المرأة بين عضل الولي وعضل القضاء
المرأة بين عضل الولي وعضل القضاء
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
من المندوبات في الشريعة الإسلامية التعجيل بتزويج المرأة إذا طلب الزواج منها الكفؤ صاحب الدين والخلق، عملا بحديث ان النبي صلى الله عليه واله وصحبه وَسَلَّمَ قال للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : (ياعلي : ثلاث لا تؤخرها الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم اذا وجدت لها كفؤا) ، لذلك يجب على ولي المرأة المبادرة إلى الإستجابة إلى طلب الزواج بالمراة التي تكون في ولايته طالما وقد تحقق الولي من كفاءة طالب الزواج بها، فلا ينبغي للولي أن يتراخى في ذلك إلا إذا كان التراخي بقصد التريث للتحقق من توفر صفات الكفاءة في طالب الزواج، وصفات الكفاءة في القانون اليمني هي : الدين والخلق، فإذا كان تريث الولي لغير ذلك فإن ذلك يكون عضلاً.
وعلى هذا الاساس فانه يجب على القاضي ان ينظر دعوى العضل بإجراءات مستعجلة في جلسات متتالية، فليس من المقبول شرعا وقانونا ان يتم النظر والفصل في دعوى العضل كالدعاوى العادية، فلايعقل ان يستغرق النظر والفصل في دعوى العضل سنوات طويلة، فهذه المدة الطويلة ستكون اشد وطاة من عضل الولي الذي صرح بعض الفقهاء بانه يقع اذا تراخى الولي في رده على طلب الزواج حتى يكمل الولي صلاة النافلة!!!؟، ولأجل ذلك فقد حاول المقنن اليمني في تعديلات قانون المرافعات عام 2021م معالجة هذا الأمر في المادة (86) التي نصت على أن: يكون الحكم الابتدائي نهائيا غير قابل للطعن بالاستئناف وقابلا للطعن امام المحكمة العليا في قضايا الاحوال الشخصية بشان الزواج والطلاق...الخ، وبسبب هذا النص تراكمت قضايا الأحوال الشخصية في المحكمة العليا ومنها احكام العضل ،وظلت احكام العضل رهينة في المحكمة العليا لسنوات فتعطلت الحكمة من رفع دعوى العضل امام القضاء فصار القضاء ذاته عاضلا.
ومن هذا المنطلق فاننا نوصي المقنن اليمني: بأن يتم تضمين المادة(18) من قانون الاحوال الشخصية فقرة تنص على أن : (يتم نظر دعوى العضل بإجراءات مستعجلة في جلسات متتالية وان يكون الحكم الابتدائي فيها نهائيا)، لأن هذا الحكم خاص بدعوى العضل خاصة ،فمحل هذا التعديل هو قانون الاحوال الشخصية وليس قانون المرافعات ، نامل الاهتمام بهذه التوصية حتى لاتكون اجراءات التقاضي الطويلة عضلا من القضاء.
وبناء على ذلك فقد وجدنا انه من المناسب الاشارة الى هذه المسالة في سياق التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 27-3-2012م في الطعن رقم (49185)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى: (بثبوت عضل المدعى عليه وإمتناعه عن تزويج ابنته المدعية كونها بالغة عاقلة راضية، وحال كون المتقدم لها كفؤا لها في دينه وخلقه حسب الشرع والعرف)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الابتدائي أن تريث الولي المقرر في القانون هو الذي يكون القصد منه التحقق من كفاءة طالب الزواج، وقد قضى الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي: (أن ما ذكره المستأنف مردود عليه بالمادتين (18 و 19) أحوال شخصية، وان ما تذرع به المستأنف من عدم كفاءة الخاطب للمدعية فلا وجه له حسبما ورد في أسباب الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي، أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، ورفضت الطعن موضوعاً)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: معنى عضل الولي عن تزويج البالغة العاقلة الراضية :
العضل: هو إمتناع ولي المرأة البالغة العاقلة الراضية من تزوجيها برجل كفء لها بعد تحقق الولي من كفاءة الرجل المتقدم للزواج بالمرأة، وفي هذا المعنى نصت المادة (19) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على إنه (يعتبر الولي عاضلاً إذا امتنع عن تزويج المرأة وهي بالغة عاقلة راضية من كفء إلا أن يكون ذلك منه تريثاً للتعرف على حال الخاطب ، على أن لا تزيد مدة التريث على شهر) ، فإذا انقضت مدة التريث المحددة في النص السابق وهي الشهر فإن الولي في هذه الحالة يكون عاضلاً، وفي هذه الحالة يتم تطبيق أحكام العضل المقررة في المادة (18) أحوال شخصية الاتي بيانها.
الوجه الثاني: نقل القاضي للولاية من الولي العاضل إلى الولي الذي يليه:
إذا ثبت للقاضي عضل الولي فإن القاضي يقوم بنقل الولاية من العاضل إلى الولي الذي يليه عملا بالفقرة (2) من المادة (18) أحوال شخصية التي نصت على إنه (-2- إذا عضل ولي المرأة أمره القاضي بتزويجها فإن امتنع أمر القاضي من يليه من الأولياء الأقرب فالأقرب بتزويجها فإن فقدوا او عضلوا زوجها القاضي بكفء ومهر مثلها)، أي أن القاضي يقوم عند ثبوت العضل بنقل الولاية من الولي العاضل إلى الولي الذي يليه بحسب ترتيب الأولياء المحدد في المادة (16) أحوال شخصية التي نصت على أن (ولي عقد الزواج هو الأقرب فالأقرب على الترتيب الأب وإن علا ثم الإبن وإن سفل ثم الأخوة ثم ابناؤهم ثم الأعمام ثم ابناؤهم ثم أعمام الأب ثم ابناؤهم كذلك، ويقدم من تكون قرابته لأب وأم وإذا تعدد من هم في درجة واحدة كانت الولاية لكل منهم ويصح عقد من سبق منهم...إلخ)، واذا عضل الأولياء جميعا أو لم يوجد للمراة ولي غير الولي العاضل ففي هذه الحالة تنتقل الولاية إلى القاضي حسبما ورد في النص السابق وبحسب ماورد في المادة (17) أحوال شخصية التي نصت على أن (القاضي ولي من لا ولي له).
الوجه الثالث: دعوى العضل ووجوب إثبات العضل :وتوصيتنا للمقنن اليمني:
نصت المادة (18) أحوال شخصية على إنه (-2- إذا عضل ولي المرأة أمره القاضي بتزويجها فإذا امتنع أمر القاضي من يليه من الأولياء الأقرب فالأقرب بتزويجها فإن فقدوا او عضلوا زوجها القاضي بكفء ومهر مثلها -3- لا يقبل قول المرأة فيما ذكر في الفقرتين السابقتين من هذه المادة إلا ببرهان)، فهذا النص صريح في أن القاضي لا يستطيع تطبيق أحكام العضل ونقل الولاية من العاضل إلا عن طريق دعوى تقوم برفعها المرأة ذات الصفة والمصلحة التي عضل وليها عن تزويجها من كفء، ويجب أن تشتمل هذه الدعوى على البيانات اللازمة للدعوى المحددة في المادة (104) مرافعات ، ويتم رفع دعوى العضل بالإجراءات المعتادة لرفع الدعاوى المقررة في قانون المرافعات.
ومن جانب آخر فإن النص القانوني السابق قد صرح بأنه يجب على المرأة المدعية بالعضل أن تقدم الأدلة التي تدل على ثبوت العضل وكفاءة المتقدم بالزواج منها، ومؤدى ذلك إنه يجب على المرأة أن تضمن أو ترفق بدعواها الأدلة على أنها بالغة عاقلة راضية بالزواج وإن المتقدم للزواج كفؤ لها ،وقد حدد القانون الصفات المعتبرة في الكفاءة للزواج حيث حصرها القانون في (الدين والخلق) ، حسبما هو مقرر في المادة (48) أحوال شخصية التي نصت على أن (الكفاءة معتبرة في الدين والخلق وعمادها التراضي، ولكل من الزوجين طلب الفسخ لإنعدام الكفاءة)، ومعنى ذلك إنه يلزم المرأة المدعية بالعضل أن تثبت أن المتقدم للزواج بها متمتع بصفة (الدين) والمقصود بها إنه محافظ على الشعائر الإسلامية كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وكذا ينبغي عليها أن تثبت أن المتقدم للزواج (حسن الخلق) ومعنى ذلك إنه ليس من أصحاب الشر والفسوق وسوء الإخلاق، وإثبات حسن الخلق فيما يتعلق بالعشرة الزوجية قبل قيامها صعب، ولكن الأصل هو أن المسلمين عدول ، فعلى من يدعي خلاف ذلك أن يثبت أن المتقدم للزواج سيء الخلق او سيء العشرة، وينبغي على المرأة المدعية أن تثبت أن وليها قد تريث للسؤال عن كفاءة المتقدم للزواج لمدة تزيد على الشهر إلا أنه وبعد مضي مدة الشهر استمر الولي في عضله.
وعملاً بمبدأ المواجهة فأنه يجب أن يتم نظر دعوى العضل في مواجهة الولي العاضل حتى يتمكن من تقديم أوجه دفاعه في مواجهة دعوى العضل، وفي ضوء ذلك يحكم القاضي بقبول دعوى العضل أو رفضها.
ويجب على القاضي ان ينظر دعوى العضل بإجراءات مستعجلة في جلسات متتالية، فليس من المقبول شرعا وقانونا ان يتم نظر دعوى العضل كالدعاوى العادية، فلايعقل ان يتم النظر والفصل في دعوى العضل (سبع سنوات) على النحو الوارد في الحكم محل تعليقنا (محكمة ابتدائية واستئناف وعليا).
فلايعقل ان يستغرق النظر والفصل في دعوى العضل سنوات طويلة، فهذه المدة الطويلة ستكون اشد وطاة من عضل الولي الذي صرح بعض الفقهاء بانه يقع اذا تراخى الولي في رده على طلب الزواج حتى يكمل الولي صلاة النافلة!!!؟، ولأجل ذلك فقد حاول المقنن اليمني في تعديلات قانون المرافعات عام 2021م معالجة هذا الأمر في المادة (86)التي نصت على أن: يكون الحكم الابتدائي نهائيا غير قابل للطعن بالاستئناف وقابلا للطعن امام المحكمة العليا في قضايا الاحوال الشخصية بشان الزواج والطلاق...الخ، وبسبب هذا النص تراكمت قضايا الأحوال الشخصية في المحكمة العليا ومنها احكام العضل ، وظلت احكام العضل رهينة في المحكمة العليا لسنوات فتعطلت الحكمة من رفع دعوى العضل امام القضاء فصار القضاء ذاته عاضلا.
ومن هذا المنطلق فاننا نوصي المقنن اليمني: بأن يتم تضمين المادة (18) من قانون الاحوال الشخصية فقرة تنص على أن : (يتم نظر دعوى العضل بإجراءات مستعجلة في جلسات متتالية وان يكون الحكم الابتدائي فيها نهائيا) لأن هذا الحكم خاص بدعوى العضل خاصة ، فمحل هذا التعديل هو قانون الاحوال الشخصية وليس قانون المرافعات ، نامل الاهتمام بهذه التوصية حتى لاتكون اجراءات التقاضي الطويلة عضلا من القضاء.
الوجه الرابع: تريث الولي ومدته والغرض منه:
الولي ركن من أركان عقد الزواج عند الفقهاء عدا الحنفية، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (لا نكاح إلا بولي وشهادي عدل) ، وقد أخذ قانون الاحوال الشخصية اليمني بقول جمهور الفقهاء وقرر قاعدة لا زواج إلا بولي وشاهدي عدل، لأن ولي المرأة يتولى المحافظة عليها ورعاية مصالحها والتحقق من كفاءة الرجل الذي يتقدم للزواج بها، لأن الولي بإعتباره ذكراً له علاقاته واتصالاته بعالم الرجال ويستطيع الوقوف على أحوالهم وشئونهم والتحقق من كفائتهم.
ولذلك فمن حق الولي أن لا يبادر بقبول طلب المتقدم للزواج بالمرأة مباشرة إلا إذا كان قد سبق للولي التحقق من كفاءة المتقدم للزواج، فإذا لم يكن الولي على علم بحال المتقدم للزواج فأنه يحق للولي أن يتريث فلا يقبل طلب المتقدم للزواج حتى يتحقق من كفائته، فللولي ان يتريث في ذلك حتى يتحقق من مدى توفر صفات الكفاءة المعتبرة شرعاً وقانوناً في المتقدم للزواج، وحتى تكون مدة التريث منضبطة فقد جعل القانون اليمني الحد الأقصى لمدة تريث الولي شهراً بدءاً من تاريخ تقدم الرجل الراغب بالزواج، فإذا انقضت مدة الشهر فإن الولي يكون بعد هذه المدة عاضلاً، علماً بأن الفقه الإسلامي قد تشدد في مدة التريث حتى أن بعض الفقهاء قد ذهب إلى أن الولي إذا قام بتأجيل الرد على طلب الراغب بالزواج إلى ما بعد أن يصلي الولي صلاة النافلة فإن ذلك يعد عضلاً. (الوجيز في أحكام الأسرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص56).
الوجه الخامس: حكم القاضي في دعوى العضل:
لاريب أن لدعوى العضل طبيعتها الخاصة حسبما سبق بيانه نظراً لكثرة الإجراءات التي ينبغي على القاضي النظر فيها وإرتباط هذه الإجراءات فيما بينها، ولأن كل إجراء من هذه الإجراءات يترتب على الإجراء السابق له، ولانه يتحتم على القاضي ان ينظر دعوى العضل بإجراءات مستعجلة وفي جلسات متتالية ، ولذلك ينبغي على القاضي عند الفصل في دعوى الفصل أن يراعي الطبيعة الخاصة لدعوى العضل.
فالقاضي عند الفصل في دعوى العضل يجب عليه أولاً الفصل في مسألة العضل ومدى ثبوته فإذا ثبت له العضل فإنه يحكم أولاً أو في الفقرة الأولى من المنطوق بثبوت العضل، ثم يحكم في الفقرة الثانية بنقل الولاية من الولي العاضل إلى الولي الذي يليه وان يصرح القاضي انه يجب على الولي الذي نقلت اليه الولاية تزويج المدعية بالعضل، ولايحكم القاضي بنقل الولاية الا بعد أن يكون القاضي قد وقف على ترتيب الأولياء ومدى توفر الشروط فيهم ومدى موافقة الولي التالي على إبرام عقد الزواج وما إذا كان بوسع القاضي تنفيذ حكمه فيما يتعلق بإلزام الولي التالي بإبرام عقد الزواج بعد نقل الولاية اليه، لأن الواقع العملي يدل على أن القاضي عندما ينقل الولاية إلى من يلي الولي العاضل يتجنب الولي التالي إبرام عقد الزواج خوفاً من الإشكاليات التي تحدث داخل الأسرة او فيما بين الولي العاضل والولي التالي الذي قضى القاضي بنقل الولاية إليه، ففي الواقع العملي فإن القاضي لا ينقل إالولاية إلى الولي التالي مباشرة إلا إذا تحقق القاضي من موافقة هذا الولي وما إذا كان موجوداً ضمن نطاق إختصاص المحكمة وما إذا كان قابلاً لإبرام عقد الزواج وإلا فإن القاضي ينقل الولاية إلى ما بعد التالي.
وفي بعض الحالات يتعذر على القاضي نقل الولاية إلى الولي الأقرب حسبما ورد في المادة (18) أحوال شخصية السابق ذكرها، فيحكم القاضي بتزويجها من قبل القاضي نفسه، عملاً بالمادة (17) التي نصت على أن (القاضي ولي من لا ولي له)، وفي هذه الحالة فإنه يجب على القاضي نفسه أن يتولى تزويج المرأة التي عضل وليها عن زواجها ، لان الولاية مقصورة على القاضي حسبما ورد في النصين السابقين ، فلا يحق للقاضي أن يسند هذه الولاية إلى غيره كامين السر أو غيره حسبما يقع في بعض الاحكام ، والله اعلم.
![]() |
| المرأة بين عضل الولي وعضل القضاء |

تعليقات
إرسال تعليق