قسمة الوقف الذري: تعريفه، دوافعه، كيفية استفادة الذرية وتوضيح دور النساء في الوقف الذري
قسمة الوقف الذري: تعريفه، دوافعه، كيفية استفادة الذرية وتوضيح دور النساء في الوقف الذري
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
الوقف عامة : هو حبس عين الوقف أو رقبته وتخصيص منفعته في قربة لله تعالى، اما الوقف على الذرية أو الوقف على الذرية فهو: حبس العين الموقوفة أو رقبتها وتخصيص منفعتها في ذرية الواقف خاصة.
والوقف الذري محل خلاف بين الفقهاء، فقد ذهب غالبية الفقهاء إلى جواز الوقف الذري ، لأن الوقف من قبيل المعروف والاحسان ، والأقربون أولى بالمعروف فالذرية من الاقربين، لأن الواقف يخشئ على ذريته من الفقر والحاجة فيوقف المال عليهم ، ولان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أوقف ارضا له بخيبر اوقفها لذريته من بعده وللمسلمين ، في حين ذهب فريق آخر من الفقهاء إلى عدم جواز الوقف الذري لإنتفاء القربة فيه ، ولأنه حبس للأموال من التداول خلافاً لسنة الله تعالى، فقد قال تعالى {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر، من الآية: (7)].
والوقف الذري بشكل غالب أموال الوقف باليمن وغيرها ، بيد أن قانون الوقف الشرعي اليمني النافذ الصادر بتاريخ 29-3-1992م قد منع الوقف على الذرية ، حسبما هو مقرر في المادة (33) من قانون الوقف اليمني، إلا أن القانون ذاته اجاز الوقف على الذرية السابق على صدور القانون بأربعين سنة، وكذا اجاز القانون الوقف الذري الذي صدرت أحكام من القضاء بصحته أو تراضي الورثة عليه، حسبما ورد في المادة (46) من قانون الوقف اليمني.
و الوقف الذري: يعني حبس الأموال الموقوفة عن البيع أو أي تصرف من التصرفات الناقلة لملكية الوقف كالهبة، في حين يتم تخصيص منافع أو عائدات الأموال الموقوفة على ذرية الواقف المتعاقبين خاصة دون غيرهم.
وفي غالب حالات الوقف الذري ينص الواقف في وثيقة الوقفية على أن تتم قسمة الأموال الموقوفة بين ذريته المتعاقبين على سبيل الإنتفاع بتلك الأموال وان تتم قسمتها بحسب الفرائض الشرعية على أن تكون قسمتها قاصرة على الإنتفاع بها وليس بقصد تملكها، فلا يجوز للموقوف عليهم ذرية الواقف البيع أو التصرف بتلك الأموال أو نقل ملكيتها لانها موقوفة ، وعلى هذ النحو تتم قسمة أموال وقف الذرية جيلاً بعد جيل بحسب الفرائض الشرعية، وهذا هو حال غالب الوقف الذري باليمن وغيرها.
وقد اشار إلى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 14-1-2017م في الطعن رقم (58700)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي أيد قضاء الحكم الابتدائي( برفض دعوى نقض قسمة الوقف الذري التي قد تمت قبل أربعين سنة من تاريخ رفع الدعوى ، وأن والد المدعي كان قد استلم فصله في ذلك الحين، فالثابت حصول القسمة للوقف الذري عام.... وتم إعطاء والد المدعي فصله المتضمن نصيبه وهو نصف الثلث ، ومضى على القسمة أكثر من أربعين سنة، فالواجب قنوع المدعي عن دعواه)، وقد أيد الحكم الاستئنافي الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة: أن حكم الاستئناف بتأييد الحكم الابتدائي في قضائه برفض الدعوى لسبق القسمة وتعاقب القسمات لمورث المذكورين من الوقف الذري، فقد وجدت الدائرة: أن الحكم الاستئنافي موافق لأحكام الشرع والقانون لما علل به واستند إليه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: ماهية الوقف الذري
الوقف بصفة عامة هو : حبس مال والتصدق بمنفعته أو ثمرته على سبيل القربة، حسبما هو مقرر في المادة (3) من قانون الوقف اليمني، وعلى هذا المعنى فإن الوقف على الذرية هو: حبس مال والتصدق بمنفعته أو ثمرته على ذرية الواقف خاصة.
وعلى هذا المعنى فإن أموال الوقف الذري تكون محبوسة لا يجوز لذرية الواقف المتعاقبين بيعها أو التصرف فيها بأي تصرف من التصرفات الناقلة لملكيتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إذ يقتصر حق ذرية الواقف المتعاقبين على الإنتفاع بتلك الأموال الموقوفة أو إستغلال ثمارها أو عائداتها أو إيجاراتها ، في حين تظل ملكية الرقبة لله سبحانه وتعالى.
الوجه الثاني: الباعث على الوقف الذري
لا ريب أن الباعث للواقف على الوقف الذري هو القربة إلى الله تعالى وعدم ترك الواقف ذريته ضعافاً يتكففوا الناس، غير أنه قد يكون الباعث على الوقف الذري خوف الواقف من فقر وفاقة ذريته من بعده نتيجة بيعهم لأنصبتهم من المال، فالواقف يهدف إلى حبس ملكية العين الموقوفة لله تعالى وفي الوقت نفسه حبس منفعتها في ذريته خشية فقرهم وفاقتهم ، فالخوف على مصير الذرية هاجس يراود بني البشر عامة ، فقد ظهر هذا الخوف في دعاء النبي زكريا عليه السلام ، وذلك في قوله تعالى (رب إني وهن العظم مني واشتعل الراس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من وراءى وكانت امراتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من ال يعقوب واجعله رب رضيا) ، فهذه الاية الكريمة تحكي شعور النبي زكريا عليه السلام حينما شعر بكبر سنه وان ذريته من النساء لاكافل لهن من بعده، فقد خاف زكريا على النساء من ذريته (وهن الموالي بلغة مصرحسبما ذكر الأمام السيوطي) ، خاف االنبي زكريا على مصير ذريته وهن موالي أي نساء لاكافل لهن، فدعاء زكريا الله تعالى ان يهب له ولدا ذكرا يكفل الموالي من بعد زكريا عليه السلام ،فالانسان يخاف على مصير ذريته من بعده .
الوجه الثالث: كيفية إنتفاع الذرية بالوقف الذري وقسمته بين ذرية الواقف
غالباً ينص الواقف في وثيقة الوقف الذري (الوقفية) ينص على أن الإنتفاع بالعين الموقوفة أو الأموال الموقوفة يكون بحسب الفرائض الشرعية، وأن هذا الوقف ينتقل بين الذرية وتتم قسمته بين ذرية الواقف جيلاً بعد جيل بحسب الفرائض الشرعية إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها، وويذكر الواقف أنه لا يجوز لاي من ذريته او من غيرهم لايجوز له التصرف بالأعيان الموقوفة بالبيع أو بغيره من التصرفات الناقلة للملكية.
وعلى ذلك فإن الوقف الذري يشابه الوقف الخيري من حيث حبس المال من التصرف الناقل للملكية ، غير أنه يختلف عن الوقف الخيري في أن منفعة الوقف الذري تكون لذرية الواقف خاصة.
وفي بعض الحالات يكتفي الواقف بالنص في الوقفية على أنه قد حبس أو أوقف بعض ماله على ذريته ، دون أن ينص في الوقفية على أن يتم تقسيم الوقف الذري بين ذريته بحسب الفرائض الشرعية، ففي هذه الحالة أيضا تتم قسمة الوقف بين الذرية بحسب الفرائض الشرعية، حيث يورث الوقف الذري بين الذرية جيلا بعد جيل وبحسب الفرائض الشرعية ، غير أنه لا يجوز للذرية التصرف بأعيان الوقف بأي تصرف ناقل لملكية العين كالبيع والهبة والنذر...إلخ.
ونخلص من هذا الوجه إلى القول: بأن الوقف الذري ينتقل بين ذرية الواقف جيلا بعد جيل وفقاً لقواعد الإرث وبحسب الفرائض الشرعية، وانه تتم قسمة الانتفاع بالوقف الذري جيلا بعد جيل بحسب الفرائض الشرعية.
الوجه الرابع: عدم دخول النساء في مفهوم ذرية الواقف أو في الوقف الذري عند جمهور الفقهاء
يذهب جمهور الفقهاء إلى أن النساء لا يدخلن في المفهوم الشرعي لذرية الواقف، لأن بنات الواقف على ذريته وإن كن ينسبن إلى ابيهن إلا أن أولادهن لا ينسبوا إليهن أو إلى آبائهن، وإنما ينسبوا إلى ازواج بنات الواقف وهولاء الازواج ليسوا من ذرية الواقف ، ولذلك نظم الفقهاء القول : بنونا بنوا آبائنا ... وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد.
ويذهب بعض الفقهاء إلى أن البنات من ذرية الواقف، لأن الله تعالى ذكر عيسى عليه السلام من ضمن ذرية إبراهيم عليه السلام ، مع أن عيسى عليه السلام هو ابن بنت وهي مريم عليها السلام، فقد قال تعالى {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: (84 – 85 – 86)]، فقد ذكر الله تعالى (عيسى ابن مريم) ضمن ذرية إبراهيم عليه السلام مع ان عيسى ابن بنت وليس ابن ابن، وفي ذلك دليل على دخول أبناء البنات ضمن الذرية، وعلى راي جمهور الفقهاء فإن النساء لا يدخلن في وقف الذرية، والله أعلم.
