمل وتؤدي الى حبسه كثيرة جداً اكثر من الجرائم المتصلة بعمل العامل السابق ذكرها في الوجه السابق.
ولذلك فسوف نكتفي بضرب أمثلة على الجرائم التي تقع من العامل بسبب عمله، ومن امثلة ذلك شجار العامل مع صاحب العمل أو من بمثله بشأن تعليمات العمل إذا أدى هذا الشجار الى قيام العامل بقتل صاحب العمل أو من بمثله أو قام بسب أو قذف صاحب العمل أو الإعتداء الجسماني على صاحب العمل أو من بمثله،فسبب وقوع هذه الجرائم هو عمل العامل لدى صاحب العمل .
ومن امثلة الجرائم التي تقع من العامل بسبب عمله قيام العامل بقتل زميله في العمل أو تهديده أو الإعتداء عليه أو قذفه وسبه إذا وقع ذلك بسبب قيامه بعمله مثل إختلاف العامل مع زميله على إستعمال وسائل العمل وادواته، ومن أمثلة هذه الجرائم إختلاف المحاسب أو الموزع العامل لدى صاحب العمل مع زبائن صاحب العمل بسبب مطالبة العامل لزبون صاحب العمل بحقوق صاحب العمل مما يؤدي الى قيام العامل بقتل الزبون أو ضربه أو سبه أو تهديده أو قذفه.....الخ .(محاضرات في الإشكاليات العملية لتطبيق قانون العمل اليمني ، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، ص١١٢).
الوجه الخامس: الجرائم غير المتصلة بالعمل أو بسببه التي تقع من العامل أثناء العمل أو أثناء الذهاب والعودة الى مقر العمل ،والتي تؤدي الى حبس العامل:
أثناء ذهاب العامل الى مقر عمله وأثناء عودته من مقر عمله وأثناء قيامه بعمله في مقر عمله قد تقع منه جرائم لا تتصل بعمله كما انها لم تقع بسبب عمله مثل الخلاف الشخصي بين العامل وزميله في مقر العمل بشأن نكتة أو مسألة شخصية لا صلة لها بالعمل او بسببه، ويؤدي هذا الخلاف الى قتل العامل لزميله أو الإعتداء عليه أو سبه أو تهديده، أو قيام العامل بشرب الخمر في مقر العمل أو عند ذهابه أو عودته الى العمل أو قيام العامل بالزنا بزميلته العاملة سواء في مقر العمل أو خارجه......الخ.
فإذا ارتكب العامل اياً من الجرائم غير المتصلة بعمله أو بسبب عمله بحسب المفهوم السابق ذكره في الوجهين السابقين مما أدى إلى قيام الجهات المختصة بالقبض على العامل وحبسه ، فهذه الجرائم لا تنطبق عليها أحكام الجرائم المتصلة بالعمل أو بسببه.
بل ان هذه الجرائم وأن كانت بحسب مفهوم قانون الجرائم تعد جرائم يعاقب عليها إلا أنها في مفهوم قانون العمل تعد مخالفات من العامل للقوانين النافذة تستوجب المسألة الإدارية من صاحب العمل للعامل الذي ارتكبها.
وإرتكاب العامل لهذه الجرائم و قيام الجهات المختصة بحبس العامل بسببها يعفي صاحب العمل من دفع نسبة ٥٠٪ من أجر العامل إلا اذا أراد صاحب العمل ذلك ، عملا بنص الفقرة (4) من المادة (98) من قانون العمل التي نصت على أنه: (-4- لا يعتبر في حكم التوقيف عن العمل تلك الفترات التي يحتجز خلالها العامل لدى الجهات المختصة لأغراض التحقيق في القضايا التي لا تتعلق بالعمل ، وفي هذه الحالة لا يستحق العامل أجره المقرر أو جزء منه إلا بموافقة صاحب العمل ولا يجوز فصله من الخدمة).
الوجه السادس: الأجر المستحق للعامل المحبوس في قضية من القضايا المتصلة بعمله أو بسبب عمله:
بحسب المفهوم السابق للجرائم المتصلة بعمل العامل أو بسبب عمله فأن العامل المحبوس على ذمة هذه القضايا يستحق50% من الأجر ، حسبما هو مقرر في الفقرة (3) من المادة(98) من قانون العمل التي نصت على أن (-3- يكون في حكم التوقيف فترة إحتجاز العامل لدى الجهات المختصة في القضايا التي تتصل بالعمل أو تكون بسببه، وعلى صاحب العمل الإستمرار في صرف 50% من أجر العامل حتى يفصل في قضيته).
وقد وردت عبارة (صرف 50% من أجر العامل ) وردت هذه العبارة في النص السابق مطلقة دون تحديد ما إذا كان المقصود الأجر الأساسي للعامل ام أن المقصود الأجر الكامل للعامل، وبشأن هذه المسالة يثور جدل قانوني واسع، فهناك من يذهب إلى أن المقصود بالأجر في النص السابق هو الأجر الأساسي ، لأن البدلات والمستحقات الأخرى التي يتم دفعها للعامل لا يتم دفعها إلا للعامل الذي يقوم بعمله بالفعل، والعامل المحبوس من المعلوم أنه لا يقوم بعمله لأنه محبوس.
وهناك من يذهب إلى أن المقصود بالأجر المذكور في النص السابق هو الأجر الكامل ،لأن كلمة (أجر العامل) التي وردت في النص السابق قد وردت مطلقة من غير تحديد، والقاعدة في تفسير نصوص قانون العمل أو بنود عقد العمل أن يتم تفسير الالفاظ والعبارات والنصوص الغامضة أو المجملة لصالح العامل ، كما انه إذا وقع الشك في تفسير العبارات فان الشك يفسرلصالح العامل.
ومن وجهة نظرنا أنه يمكن التوفيق بين الرائيين السابقين بالقول: أنه إذا كانت اموال صاحب العمل محلا للجريمة التي أدت إلى حبس العامل كجرائم الإختلاس وخيانة الأمانة والسرقة التي يكون محلها أموال صاحب العمل فأن العامل المحبوس يستحق 50% من الأجر الأساسي، اما إذا لم يكن محل تلك الجرائم أموال صاحب العمل فيستحق العامل 50% من الأجر الكامل. (مهارات الصياغة القانونية- مهارات التحقيق الإداري، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء الجديدة صنعاء، طبعة 2021م صنعاء، ص172)، والله اعلم.
