عدم إحاطة القاضي بوقائع النزاع
عدم إحاطة القاضي بوقائع النزاع
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
كثرة القضايا وقلة القضاة هي المشكلة الحقيقية في القضاء اليمني ، إذ تؤثر هذه الإشكالية في عدم إحاطة القاضي بوقائع النزاع المثبتة في ملف القضية.
ومع انه من الواجب على القاضي أن يدرس ملف كل قضية قبل إنعقاد الجلسة المحددة لنظرها إلا أن القاضي لا يتمكن من ذلك بسبب كثرة القضايا ، فيلجأ إلى بدعة (حجز القضية للإطلاع) من غير ان تتوفر الدواعي القانونية لحجز القضية للإطلاع ، اذ يستعمل القاضي حجز القضية للإطلاع في غير موضعه.
ولاريب أن بطلان اغلب الاحكام في اليمن يرجع إلى عدم إحاطة القاضي بوقائع النزاع ، ولذلك فان عدم الاحاطة من اخطر اسباب إطالة اجراءات التقاضي في اليمن.
علاوة على أن هناك خلط بين مفهوم وقائع النزاع ومفهوم وقائع الدعوى عند إحاطة القاضي بوقائع النزاع ، حسبما اشار الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 25-8-2015م في الطعن رقم (56970)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (أن الطاعن قد نعى على الحكم المطعون فيه أن المحكمة لم تحط بوقائع النزاع واعتمدت على ما ورد في صحيفة الدعوى دون أن تطلع محكمة الموضوع على البيانات والتصحيحات التي قدمها الطاعن بعد ذلك ، والمشار إليها في محاضر الجلسات، والدائرة تجد: أن ما نعاه الطاعن في السبب الثاني من عريضة طعنه سديد ، لأن الطاعن بعد رفع دعواه كان قد حدد حدود المواضع محل النزاع ، وحدد المكان الذي تقع فيه الأرض المدعى فيها ، غير أن محكمة الموضوع لم ترجع إلى أقوال الطاعن ومستنداته التي قدمها بعد تقديمه لصحيفة إفتتاح الدعوى، وهذا السبب كافٍ للإرجاع)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الاول: المقصود بوقائع النزاع والفرق بين وقائع الدعوى ووقائع النزاع:
وقائع النزاع التي يجب على القاضي الإحاطة بها أولاً بأول لا تقتصر على موضوع النزاع المذكور في صحيفة الدعوى مثلما ألمح الحكم محل تعليقنا وإنما المقصود بوقائع النزاع كل ماوقع في النزاع من دعاوى أو طلبات أو ردود أو تعقيبات أو دفوع أو ادلة وتقارير خبراء وشهادات شهود وكل ماورد في المرافعات الشفهية المثبتة في محاضر جلسات المحاكمة.
فمحاضر جلسات المحكمة تهدف اصلا إلى رصد وتدوين وإثبات كل ما وقع في النزاع من دعاوى وطلبات ودفوع وماقدمه الخصوم من مذكرات ومستندات وكذا شهادات الشهود وتقارير الخبراء وماورد في المرافعات الشفهية المثبتة في محاضر جلسات المحاكمة، فهذا هو المفهوم القانوني الصحيح لوقائع النزاع الذي يختلف عن وقائع الدعوى ،فوقائع الدعوى جزء من وقائع النزاع حسبما المح الحكم محل تعليقنا.
ووقائع الدعوى هي : عبارة عن الوقائع الخاصة بالدعوى التي يعرضها المدعي في صحيفة دعواه والطلبات والتصحيحات التي يضيفها المدعي لاحقا ، وكذا رد المدعى عليه على وقائع دعوى المدعي.
الوجه الثاني : مراحل إحاطة القاضي بوقائع النزاع:
إحاطة القاضي بوقائع النزاع تكون على ثلاث مراحل :
المرحلة الاولى: الإحاطة المستمرة: وهي التي تتم باستمرار قبل أن يعقد القاضي كل جلسة من جلسات المحاكمة لنظر القضية ، وتمكن هذه الإحاطة الجزئية القاضي من الالمام والاحاطة بوقائع النزاع التي وقعت أو تمت في الجلسات السابقة ، حتى يتكمن القاضي من الادارة الرشيدة للنزاع اثناء سير إجراءات المحاكمة ، وحتى يتمكن القاضي من مراقبة الخصوم في تقاضيهم ، واتخاذ الاجراءات والتدابير القانونية لضمان سرعة الفصل في النزاع ، وعدم الاخلال بضمانات المحاكمة العادلة.
المرحلة الثانية : الإحاطة قبل حجز القضية للحكم: وهي الإحاطة التي يقوم بها القاضي قبل قفل باب المرافعة وحجز القضية للحكم فيها ، للوقوف على وقائع النزاع وتقدير ما اذا كانت القضية صالحة للفصل فيها .
المرحلة الثالثة : الإحاطة النهائية: وهي التي يقوم بها القاضي بعد حجز القضية للحكم ، وأثناء دراسة القاضي لاوراق القضية قبل إعداد مسودة الحكم ، وهذه الاحاطة تكون شاملة ونهائية ، فمن خلالها تظهر للقاضي وجهة الحكم في القضية وأسباب الحكم واساسه ، والنصوص القانونية الواجبة التطبيق على وقائع النزاع وكيفية الرد والمناقشة لطلبات الخصوم واوجه دفاعهم.
ويجب أن تكون إحاطة القاضي بالنزاع في هذه المرحلة شاملة وعامة لكل وقائع النزاع، وكل ماورد في اوراق القضية ، ولذلك ترد في بداية أسباب الحكم عبارة (بعد الإطلاع على اوراق القضية) للتدليل على أن القاضي قد طالع كل اوراق القضية وانه قد احاط علما وفهما بكل وقائع النزاع وليس وقائع الدعوى فقط.
فالإحاطة النهائية لاتتحقق بمطالعة القاضي لصحيفة الدعوى والرد عليها فقط وإنما يجب على القاضي أن يتعقب وقائع النزاع من خلال الوقائع المذكورة في محاضر جلسات المحاكمة كافة ،ولا يعني ذلك أن يكتفي القاضي بمطالعة محاضر جلسات المحاكمة فقط وإنما يعني ذلك مطالعة القاضي للمذكرات والأدلة والتعقيبات والدفوع والردود وكل ما وقع من وقائع أثناء سير إجراءات المحاكمة المشار اليها في محاضر جلسات المحاكمة، وقد أشار الحكم محل تعليقنا الى أنه يجب على القاضي أن لا يكتفي بدراسة عريضة الدعوى وأدلتها فقط وإنما يجب على القاضي أن يتعقب المذكرات والإيضاحات والإستيفاءات التي قدمها المدعي أثناء سير إجراءات المحاكمة، ولا يتسنى ذلك إلا عن طريق رصد وقائع النزاع كلها المشار إليها في محاضر جلسات المحاكمة حتى يرجع إليها القاضي فيقوم بدراستها، فيحيط القاضي بوقائع النزاع كافة. (محاضرات في مقياس قانون الإجراءات المدنية والإدارية، د. روابح إلهام شهرزاد، جامعة البليدة الجزائر، 2023م، ص92).
الوجه الثالث: مفهوم حجز القاضي القضية للإطلاع:
من المسائل الخلافية التي تثير جدلا فقهيا وقضائيا في اليمن مسالة حجز القضية للاطلاع ، اذ يوحي هذا القرار ان القاضي لايطلع على وقائع النزاع الا عندما يقرر ذلك ، وان القاضي لايحيط بوقائع النزاع، فلو كان قد طالع ذلك لما قرر حجز القضية للإطلاع.
ولذلك فان بعض القضاة يحرص ان يقرن قراره بحجز القضية للإطلاع بالغرض من الاطلاع كان يذكر القاضي في قراره (وذلك للنظر في الطلب) وبعضهم يذكر العبارة الغامضة المالوفة في اليمن (وذلك لتقرير مايلزم).
في حين انه من المعروف ان القاضي لايحجز القضية للإطلاع الا إذا قام احد الخصوم بتقديم طلب أو دفع في الجلسة يجب على القاضي الفصل فيه بعد تقديمه ، وهذا الأمر يستدعي من القاضي ان يقوم بدراسة وقائع الطلب واسانيده في ضوء نصوص القانون وشروحه وفي ضوء إجراءات المحاكمة السابقة.
اما قرار حجز القضية للإطلاع في غير هذه الحالة فهو بدعة ما انزل القانون بها من سلطان سيما اذا تكرر هذا القرار وتضمن العبارة المشئومة في اليمن (حجز القضية لمزيد من الاطلاع) ، فهل من مزيد !!!.
الوجه الرابع: إطلاع القاضي وإحاطته المستمرة بوقائع النزاع أثناء سير إجراءات المحاكمة - وعلاقة ذلك بإدارة القاضي الرشيدة للنزاع والجلسات:
من أهم واجبات القاضي في العالم أن يقوم بدراسة ملف القضية كاملاً قبل دخوله جلسة المحاكمة ، حتى يحيط القاضي بوقائع النزاع وأدلة الخصوم والإجراءات التي سبق للمحكمة أن قامت بها، فعندئذٍ يتمكن القاضي من إدارة جلسة المحاكمة وإدارة الخصومة ومعرفة الجوانب والمسائل التي يجب إستيفاؤها أولاً بأول، ومن خلال ذلك يتمكن القاضي من الوقوف على مظاهر التقاضي الكيدي وإساءة إستعمال حق التقاضي، وفي ضوء ذلك يتمكن القاضي من توجيه الخصوم إلى الإلتزام بالطريق القويم في إجراءات التقاضي، وهذا كله يمكن القاضي من الفصل في الخصومات بيسر وسهولة ويقلل من الطعون في الاحكام، ومن دون تفريط بمبادئ المحاكمة العادلة، اما إذا لم يقم القاضي بدراسة ملف القضية قبل جلسة المحاكمة فإن زمام إدارة الخصومة يفلت من يد القاضي إلى أيادي الخصوم فتطول إجراءات التقاضي وتتعقد، بل ان القاضي الذي لم يطلع على ملف القضية قبل عقد الجلسة قد لايعلم بالمدعي والمدعى عليه الا من خلال طريقة وقوفهم بين يديه.
الوجه الخامس: إحاطة القاضي بالنزاع والإعمال الصحيح للقانون:
من المؤكد أن القاضي إذا لم يحط بوقائع النزاع وتفاصيله فأنه لن يتمكن من التطبيق الصحيح للقواعد والنصوص القانونية، لأن إلمام القاضي وفهمه الصحيح للوقائع هو المدخل الصحيح للتطبيق السليم للنصوص القانونية على وقائع النزاع، ولذلك يجب أن تتقدم الأسباب الواقعية على الأسباب القانونية عند تسبيب الحكم، ومن هذا المنطلق فإن عدم إحاطة القاضي وعدم إلمامه بوقائع النزاع من أهم وأخطر أسباب بطلان الاحكام القضائية،وتبعا لذلك فانه ايضا من اخطر اسباب إطالة اجراءات التقاضي وتعقيدها في اليمن.
الوجه السادس: رقابة محكمة الطعن على مدى إحاطة القاضي بوقائع النزاع:
من أهم الوسائل التي تمكن محكمة الطعن من الرقابة على إلمام القاضي وإحاطته بوقائع النزاع ان يقوم القاضي بتضمين اسباب الحكم ملخصا موجزا لوقائع النزاع يستهل به القاضي تسبيب حكمه، علاوة على أنه يجب ان يتم العرض التفصيلي لوقائع النزاع في سياق أسباب الحكم، فذلك يمكن محكمة الطعن من التحقق مما إذا كان القاضي قد احاط بالنزاع أم لا.
الوجه السادس: إحاطة القاضي بوقائع النزاع وإغفال الحكم لادلة الخصوم واوجه دفاعهم ودفوعهم وطلباتهم:
من المعلوم أن إغفال القاضي لأي من أدلة الخصوم أو دفوعهم أو أوجه دفاعهم الجوهرية من أكثر أسباب بطلان الأحكام في اليمن، ولاريب أن الإغفال مظهر من مظاهر عدم إحاطة القاضي بالنزاع، فلو احاط القاضي بوقائع النزاع وتفاصيله لما أغفل أي دليل أو طلب أو وجه دفاع جوهري، لأن الإحاطة تعني أن القاضي قد قام بمطالعة ودراسة كل وقائع النزاع ، وانه لم يترك شيئاً مما تضمنه ملف القضية ولم يدرسه ويناقشه.
الوجه السابع: عدم الإحاطة بوقائع القضية من أهم وأخطر أسباب إطالة إجراءات التقاضي في اليمن:
سبق القول أن عدم إحاطة القاضي بوقائع النزاع تؤدي إلى عدم الإعمال الصحيح للقانون، وأن كل الإغفالات التي تؤدي إلى بطلان الأحكام سببها عدم الإحاطة بوقائع النزاع، وهذا يعني أن عدم الإحاطة هو السبب الرئيسي لبطلان الأحكام في اليمن.
ومن المعروف أن بطلان الأحكام يؤدي إلى إعادة المحاكمات لمرات عدة مما يستنزف جهود القضاة والخصوم والعدالة، ومؤدى ذلك أن عدم الإحاطة بوقائع النزاع هو السبب الرئيسي لإطالة إجراءات التقاضي في اليمن، والله أعلم.

تعليقات
إرسال تعليق