كثرة الشكاوى بالموظف أو العامل لا تبرر فصله
كثرة الشكاوى بالموظف أو العامل لا تبرر فصله
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
لا يجوز لجهة الإدارة أو العمل أن تقوم بفصل الموظف بمبرر كثرة الشكاوى منه أو البلاغات عليه، فالشكاوى والبلاغات عبارة عن إدعاءات حتى لو كانت مؤيدة بالأدلة، فينبغي عندئذٍ على جهة العمل أو الادارة مواجهة الموظف او العامل المشكو به أو المبلغ به ، والإستماع إلى أقواله وأوجه دفاعه والسماح له بتقديم أدلته، شريطة أن تتم هذه الإجراءات عن طريق لجنة التحقيق المختصة في جهة العمل أو الادارة، فإذا تم التثبت من صحة تلك الشكاوى أو البلاغات فعندئذٍ يتم إحالة الموظف او العامل المخالف إلى مجلس التأديب لتوقيع الجزاء الاداري المناسب في حقه.
اما إذا قامت لجنة التحقيق بدراسة الشكوى ومن خلال ذلك تاكد لها أن مذكرة الشكوى أو البلاغ قد تضمنت قيام الموظف او العامل بإرتكاب جرائم جنائية يعاقب عليها قانون الجرائم والعقوبات أو غيره من القوانين العقابية الخاصة مثل السرقة والتزوير وخيانة الأمانة...الخ ، فحينئذ يجب على جهة الادارة او العمل إحالة الشكوى أو البلاغ إلى النيابة العامة لإجراء التحقيق الابتدائي الجزائي فيها والتصرف وفقا للقانون الجزائي.
وفي الواقع العملي يتم إستعمال مصطلح الشكوى على كل المذكرات التي تتضمن نسبة مخالفات إلى الموظف ،مع ان الشكوى في المفهوم القانوني الصحيح لاتطلق إلا إذا كان الشاكي هو المضرور من الفعل أو التصرف الصادر من الموظف المشكو به ، اما إذاكان الشخص الذي قدم المذكرة ليس المضرور من الافعال المذكورة بالمذكرة وانما موظف فان المذكرة في هذه الحالة تكون بلاغا وجوبيا ،واذا كان الشخص الذي قدم المذكرة مواطنا لم يتضرر من الافعال من أفعال المشكو به فان المذكرة في هذه الحالة تكون بلاغا جوازيا.
وفي كل الأحوال فأنه لا يجوز عزل الموظف او العامل لمجرد كثرة الشكاوى به اوالبلاغات عليه ، وانما يجب على جهة العمل أو الادارة إجراء التحقيق اللازم في تلك الشكاوى والبلاغات وإتخاذ الاجراء الاداري اللازم في ضوء نتائج التحقيق، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الإدارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 7-4-2013م في الطعن رقم (51780)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه: (أن الثابت من خلال المستندات المقدمة من الوزارة المستأنفة إنها عبارة عن شكاوى وخطابات إلى الوزير تتضمن مخالفات بعضها منسوبة للمستأنف ضدها، والقانون قد أوجب على جهة الادارة إتخاذ إجراءات محددة بشأن تلك المخالفات للتثبت من صحتها، فلا يجوز توقيع العقوبة على المستأنف ضدها إلا بعد إتباع الإجراءات القانونية المقررة في هذا الشأن)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي، أقرت الدائرة الإدارية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (وحيث أن ما ورد في أسباب الطعن بشأن الأدلة والإخلال بحق الدفاع جاء مرسلاً ومجملاً لا تظهر منه أوجه النعي بشكل واضح ومفصل، وحيث أن أسباب الحكم الاستئنافي جاءت كافية لحمل منطوقه ، لذلك لم تتوفر في الطعن أية حالة من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (292) مرافعات ، مما يستوجب رفض الطعن موضوعاً). وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: مفهوم الشكوى الإدارية:
تكون الشكوى جنائية إذا تضمنت نسبة أفعال جنائية للموظف المشكو به ، وتكون الشكوى إدارية إذا تضمنت نسبة مخالفات إدارية إلى الموظف المشكو به. والشكوى بصفة عامة عبارة عن: مذكرة مكتوبة يتم تقديمها من الشاكي المضرور وتتضمن هذه المذكرة بيان الأفعال والمخالفات المنسوبة للموظف أو إمتناع الموظف عن القيام بواجباته الوظيفية المقررة في القوانين أو اللوائح أو الأدلة، وتتضمن الشكوى مطالبة الشاكي لجهة العمل أو الادارة بإتخاذ الإجراءات القانونية حيال الموظف المشكو به، بالإضافة إلى ذلك فإن مذكرة الشكوى تتضمن اسم الشاكي وتوقيعه وتاريخ تقديم الشكوى واسم المشكو به وبيان الوقائع المنسوبة للموظف المشكو به والأدلة على تلك الوقائع ونسبتها للموظف المشكو به.
ولا تقبل الشكوى ولا ينطبق عليها هذا المسمى إلا إذا كان الشاكي نفسه هو المضرور من الأفعال التي قام بها المشكو به أو امتنع عن القيام بها.
اما إذا كان الشخص الذي قدم المذكرة ليس المضرور من الأفعال المنسوبة للموظف فإن المذكرة لا تكون شكوى وإنما تكون بلاغاً بالأفعال المنسوبة للموظف، ويكون البلاغ وجوبي إذا كان مقدم المذكرة موظفاً آخراً في جهة الإدارة ويكون البلاغ جوازياً إذا كان مقدم المذكرة مواطن عادي وليس موظفا ، حسبما هو مقرر في المادتين (93 و 94) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني.
الوجه الثاني: الفرق بين الشكوى الإدارية والشكوى الجنائية:
الشكوى الجنائية: هي مذكرة تتضمن الوقائع الجنائية المنسوبة للشخص المتهم بإرتكابها وتاريخ وقوعها، ويشترط أن يكون الشاكي هو المجني عليه بتلك الوقائع الجرمية، ويتم تقديم الشكوى إلى النيابة العامة أو إلى مأمور الضبط القضائي كقسم الشرطة حسبما هو مقرر في قانون الإجراءات الجزائية.
اما الشكوى الإدارية: فهي عبارة عن مذكرة تتضمن بياناً بالوقائع أو المخالفات الإدارية المنسوبة للموظف المشكو به الذي يعمل لدى جهة الإدارة أو العمل، شريطة أن تكون المخالفات التي تتضمنها الشكوى من المخالفات التي يجوز لجهة الإدارة أو جهة العمل التحقيق فيها وتوقيع الجزاء الإداري المناسب على الموظف او العامل المخالف وفقاً للقوانين او اللوائح أو الأدلة النافذة في جهة العمل أو الإدارة، ويشترط في الشكوى الإدارية أن يتم تقديمها من قبل الشخص المضرور من المخالفات الإدارية المنسوبة للعامل المشكو به.
والقاسم المشترك بين الشكوى الادارية والشكوى الجنائية انهما عبارة عن ادعاءات بشان الموظف او العامل المشكو به ، بيد انهما يختلفا من حيث الافعال الواردة في كل منهما ، ويختلفا من حيث الجهة المختصة بالتحقيق فيهما.
الوجه الثالث: الفرق بين البلاغ والشكوى:
حدد قانون الإجراءات الجزائية الفرق بين البلاغ والشكوى، وخلاصة ذلك أن الشكوى الجزائية لا يتم رفعها إلا من قبل الشخص المجني عليه، اما البلاغ فقد يتم تقديمه من الموظف فيكون وجوبياً، وإذا قام بتقديم البلاغ المواطن العادي فإن البلاغ يكون جوازياً، ويتم تقديم الشكوى الجزائية أو البلاغ الجنائي إلى النيابة العامة أو مأمور الضبط .
كذلك الحال بالنسبة للبلاغ الإداري اذ يتم تقديمه من غير المضرور من الافعال الواردة في البلاغ ، اما الشكوى الإدارية فيتم تقديمها من قبل المضرور من الافعال والتصرفات الواردة في الشكوى .
ويتم تقديم الشكوى الإدارية والبلاغ الإداري إلى إدارة الموارد البشرية أو الإدارة القانونية أو إدارة الإمتثال، وغالباً ما تحدد اللوائح وأدلة الموارد البشرية الإدارة المعنية بإستقبال الشكاوى والبلاغات. (مهارات الصياغة القانونية -التحقيق الإداري-، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص183).
ومن خلال ماتقدم يظهر الفرق بين البلاغ والشكوى، فالشكوى يتم تقديمها من الشخص المتضرر من الافعال الواردة فيها والبلاغ يتم تقديمه من الشخص غير المضرور .
الوجه الرابع: تصرف جهة الإدارة أو جهة العمل في الشكاوى والبلاغات المرفوعة إليها:
سبق القول في الأوجه السابقة أن الشكاوى والبلاغات التي تتضمن أفعال جنائية كالإختلاس والرشوة والسرقة وخيانة الأمانة ذكرنا إنه يجب تقديمها إلى النيابة العامة أو مأمور الضبط القضائي كقسم الشرطة لجمع الأدلة وضبط المتهمين والتحقيق والتصرف وفقاً للقانون.
اما بالنسبة لجهة العمل أو الإدارة فإنه يجب عليها عند تلقيها للشكاوى والبلاغات المتعلقة بالعاملين فيها يجب عليها دراسة هذه الشكاوى والبلاغات للتحقق مما إذا كانت الأفعال والمخالفات المذكورة فيها تخضع للتحقيق الإداري في جهة العمل، ولا تدخل ضمن الإختصاص الجنائي، فاذا ثبت لها أن الشكوى أو البلاغ يتضمن أفعال جنائية فيجب إحالة الموضوع إلى النيابة العامة، واذا كانت الافعال أو التصرفات عبارة عن مخالفات ادارية مما تحتاج إلى تحقيق اداري وفقا للقانون أو اللوائح أو الادلة فانه ينبغي تشكيل لجنة التحقيق لإجراء التحقيق اللازم .
كما ينبغي على الإدارة التي تتلقى الشكاوى الإدارية أو البلاغات الإدارية التحقق من جدية الشكوى والبلاغات قبل أن تباشر أي إجراء من إجراءات التحقيق الإداري. (المرجع السابق، ص189).
الوجه الخامس: تصرف جهة العمل أو الإدارة في الشكوى المرفوعة على الموظف أو العامل:
بعد أن تقوم الإدارة المختصة بتلقي البلاغات والشكاوى والتأكد من جديتها من خلال جمع الأدلة عن الشكوى اوالبلاغ، فإذا كانت المخالفات المنسوبة للموظف بموجب الشكوى مما يجب على جهة العمل أو الإدارة التحقيق فيها كما لو كان الجزاء المقرر على المخالفات هو الفصل من العمل، فعندئذٍ تقوم جهة الإدارة أو جهة العمل بإتباع الإجراءات المقررة في القانون بشأن التحقيق والتأديب الإداري، ويجب على الإدارة المختصة الإستماع إلى أقوال الموظف أو العامل المشكو به بعد مواجهته بما ورد في الشكوى والسماح له بتقديم أوجه دفاعه، وفي ضوء ذلك يحق لجهة الإدارة أو جهة العمل توقيع الجزاء الإداري على الموظف المشكو به أو المبلغ عنه.
الوجه السادس: مجرد كثرة البلاغات والشكاوى بالعامل لا تبرر فصله من العمل أو توقيع الجزاء الاداري عليه:
مهما كثرت البلاغات والشكاوى بالعامل أو الموظف التي تتلقاها جهة العمل أو جهة الإدارة فإن ذلك لا يبرر لجهة الإدارة أو جهة العمل توقيع أي جزاء إداري على العامل أو الموظف او فصله من العمل ، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، فإذا أرادت جهة الإدارة أو جهة العمل توقيع الجزاء الإداري بما في ذلك فصل الموظف أو العامل، ففي هذه الحالة يجب على جهة العمل أو الادارة أن تباشر التحقيق الإداري مع العامل أو الموظف المخالف، وإتخاذ الإجراءات التأديبية المحددة في القانون حسبما سبق بيانه، والله أعلم.
![]() |
| كثرة الشكاوى بالموظف أو العامل لا تبرر فصله |
