الوقف الأهلي بأكثر من الثلث

الوقف الأهلي بأكثر من الثلث

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.

 الوقف الاهلي وفقا لقانون الوقف اليمني هو الوقف على النفس أي أن يوقف الشخص المال على نفسه أو على ذريته، وقد صرح قانون الوقف النافذ بعدم جواز الوقف على النفس أو الذرية (الوقف الاهلي)، ومن جهة اخرى فقد صرح قانون الوقف اليمني النافذ بأنه لا يجوز للشخص أن يوقف أكثر من ثلث ماله، وفي الوقت ذاته صرح هذا القانون أن الأوقاف الاهلية القديمة السابقة لصدور القانون بأربعين سنة تكون صحيحة ولو كانت مخالفة لما ورد في القانون النافذ ، وكذلك الحال إذا كان الورثة قد تراضوا على الوقف الاهلي أو صدرت احكام بصحة الوقف الاهلي، ويسري هذا الأمر على الوقف الأهلي القديم إذا كان بأكثر من ثلث المال ، سيما ان كثيرا من الاوقاف الاهلية كانت تزيد على ثلث مال الواقف، بل ان بعضها كان يشمل كل مال الواقف الذي كان يوقفه على ذريته، وبحسب مفهوم الوقف الاهلي في قانون الوقف اليمني السابق بيانه وفقا لذلك يصح الوقف الاهلي القديم ولو كان مخالفا لقانون الوقف النافذ ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 10-6-2012م في الطعن رقم (45119)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه: (فقد تبين أن الوقفية المدفوع بها من قبل المستأنف والتي نصت على أن الجد الجامع للطرفين قد أوقف جميع ما يملكه وفقا للوقفية المحررة بتاريخ.... الشاملة لجميع أملاكه إلا تلك الموجودة في مسقط رأسه، وبالإطلاع على الحكم الابتدائي يظهر إنه قد اخطأ حينما قضى برفض الدفع مستنداً على أن المدعية لم تكن طرفاً في الاحكام السابقة بشأن ذلك الوقف، فقد تغافل الحكم الابتدائي عن مانع آخر يلزم من وجوده إمتناع الحكم وعدم سماع الدعوى ، وهو المادة (46) من قانون الوقف الواردة في أحكام الوقف الأهلي التي نصت على إنه (إذا كانت قد صدرت فيها أحكام شرعية بصحتها او كان الورثة قد تراضوا عليها او مضى عليها أربعون عاماً تبقى على ما هي عليه...إلخ) ، وحيث أن هذا الوقف قد مر عليه أكثر من مائة وأربعين عاماً، فالمانع مقدم على المقتضى، فما امتنعت فيه الدعوى امتنع سماع البينة بشأنه)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (وبالتأمل وإمعان النظر في حيثيات وأسباب الحكم الاستئنافي وعريضة الطعن والرد عليها فقد تبين: أن أسباب الحكم الاستئنافي قانونية صحيحة لما استندت إليه، وان ما اثاره الطاعنون بشأن الخلل في الإجراءات مخالف لما هو ثابت في الأوراق، ولذلك فإن الحكم الاستئنافي جاء موافقاً للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: ما يجوز للشخص أن يوقف من ماله بموجب قانون الوقف اليمني النافذ:

حددت المادة (17) من قانون الوقف اليمني القدر الذي يجوز للشخص أن يوقفه من ماله وهو ثلث ماله فقط، فقد نصت هذه المادة على إنه (لا يصح للشخص أن يقف أكثر من ثلث ماله إذا كان له وارث حال الوقف)، فإذا كان للشخص وارث فلا يصح أن يوقف من ماله إلا الثلث فقط حسبما ورد في هذا النص، والظاهر من هذا النص أن الغرض من منع الوقف بأكثر من ثلث المال هو حماية حقوق ورثة الشخص الواقف، فاذا كان الوقف قد صدر للورثة انفسهم فان ذلك لايخل بحقوق الورثة.

الوجه الثاني: الوقف بأكثر من الثلث في الفقه الإسلامي:

يجوز للمسلم أن يوقف جميع أملاكه وقفاً منجزاً حال صحته بشرط أن لا يترتب على ذلك نقص كفاية من تلزمه نفقتهم، لأن نفقة هؤلاء واجبة والوقف تبرع أو نافلة ، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) لأن النفقة واجبة والوقف تطوع ونافلة.

وكذا يجوز للشخص أن يوقف ماله كله في الحال على أولاده، ويستحب أن يسوي بين أولاده في الوقف، وكذلك يجوز أن يكون الوقف بجميع المال معلقاً على موت الواقف كأن يقول: إذا مت فمالي وقف على أولادي ، فهذا الوقف جائز عند جمهور الفقهاء.

ونخلص من هذا الوجه إلى القول: إنه يجوز في الفقه الإسلامي للشخص أن يوقف جميع أملاكه لأولاده او لغيرهم منجزاً او مضافاً إلى ما بعد موت الواقف.

الوجه الثالث: الوقف الأهلي القديم لا يبطل ولو كان بأكثر من ثلث أملاك الواقف او بجميع أملاك الواقف على ذريته:

استند الحكم محل تعليقنا في قضائه إلى المادة (46) من قانون الوقف اليمني التي نصت على إنه (الأوقاف الأهلية القديمة التي لا تتفق شروطها مع الشروط المنصوص عليها في هذا القانون إذا كانت قد صدرت فيها أحكام شرعية بصحتها أو كان الورثة قد تراضوا عليها او مضى عليها أربعون عاماً تبقى على ما هي عليه ولا تنقض إلا بتراضي أهل المصرف او أغلبهم بحسب الإستحقاق وأوفرهم صلاحاً، ويقدم من خلال الجهة المختصة للحاكم للتحقيق والإذن بنقض الوقف إذا تحققت المصلحة).

والظاهر من هذا النص أن الأوقاف الأهلية القديمة السابقة على صدور قانون الوقف بأربعين سنة تكون جائزة وفقاً للقانون ولو كانت مخالفة لشروط الوقف وأحكامه الواردة في القانون النافذ، وكذلك الحال بالنسبة للوقف الاهلي إذا كان الورثة قد تراضوا عليه قبل صدور القانون أو كانت قد صدرت بصحة هذا الوقف احكام قضائية ، ولايشترط ان يكون التراضي بين الورثة أو صدور الاحكام قبل صدور القانون باربعين سنة بل يكفي ان يقع التراضي أو صدور الاحكام قبل صدور القانون مطلقا ولو بيوم واحد، وينطبق هذا الحكم القانوني على الأوقاف القديمة السابقة على صدور القانون التي قام الواقفون بوقف جميع أملاكهم على أولادهم أو على ذريتهم طالما أن الورثة قد تراضوا عليها أو صدرت احكام بصحتها أو كانت هذه الأوقاف قد تمت قبل صدور قانون الوقف بأربعين عاماً، ومن المعلوم أن قانون الوقف قد صدر بتاريخ 29-3-1992م.

الوجه الرابع: مبدأ عدم رجعية القانون ونص المادة (46) من قانون الوقف اليمني:

سبق أن عرضنا في الوجه السابق نص المادة (46) من قانون الوقف اليمني التي نصت على أن الأوقاف القديمة صحيحة تبقى على ما هي عليه ولو كانت مخالفة لشروط الوقف الواردة في القانون طالما أن تلك الأوقاف الأهلية قد تمت قبل صدور قانون الوقف بأربعين سنة أو تراضى الورثة عليها أو صدرت احكام بصحتها .

ولاشك أن النص على سريان القانون باثر رجعي لمدة اربعين سنة قبل صدوره مخالف لمبدأ عدم رجعية القانون الذي يعني أن القانون يكون اثره فورياً أي إنه يتم العمل بأحكامه من تاريخ صدوره وليس قبل ذلك، فالمادة (46) وقف قد جعلت أحكامها سارية على الوقائع او الأوقاف التي تمت قبل صدور القانون باربعين سنة، بمعنى أن الأوقاف الأهلية القديمة التي لا تتفق مع أحكام القانون الصادر بعد القانون تسري على الأوقاف الأهلية القديمة التي صدرت قبل صدور القانون بمدة تقل عن أربعين عاماً، وهذا النص مثار إنتقاد جمهرة من رجال القانون في اليمن وغيرها، والله أعلم.

الوقف الأهلي بأكثر من الثلث
الوقف الأهلي بأكثر من الثلث

مقالات ذات صلة 

تعليقات