شهادة زوج البنت

شهادة زوج البنت

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
شهادة زوج البنت
شهادة زوج البنت
لم يصرح قانون الإثبات اليمني بعدم قبول شهادة الأقارب بسبب النسب أو بسبب المصاهرة، غير أنه اشترط في الشاهد أن لا يجر لنفسه نفعاً أو يدفع عن نفسه ضررا، حسبما هو مقرر في المادة (27) إثبات، وطبقاً لهذا الشرط فإن القريب يكون له مصلحة عند الأدلاء بشهادته في أن يدفع عن قريبه الضرر وان يجلب له النفع، لأن الشاهد نفسه ينتفع أو يتضرر من الأدلاء بشهادته لصالح قريبه، فتأثير القرابة على الشهادة ليس خافياً، فهذا التأثير يؤرث الشبهة والشك في الشهادة، بما في ذلك شهادة زوج البنت، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 27-11-2010م في الطعن رقم (41643)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: ((فنعي الطاعن في غير محله حيث أن المحكمة الابتدائية المؤيد حكمها بالحكم الاستئنافي قد سببت لذلك بقولها: أما شهادة الشاهد فهو زوج ابنة المدعية وكان ساعياً، فالواضح أنه في مركز الخصم إلى جانب أنه يدفع عن نفسه ضرراً ويجر لنفسه نفعاً وفقاً لنص المادة (27) إثبات، فما ذهبت إليه المحكمة الابتدائية في أسباب حكمها من أن الشاهد يجر بشهادته لنفسه نفعاً ويدفع عنها ضرراً قد وافق صحيح القانون))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الاول: موقف الفقه الإسلامي من شهادة الأقارب:

الفقه الإسلامي هو المرجع في تفسير النصوص القانونية وتطبيقها حسبما نصت عليه المادة (18) مدني، ولذلك من اللازم الإشارة بإيجاز إلى القرابة المانعة للشهادة في الفقه الإسلامي، وفي هذا الشأن ذهب الزيدية والحنفية والظاهرية إلى قبول شهادة الأصول للفروع وشهادة الفروع للأصول وقبول شهادة كل قريب لقريبه طالما ان الشاهد عدل بغض النظر عن قرابته، اما الشافعية والحنابلة فقد ذهبوا إلى عدم قبول شهادة الأصول للفروع وشهادة الفروع للأصول سواء اكانوا ذكوراً أم إناثاً، لان العادة قد جرت على ان ينتفع الأصول بمال الفروع والفروع بمال الأصول ،ومن ثم فان شهادة كل منهم تتضمن معنى النفع فيكون الشاهد بذلك متهماً في شهادته والاتهام في الشهادة يؤدي إلى عدم قبولها عملاً بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تقبل شهادة الوالد لولده ولا السيد لعبده ولا الزوجة لزوجها ولا الزوج لزوجته)، اما شهادة سائر الاقارب غير الأصول والفروع فهي مقبولة عند الشافعية والحنابلة.

 في حين ذهب ابن المنذر وسفيان الثوري الى عدم قبول شهادة القريب لقريبه مطلقا مهما كانت صلة أو درجة القرابة، والظاهر من مطالعة احكام القضاء اليمني انه يأخذ بقول ابن المنذر وسفيان الثوري ، ونحن نختار هذا الرأي ، لأن الله تبارك وتعالى اراد ان تؤدى الشهادة لله تعالى ، قال تعالى {.. وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ...} [سورة الطلاق (2)] ، ومقتضى ذلك ان الشهادة ينبغي ان تؤدى لله تعالى بمعزل عن أية مؤثرات أو مغريات، ولا شك ان القرابة من اخطر المؤثرات على الشاهد والشهادة، ومع ذلك فاننا نرى ان القرابة تحول دون ان تكون شهادة القريب دليلا كاملا ، بيد ان القرابة لاتعدم شهادة القريب بالكلية وانما تجعلها مجرد قرينة لايؤخذ بها إلا إذا تساندت مع عبرها.

الوجه الثاني : موقف قانون الإثبات اليمني من شهادة الأقارب:

لم يصرح قانون الإثبات بمنع أو جواز شهادة الاقارب لبعضهم غير انه اشترط في المادة (27) الفقرة (و) في الشاهد (ان لا يجر لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً) ، فيظهر من ذلك ان شهادة الاقارب داخلة في هذا المعنى حسبما قرر الشافعية بالنسبة لشهادة الأصول والفروع لان هؤلاء ينتفعون بأموال بعضهم بعضاً، في حين يذهب الزيدية والحنفية والظاهرية إلى خلاف ذلك، ومن الملاحظ ان القضاء اليمني يتوسع في تطبيقه لمفهوم القرابة المانعة من الشهادة، فيمنع شهادة الأخوة والأعمام والأخوال والأصهار، مثلما ورد في الحكم محل تعليقنا، اما محكمة النقض المصرية فقد قضت بان (صلة القرابة بين الشاهد والمشهود له لا تعد سبباً قانونياً لطرح الشهادة).

الوجه الثالث: الأقارب في القانون اليمني محكمة شهادة زوج البنت:

نظم القانون المدني اليمني القرابة والأقارب في المواد (42 و 43 و 44)، فقد نصت المادة (42) على أن (اقارب الشخص هم الذين يجمعهم معه أصل مشترك ويحدد القانون الخاص درجة القرابة)، ووفقاً لهذا النص فإن زوج البنت لا يعد من الأقارب ،لأنه لا يجمعه مع أب زوجته أصل مشترك وإن كان متزوجاً من البنت التي يجمعها مع ابيها أصل مشترك.

في حين نصت المادة (43) مدني على أن (القرابة المباشرة هي الصلة بين الأصول والفروع، والقرابة غير المباشرة هي الصلة بين شخصين يجمعهما أصل مشترك دون أن يكون أحدهما فرع للآخر)، وبموجب هذا النص فان زوج البنت ليس من الأٌقارب فهو لا يندرج ضمن القرابة المباشرة أو غير المباشرة.

ونصت المادة (44) مدني على أن (تحسب صلة القرابة المباشرة على أساس أن كل فرع درجة عند الصعود للأصل بخروج الأصل الذي تحسب القرابة إليه، وتحسب درجة القرابة غير المباشرة بإعتبار الفرع درجة صعود إلى الأصل المشترك ثم نزولاً منه إلى الفرع الآخر ولا يحسب الأصل المشترك)، كذلك لا يعد زوج البنت وفقاً لهذا النص من الأقارب.

اما قانون الأحوال الشخصية اليمني فقد نظم القرابة في الكتاب الثالث من القانون بعنوان (القرابة وأحكامها) من غير أن يبين درجات القرابة وانواعها وان كان القانون المشار إليه قد استعرض الاقارب في سياق تناوله للورثة ، ومع ذلك فقد المح القانون إلى زوج البنت ضمن موانع الزواج أي القرابة المانعة من المصاهرة . اما قانون المرافعات اليمني فقد صرح في المادة (128) أن وجود علاقة مصاهرة بين القاضي واحد الخصوم مانع وجوبي للقاضي من نظر القضية، ومن المعلوم أن زوج البنت يندرج ضمن الأصهار.

 ومن المعلوم أن الفقه الإسلامي يقسم القرابة إلى قسمين؛ قرابة النسب وقرابة المصاهرة، وبناءً على ذلك فإن زوج البنت يندرج ضمن قرابة المصاهرة.

وعلى أساس ما تقدم فإن زوج البنت وإن لم يرد ذكره ضمن قرابة النسب على النحو السابق بيانه إلا أنه يجر لنفسه نفعاً ويدفع عن نفسه ضررا في شهادته لأب زوجته (عمه) ، فالبنت زوجته ستكون وارثة لأبيها ، وتبعاً تتحقق العلة التي ذكرها بعض الفقهاء في منع شهادة القريب لقريبه وهي إنتقال الأموال بين الشاهد والمشهود له، فزوج البنت وإن لم يكن وارثاً لعمه إلا أن زوجته ستكون من ضمن ورثة ابيها وستؤول بعض أموال ابيها إليها وعندئذٍ سيكون زوجها وأولاده ورثتها والعكس صحيح بالنسبة للزوج إذ يحتمل أن يموت فترثه زوجته ، ومن المحتمل أيضاً أن تموت الزوجة فيرثها أبوها.

إضافة الى أن في شهادة زوج البنت شبهة من حيث التأثير على شهادته لوجود علاقة الزوجية القوية التاثير على زوج البنت ، والدليل إذا تطرق إليه الإحتمال سقط به الإستدلال.

وقد قضى الحكم محل تعليقنا بعدم قبول شهادة زوج البنت، وقد سبق القول أن القضاء اليمني يتوسع في مفهوم القرابة المانعة من الشهادة، وهذا الموقف يحمد للقضاء اليمني.

ومع هذا وذاك فإننا نرى أن القرابة لاتبطل الشهادة كلية وانما تجعل شهادة القريب لقريبه قرينة وليس دليلاً كاملاً، فلا يعمل بشهادة القريب لقريبه كدليل كامل وانما تكون في هذه الحالة قرينة لايعمل بها إلا إذا تساندت مع قرائن وأدلة أخرى،(الوجيز في شرح احكام الاسرة ، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، 142). والله أعلم.

تعليقات

عدد الزوار